عن التناظر بين سلوك الإنسان والظواهر الفيزيائية

إذا كنت قد درست الفيزياء بالمرحلة الثانوية فلابد أنك مررت على معادلات حساب المقاومة الكهربية، وكذلك المعاوقة المغناطيسية، والممثلة في المعادلات التالية على الترتيب:

أنت قد تخطئ بينهما نظرًا للتشابه الكبير فالرمزان (L) و(A) يشيران إلى الطول والمساحة كما أن (Ϭ) هي التوصيلية الكهربية (electrical conductivity) و(µ) هي النفاذية المغناطيسية (magnetic permeability). هذا ما يعرف بالتناظر (analogy) وهو مبدأ قد يعتمد عليه علماء الرياضيات والفيزياء بشكل كبير فى استنتاج القوانين واشتقاقها ثم إثباتها، حيث تتشابه المتغيرات في تناسبها طرديًا أو عكسيًا مع متغيرات أخرى في وجود ثوابت تربط بينها جميعًا في معادلة بسيطة تيسر الحسابات فيما بعد.

وإليك مثال آخر: قانون الجذب العام لنيوتن ويناظره قانون كولوم للجذب الكهربي، في هذا المثال سأعفيك من تفسير الرموز.. فقط أدعك ترَ بعينك التماثل (symmetry) بينهما!

لحسن الحظ الأمر لا يقتصر فقط على التشابه في القوانين، بل في الظواهر وطبيعة الأشياء أيضًا؛ فالإلكترونات (جسيمات) لها طبيعة موجية تمامًا كموجات الضوء وهذا ما اكتشفه العالم الفرنسي (دى برولي) وسُمي باسمه فيما بعد (مبدأ دي برولي).. وبناءً على ذلك يتم اختراع الميكروسكوب الإلكتروني الذي يفوق في دقته المجهر الضوئي التقليدي. العكس حدث عندما اكتشف (أينشتاين) ومن بعده (كومبتون) الطبيعة الجسيمية للفوتونات المكونة للضوء (موجات)، هذا مايعرف بالظاهرة الكهروضوئية (photoelectric effect) والتي فاز على إثرها أينشتاين بجائزة نوبل في الفيزياء. لا تتفاجأ لأنه لم يحصل عليها لاكتشافه النظرية النسبية!

بالطبع حصل كل من دي برولي وكومبتون أيضًا على جائزة نوبل في الفيزياء.. ليس ألبرت وحده!

وقد تتساءل لماذا قلت في بداية الفقرة (لحسن الحظ)؟ الموضوع بسيط.. فكما أوضحت آنفًا أن التناظر يسهل عملية تحليل الظواهر الطبيعية واشتقاق القوانين المُسيّرة لها.

هل هناك تشابه بين سلوك الإنسان وسلوك الطبيعة؟

مما سبق يتضح أن الرياضيات والفيزياء يكثر فيهما التماثل في القوانين.. لكن الغريب أنك تجد أيضًا تشابهًا واضحًا في سلوكيات الإنسان مع الظواهر الفيزيائية، ودعني أخبرك بشيء من ذلك:
الغازات – على عكس الجوامد والسوائل – تشغل أىّ حيز من الفراغ تتواجد به، أي أنه لا يوجد لها حجم ثابت، فنفس الكمية التي تملأ إناءً صغيرًا تستطيع أن تملأ وعاءً ضخمًا إن هي وضعت بداخله.
أنت أيضًا قد تواجه مشكلة صغيرة نسبيًا، لكنها تشغل عقلك وبالك بالكلية، بل لا تستطيع أن تركز في عملك وأنت مشغول بها.. ذلك لأنها كالغازات، أتحت لها هذا الحيز الكبير من تفكيرك فشغلته عما سواه.
هذا لا يدوم حتمًا فريثما تلاحقك مشكلة أكبر (للأسف أؤكد لك ذلك) لتلاحظ أن المعضلة الأولى التي ظننت ألا فكاك منها أصبحت هينة، ولا تقارن بالثانية، حيث باتت لا تشغل إلا حيزًا أصغر من ذي قبل.
هنا أذكر مقولة مأثورة عن د أحمد خالد توفيق رحمه الله: عندما تقلع عن إدمان شيءٍ ما، فإن أول ما ستواجهه هو التفكير به في أوقات الفراغ، فإن قتلت الفراغ انتصرت.

وإن أمعنت التفكير فيما يحصل ستجد تناظرًا آخر مع ما يحدث في متسلسلة النشاط الكيميائي، حيث تحل العناصر الأقوي فى السلسلة كالماغنسيوم والصوديوم محل العناصر الأضعف كالنحاس والفضة فى محاليل أملاحها، بل تطردها لتترسب ولا يبقى منها إلا شبحها.
ولذلك أنا أنصحك بأن تشغل جُلّ يومك بمهام تلتزم بها، منها قطعا ممارسة الرياضة والترفيه عن النفس، لكن أبدا لا تسمح لأفكارك السيئة بأن تسيطر على عقلك وتنهك قلبك وتستنزف حيويتك وطموحك، فنفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

الإنسان عدو ما يجهل

طبعًا أنا لا أزعم أن هذا التناظر له تفسير علمي واضح، بقدر ما أهوى فكرة عقد المقارنات اللطيفة، ومحاولة الربط بين الأحداث. عمومًا إذا لم تقتنع بما سبق سأذكرك بمعلومة أخرى:
تدور الإلكترونات حول نواة الذرة كل منها فى مستوي يساوي طاقة الإلكترون ولا تنتقل لمستوى أعلى في الطاقة، إلا إذا استثيرت (اكتسبت) بطاقة تساوي الفرق بين المستويين، لكنها سرعان ما تفقدها لترجع إلى مستواها الأصلي، إذ لا تكون الذرة مستقرة فى أثناء ذلك.
نعم هذا غريب، أعرف أناسًا عديدين لا يقبلون التغيير ويخافون التحول والمغامرة حتى إن كانت للأفضل، يؤثرون البقاء على حالهم.. إن اكتسبوا طاقة فلا تدوم سعادتهم ونشاطهم إلا قليلا ثم لا يلبثون أن يتراجعوا إلى سابق عهدهم ليثبتوا أنه حقًا الإنسان عدو ما يجهل.

ولقد نصحنى صديقي مرات عديدة بألا أقفز من السيارة إلا حينما تتوقف، وألا أنزل مسرعًا أجري كيلا أرتطم بالأرض ويحدث ما لا يحمد عقباه.. صحيحٌ أنه جانبه الصواب عندما استفسرت منه عن سبب ميلنا للجهة المقابلة من السيارة عندما تأخذ منحنََى أو طريقًا مستديرًا مجيبًا في ثقة: هذا بسبب قوي الطرد المركزي، ليتضح فيما بعد أنه لا يوجد ما يسمى بقوة الطرد المركزي هذه، فقط بسبب القصور الذاتي (inertia) طبقًا للقانون الأول لنيوتن: الجسم الساكن يظل ساكنًا والجسم المتحرك بسرعة ثابتة يظل متحركًا بسرعة ثابتة ما لم تؤثر عليه قوة تغير من حالته.. فأنت تميل للحفاظ على حالتك من السكون أو الحركة مقاوما التغيير الطارئ.

فيما بعد عندما تحاول تحليل سلوك الطبيعة من حولك فكر أولًا متى رأيت ما يشبه ذلك؟ وأين رأيته؟ ستجد أن الأمر وإن كان على سبيل الاستمتاع ونسج الأفكار المترابطة، يقوي فهمك للظواهر والطبيعة من حولك ويسهل عليك استذكارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

سهم الزمن
شارك 30
علوم
منذ 3 أسابيع
s