“من طبائع الاستبداد إلى طبائع الاستهلاك، عن ابتلاع الحداثة لصيغ التمدن وخطر الرأسمالية على صيغ التدين”.

هكذا كان التصدير في مقدمة الكتاب للدكتورة هبة رؤوف عزت التي تبين فيها كيف شغل العقل المسلم بالتعامل مع الاستبداد فأنتج سيلًا من الكتابات عن علاقة الإسلام بالديمقراطية في حين مدت الحداثة كمشروع علماني جذورها في مجتمعاتنا دون أن يستوعب المشتغلون بالدعوة مخاطرها ومواطن الزلق فيها، وترى د.هبة أن السيولة هي الكلمة المفتاحية في الكتاب فالجيل الجديد الذي انصرف عن الأطروحات الصلبة للتنظيمات وركز على قيم النجاح الفردي بدلًا من المفاهيم الكبرى كالخلافة والتي تبتعد عن هموم الناس اليومية مما أدى إلى تمكن السوق من ابتلاع الظاهرة الإنسانية وتحولت الدعوة لسلع تُباع كبرامج تلفزيونية في رمضان.

الكتاب يتناول ما فعلته المدينة الحديثة التي هي ساحة الرأسمالية وبَوتقة مشروع الحداثة الغربي برؤيته العلمانية والفردية فالمدينة تجمع بين السوق والعسكرة في الدولة وتتسم بالاستهلاكية والسلطة الإدارية في آن واحد وهو ما يحملنا للتساؤل ما الذي يمكن أن يعتبر تجديدًا في الخطاب الإسلامي؟ وما الذي يمثل سيولة وعلمنة وما المعيار؟ والحل تراه د.هبة بعرض الأمر على الفقه، فقه الشرع وفقه العقل المسلم في فهم الحداثة حتى لا تتحول لعلمنة تهدر مقصد الشرع وحكمة النص.

بالطبع عشر سنوات مرت على صدور الكتاب جرى فيها الكثير، فشعارات الإسلاميين لم تصمد أمام سياسات براجماتية تبنوها حين وصلوا للحكم وأبانوا عن سيولة في الخطاب لصالح الدولة العميقة وهنا تطرح د.هبة السؤال عن الصحوة الإسلامية في الفترة القادمة فهل هو تدين فردي أكثر صلابة ووفاءً للأصول ووعيًا بشفرة الحداثة أم تدين شعبي أكثر تماسكًا واتساقًا؟ فأنصار الوعي مستمرون في تحريك المياه الراكدة بتنوعاتهم من سلفية مستقلة أو شبكات راديكالية تؤمن بالثورة والتغيير أو عائدون للنهج الأشعري من طلب العلم بطرقه العتيقة أو بصعود الصوفية العملية التي تجمع بين إعادة اكتشاف الإسلام وإعادة اكتشاف الذات.

ترى د.هبة أن غلبة الخلفية التكنوقراطية والعقلية الحداثية على قيادات التنظيمات وتراجع دور الفقه الشرعي في صناعة القرار والسياسات أحد أهم أسباب المأزق الذي وصلت إليه تلك الحركات، فحسابات المكاسب السياسية والحشد الجماهيري ومنطق التنظيمات هو منطق في عمومه حداثي كمنطق التنمية البشرية والإدارية سواء بسواء، وتضيف إلى أنه بالإضافة إلى إدراك ابتلاع السوق للمفاهيم الإسلامية لا بد من فهم سيكولوجية المال كمفتاح لفك شفرة الثقافة الاستهلاكية وهيمنة السوق وما يرتبط به من إعلاء قيمة المال وارتباط المكانة الاجتماعية بالثروة والشهرة.

مقدمة الكتاب:

في مقدمة الطبعة العربية يرصد الكتاب بعد عشر سنوات من صدور كتابه كيف تفاعلت المجتمعات العربية مع حركتي الأسلمة والعولمة في الوقت ذاته مع عجز الإسلام السياسي عن طرح بديل فعلي، من هنا ينطلق إلى مصطلح إسلام السوق الذي هو مزيج من النزعة الفردانية ونزع القداسة عن الالتزام التنظيمي وإعادة النظر في فكرة شمولية الإسلام؛ ليظهر التدين الورع الذي لا يولي لمسألة الدولة والثقافة المرتبطة بالطبقة الاجتماعية اهتمامًا، إسلام السوق هو حافز للانفتاح على العالم على حساب الهوية وهو حالة منتشرة بين أطياف التوجه الإسلامي من الإخوان للسلفية للصوفية والدعاة الجدد وأصحاب المشاريع الرأسمالية بطابع إسلامي.

إسلام السوق إذن فكرة للربط بين أنماط معينة من التدين الإسلامي والأسس الفلسفية للسوق مثل النزعة الفردانية والانفتاح وأولوية الشأن الخاص على العام المرتبط بالدولة والعولمة ونزعة الاستهلاك مما يؤدي في النهاية لتقليص المكونات الهوياتية، يرى الكاتب أن إسلام السوق يتوسع بسرعة منذ منتصف التسعينات نتيجة لأربعة نماذج تشكل مباحث الكتاب؛ نموذج التدين الفرداني المنفصل عن المشاريع الجماعية الكبرى في سبيل مشاريع شخصية، إعادة صياغة الإسلام بنماذج تفكير السوق، التأكيد على روح المؤسسة داخل مساحة الديني والفتنة بنظريات المنجمنت، إعادة تسييس الديني على أسس نيوليبراليىة فلم يعد الهدف مطلب الشريعة وإنما بناء مجتمعات مدنية مزدهرة.

الفصل الأول: تجاوز الإسلاموية

مع تزايد الانتقادات الموجهة لجماعة الإخوان كتنظيم هرمي، وظهور دعوات التحول من التنظيم الهرمي للعمل وفق منطق الشبكة بما يتيح حالة من التعددية الغنية والانعتاق من قيود الانضباط التنظيمي تطور الاتجاه الإسلاموي الناقم الذي يبحث عن أنواع جديدة من الالتزام والمنفتح على الخارج رفضًا للانغلاق الهوياتي، ومن ثم حدثت حالة من السيولة في المفاهيم التي تنتزع من سياقها في الفقه الإسلامي وتوضع في حقل دلالي حداثي غربي، فبهدف إدراج الإسلام في كل المجالات تظهر تراكيب فكرية هشة بلا مضمون واضح ولا تعدو مجرد ديباجات كمصطلح الجهاد المدني المخلّ بالمعنى الأصلي للجهاد في التراث الإسلامي.

يتناول الكاتب في هذا الفصل عملية التطبيع السياسي الذي أخضع له الراب والفن الجهادي بوصفهما الأشكال الاحتجاجية الأولى من النشيد ومولد الفن النظيف المنفتح على العالم والعابر للثقافات على غرار نمط تراث موسيقى نبض العالم وعلى حساب تراجع المكون الهوياتي، كما يحلل كيف تعرض الحجاب الإسلامي لنفس التحولات بعدما نقل لسياق استهلاكي وخضع لمبدأ الموضة الذي كان مرفوضًا في حد ذاته باعتباره أسلوبًا مفروضًا وتبذيرًا ومصدرًا للإغراء، فتظهر الاحترافية واعتماد مبادئ التسويق مع التخفف من إصلاح النفس في مقابل تلبية رغباتها ونمذجة الأخلاقيات والجمالية الإسلامية في عالم الاستهلاك واعتماد قوانين ألوان الموسم التي يصدرها مصممو الأزياء في باريس أو تورينو، ومن ثم في مرحلة لاحقة لا يصبح الحجاب تجسيدًا للهوية بل سلعة مقبولة اجتماعيًا تتخلى تدريجيًا عن مبادئ الحشمة الاجتماعية؛ لتظهر القطيعة مع الجيل الثالث من الستريت وير الإسلامي الذي تصبح فيه الهوية الإسلامية علامة تجارية لا أكثر.

يحلل الكاتب أيضًا ظهور زخم جديد حول عدد من الدعاة الجدد يضفي طابعًا رسميًا على التدين الجديد المرح والتنافسي ويؤكد حالة البرجزة داخل نمط الحياة الإسلامية، دعاة يحسنون التعامل مع وسائل الإعلام وفنون الإقناع عبر إثارة الإعجاب وتطوير تدين وجداني مليء بدموع جمهوره الذي يغلب عليه العنصر الأنثوي بشكل أشبه بعلاقة مع الداعية مبنية على الإعجاب، تدين يركز على العاطفة والسعي لتحقيق السعادة الفردية والتعامل مع الدين كعلاج وجداني، تدين يفك الارتباط بين قضايا الهوية والسياسة ويقوم بإلغاء الوعي الجمعي لحساب تحول ذاتي للفرد الذي يحقق ذاته.

الفصل الثاني: تدين تحركه قوى السوق

يبرز السوق باعتباره القناة الوحيدة للتعبير عن مطالب أولئك الذين خاب أملهم في الخطاب الإسلاموي الكلاسيكي فيحدث تكييف للعرض الديني مع التوقعات المحتملة للجمهور، فيكون الناتج ذوبان العرض في تيار محافظ وعلمنة للسلع الثقافية التي يفترض أنها تستهدف التعبير عن الهوية الإسلامية لأن بعضها سيصل لجمهور غير مسلم، فتجري عمليتان متضادتان من تغلغل للمنتجات الدينية في الحياة الاجتماعية وتكوين توجه ديني جديد يخفف حدة الدرس الديني السلفي التي لا تتمتع بمظهر أنيق.

الإشكالية تبرز هنا في استحالة التوافق بين جذب الجمهور الغارق في العولمة والامتثال لمبدأ التمايز الذي يتضمنه خطاب الإسلام السياسي فأصبح الأمر يتعلق بالتفكير في الإسلام كمنتج موجه لمستهلكين وبالتكيف مع مطالب النفس بدلاً من إصلاحها والتنازل عن الهوية في مقابل عرض منتج إسلامي يتناغم مع متطلعات جمهور غارق في الاستهلاكية، ومن ثم تتم التضحية بالعامل الأيديولوجي والهوية في سبيل الربح، كما يشير الكاتب إلى اللجوء إلى السوق وسيلةً للثأر الديني ومصدرًا لاستعادة الكبرياء لدى الأقليات في أوروبا فيصبح إسلام السوق فخرًا للمتشبثين بالنجاح.

الفصل الثالث: إسلام السوق حركة إصلاح للذوات الدينية

يعكس إسلام السوق عمق التفاوت الاجتماعي الذي تستفيد منه البرجوزاية المتدينة، على الأقل بالتغافل عنه أحيانًا، والإدانة الأخلاقية للفقراء بربط الفقر بالانحلال الأخلاقي وزيادة الذنوب، من ناحية أخرى يبين كيف أصبح المال مجالاً لاستعادة الكبرياء وعلامة على تحقق الاختيار الإلهي بل وصار بعض الإسلاميين يروج لأهمية القوة المالية والاجتماعية لأن الناس لا تستمع إلا للأقوياء الذين تظهر عليهم علامات النفوذ.

ويبين أيضًا كيف ساهم الدعاة الجدد في تحويل القيم الروحية إلى رأسمال وطاقة إنتاجية فهم يروجون أن “السلبية” وليس الإمبريالية الثقافية الغربية هي التي تقع في قلب أسباب انحطاط العالم الإسلامي، وبالمثل تمت أسلمة الفكر الإداري “المنجمنت” الذي حُملت به القيادات الإسلامية التي عادت من الولايات المتحدة مع بقاء المحتوى التدريسي أمريكي الطابع وابتعاده عن الطابع الجماعي وتركيزه على الفرد والتحقق الذاتي، فبعد أن تم تطويرها في البداية لأهداف نضالية انفصلت لاحقًا عن التجربة الإسلامية، ومن هنا يبرز نموذج رجل الأعمال المتدين فيصبح المثال المحتذى ليست القوى التأملية بل العمل والقدرة على الاغتناء والتحكم في نماذج “المنجمنت” على النمط الأمريكي، ومن ثم ينتج تعظيم الربح غير المحدد سوى بحدود الصرامة الأخلاقية التي توفق بينها وبين الحداثة.

الفصل الرابع: فاعلون لتحجيم الدولة

على الرغم من البعد الفرداني الذي يتضمنه إسلام السوق فإنه يسهم في تشكيل مشهد ديني- سياسي جديد، فلم يعد الأمر متعلقًا بالدولة الإسلامية بل بأنماط جديدة من النضالية مؤسسة على النموذج الإداري للمؤسسة الصغيرة أو ما يسمى “إسلام المشاريع” التعبير النضالي عن إسلام السوق، ومن ناحية أخرى تصبح النهضة المنشودة ليست النهضة بالإسلام وإنما نهضة الدولة القومية مما يدفع إسلام السوق خارج النسق الإسلاموي ليتسق مع النيوليبرالية تزامنًا مع حركة “برجزة” للمنتمين إليه باستلهام نموذج الثورة الفاضلة والخلاص بالأعمال الخيرية.

من جهة أخرى يرصد الكاتب كيف تم استيعاب المخزون الإسلاموي بمجمله في خطاب نيوليبرالي لدى بعض الإسلاميين بالاعتماد على فكرة إعادة التوازن إلى الروابط بين الدولة والأمة من خلال اليقظة الأخلاقية المستندة إلى الكفاح المدني لا المرجعية الإسلامية واستقلالية القطاع الخاص وتحريك الاقتصاد الاجتماعي بواسطة المجموعات الدينية بالزكاة والوقف والصدقة، وبالتالي تم التخلي عن فكرة أن الدولة يجب أن تنتظم وفق نظام إلهى مقابل الانعتاق من وصاية الدولة ومنح الأولوية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية ومن ثم إدراج الاقتصاديات الحديثة داخل النظم الدينية التقليدية.

خاتمة:

يوضح الكاتب كيف تم التحول من اللائكية على النمط الفرنسي (المعادية للكنيسة) إلى علمانية مستوحاة من النموذج الأمريكي بدفع النموذج النيوليبرالي إلى المسلمين للقبول بقيم مثل الديمقراطية والليبرالية وانبثاق فكرة إسلام” مدني” و”ديمقراطي”، ومن ثم الانتصار على المسلمين في “حرب الأفكار” ليس فقط على المجتمعات المسلمة ولكن على الإسلام نفسه من خلال دعم إنشاء فضاء سياسي متوافق مع قيم الفكر الجمهوري المحافظ في أمريكا، ومن هنا يتحول إسلام السوق إلى فضائل السوق والشأن الخاص والبعد عن الدولة، ويظهر بوصفه الشريك المثالي للأمريكيين ليس فقط في سياساتهم الشرق أوسطية ولكن أيضًا في صراع الحداثة الذي تواجهه أمريكا مع عصر الأنوار الأوروبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد