في أزمان سابقة كان مفهوم الحرية والعبودية ربما يقتصر على الإنسان الذي لظرف ما، صار يباع ويشترى في سوق النخاسة؛ وعندما جاء الإسلام توسع المفهوم إلى فضاء معنوي، ونفسي، وروحي، وفكري، مع بقاء نموذجه الفيزيائي (النخاسي) فقد رأينا بلال الحبشي وسلمان الفارسي مثلًا يسموان على كونهما من فئة من الناس تباع وتشترى، ويملك السيد حق التصرف بمفهومه الجسماني بها، ولكنهما كوّنا نموذجًا للحرية نعرفه، باتباعهما واعتناقهما عقيدة التوحيد، والعبودية لله – سبحانه وتعالى – والخروج من ملة الكفر، والشرك.

وانتهى عمليًا وعلى نطاق واسع جدًا نموذج النخاسة والرّق الذي عاشته البشرية في قرون ماضية، بل صار أمرًا مقيتًا محاربًا بقوانين دولية ومحلية تجرّمه، حتى وإن وجد من يمارسه هنا أو هناك.

ولكن الناس لم يتحرروا جميعًا من أنماط عبودية (عصرية) تتكرر في كل زمان ومكان؛ والمسلمون وفق عقيدتهم مأمورون بنبذ كافة ضروب العبودية، والخلاص من قيودها؛ فهم أهل عقيدة ودين أول ركن من أركان الإيمان به شهادة أن لا إله إلا الله، وعليه لا يصح أن يكون المسلم منا عبدًا لأي ما كان: إنسانًا، أو دولةً، أو حزبًا، أو كيانًا، اجتماعيًا، أو اقتصاديًا، أو غيره، حتى وهو ينتسب إليه ويعمل معه، كما أنه على الصعيد الشخصي لا يجوز له أن يتسم بالعبودية لشهوة، أو غرض، أو مصلحة، أو شيء مادي، وفي الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش. الحديث.

فتخيل معي إذا كنت عبدًا من هذا النوع – وأنت أدرى بحالك – من الذي يدعو الله عليك؟ هو محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – بحيث إذا أصابتك شوكة لا يرجو من الله لك من أثرها شفاء! وهذا دليل على قيمة الحرية، وأن تكون تمام العبودية لله تعالى.

في السنوات الأخيرة اختلطت الأمور على الناس، فكل يدعي أنه حرّ ويرمي غيره بالعبودية؛ وكثير من العبيد يبررون عبوديتهم، بنفي فكرة العبودية أساسًا، وصار التمييز يحتاج إلى تدقيق؛ حتى والعبودية لغير الله تعالى تتمظهر في أشخاص أو فئات أو حتى دول.

والحقيقة أن الناس لا يستوون في مدى قبولهم وتعاطيهم وممارستهم لفكرة العبودية والحرية؛ فهي ليست مفاهيم مطلقة في وعي الناس وممارساتهم ولذا فإنه قد بدا لي أنهم ينقسمون إلى ثلاثة أنواع:

1) النوع الأول: هناك من يقبل أن يكون عبدًا لأي سيد مهما كان جنسه أو معتقده أو سمعته أو… ما دام هذا السيد يعطيه ما يراه كافيًا وفضلًا منه ومنة يمنّها عليه، وحال هؤلاء أشبه بسيارة (أو شيء آخر في زمن ماض!) قابلة للبيع والشراء ويقودها من يحسن القيادة ويغير قطع غيارها إذا لزم الأمر عند عطلها ويزودها بالوقود اللازم، وقد يكون السيد / السائق صاحب ذوق فينظفها ويغسلها ويزينها باستمرار، وقد يكتفي بإصلاحها عند العطل وتزويدها بالوقود والزيت، ولكنها تتحرك وتسير وفق السائق / السيد.

إنهم قوم يقبلون العبودية بسهولة واستسلام، ويستغربون كيف أن هناك من يرفض العبودية من الناس لأنها بنظرهم أسهل وأسلم وأكثر ضمانة للقمة العيش، ومثلهم كمثل قول الله تعالى (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) أي حياة ولو كانت عبودية لغير الله تأخذ طبائع غير شعائرية بحكم تغير الزمان والمكان، وعادة ما يطعّمون قبولهم لفكرة العبودية ويبررونها لأي كان من الأسياد بمبررات تأخذ أي طابع حسب ثقافتهم… وهم يسعون أن يكون كل الناس مثلهم، ويرون أن من ليس مثلهم من الشواذ أو الجاحدين!

2) النوع الثاني: هناك من يرفض العبودية إلا لنوع خاص من الأسياد يراه خيرًا من غيره ويهمه في السيد شروط معينة تتعلق بشخصه ومعتقده وبنيته الفكرية، أو مؤهلاته الاجتماعية، أو السياسية أو الاقتصادية، وغالبًا ما يكون مدّاحًا للسيد الذي تنطبق عليه الشروط، بل قد يستبق تحوله إلى العبودية لهذا السيد بإطراء وتملق لعل السيد العتيد يجعله من عبيده، وقد تأخذه المبالغة إلى اختراع أكاذيب عن سيده (الحالي أو المأمول) يصدقها من كثرة تكرارها فينسب إليه صفات يعلم بداية أنها كذب محض، ولكنه مع الزمن يتعامل مع أصدقائه وأعدائه وخصومه ومن يختلف معه ومع نفسه طبعًا بأنها حقائق لا تقبل التشكيك فسيّده هو (خير من ركب المطايا… وسيده هو وهو وهو…)، وهو يتعالى، بل يعيب على النوع الأول ويكابر بأنه حرّ أبيّ صاحب مبدأ، وله معتقدات (ثورية)، وغالبًا صوته عال وعنده روح المزايدة ويمارسها باستمرار، وهو أحيانًا بارع في جرّ خصومه إلى نقاش يتحكم هو بمدخلاته ومخرجاته وأدواته كي يظهر أنه (حرّ في زمن العبيد!)… هو تقريبًا أشبه بجهاز تستطيع تشغيله بمجرد معرفة كلمة المرور… وأيضًا يسعون أن يتبنى الناس جميعًا منطقهم، وفي نظرهم من لا ينظر إلى العبودية بمنظارهم شاذ، أو ناكر للجميل، أو هو بالضرورة عبد لنوع مفترض من الأسياد، تمامًا مثلهم… هم بتعبيرات دارجة يهمهم شكل العبودية، ولا يرفضون جوهر فكرتها!

3) النوع الثالث: هناك من يرفض العبودية مطلقًا مهما كان دين السيد، أو معتقده، أو فكره، أو لونه، أو جنسه، ويقاوم بشدة هذه الفكرة، وقد تكون مقاومته صامتة أو صاخبة، ولكن قد يصعب تمييزه والحكم عليه في حمأة نقاش، وحوار خاصة مع النوع الثاني، لا سيما أنه يتجنب المزايدات، ولكنه في المحصلة يأبى العبودية ويرفضها تمامًا، ولذا تجد وحدة بين النوعين السابقين في محاربته والانتقاص من قدره وتشويه سمعته، والتضييق عليه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛ وهؤلاء الرافضون للعبودية يحبون أن يكون الناس مثلهم، ولكنهم ليسوا في حالة اتحاد غالبًا، بل جهودهم مبعثرة، ومنهم من يسعى إلى جلب الناس إلى مربع الحرية، ومنهم من يكتفي بأنه حرّ ويريد كفّ أذى العبيد وأسيادهم عنه فقط.. وقد يحاول التحلي بالمرونة وتجنب الصدام، ولكنه لا يفلح في ذلك، فعشقه لمبدأ الحرية يُفصح عن معدنه بسرعة نسبيًا، كعاشق ولهان يبدو العشق على محياه.. وغالبًا ما يُنظر إليه على أنه على الطريق الصحيح، ولكن قلّما يمد له أحد يده ليعينه على نوائب الدهر، وهو إذا استسلم وأصيب بالإحباط وحاول التأقلم وتقليد النوع الثاني أو حتى الأول يفشل، ويحذره العبيد وأسيادهم ويعتبرون محاولاته مجرد (تقية) وانحناء تكتيكي للعاصفة، ولكنه يكابر بأنه يستطيع (أن يكون عبدًا)؛ لأن هذا سهل، ولكنه الواقع يتناقض مع حقيقته؛ فالحرية فيه وعنده مثل خصائص عنصر فلزيّ لا يقبل الطرق والسحب!

هذه هي النماذج في النظر إلى الحرية وإلى العبودية في حياة الناس فانظر أين أنت وتحسس أمرك.. وسلفًا اعلم علمً مجرّبًا أن النموذج الثالث سيكلفك كثيرًا، وستجد نفسك تقاتل وحدك على جبهات عدة، وقد يقصم ظهرك، وربما ستحس أن انتصارك أو حتى تعادلك في الحروب هذه محال في هذه الدنيا.. ولكنه – النموذج الثالث – مفتاح رضاك عن نفسك ورضى الله تعالى عنك قبلها.. فماذا تختار؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد