أصل الحكاية

«قبيل نومه يقرر أن يفعل أشياء كثيرة مع مطلع يومه الجديد، ينام على أمل ثم يصحوا ليمارس حياته كما يفعل منذ سنوات بعيدة، يجتر الساعات والدقائق طمعًا في حلول الليل، فيحضر أوراقه وأقلامه ليخطط كثيرًا ويبني آمالًا أكبر من يومه ومكانته ثم ينام قرير العين على أمل أن يطيح برتابة حياته، وما بين الاستيقاظ والنوم من جديد يصبح الغثيان موقف الرفض الوحيد».

فهل خبرت من قبل ذلك الشعور! أن تضطرب معدتك وتميل لرغبة قوية في القيء، دون أن تملك قدرة على فعل هذا؟ربما تنتابك الحالة كلما واجهت مثيرًا ما، ويدفع جهازك الهضمي لذلك، بدافع تنبيهك من خطر يحيق بك أو رفضا لموقف أو طعام ما. «الغثيان» عرض لحالة أعمق ربما انعكاس لشعور كامن بالقلق أو القرف أو السخط، ويحدث حينما تتعرض لمثيرات الحياة المختلفة أو تفاعلات مع آخرين، أو حتى مجرد رؤيتهم، فتتقلص ذاتك بداخلك رافضة لمجمل ما يحيط بك. تشعر «بالغثيان» لمجرد رؤية شخص ما أو سماع صوت أو ضجيج حولك.

«الغثيان»

وهو محاولة من نفسك لرفض ضغوط الآخرين، واسترداد ذاتك الأصلية ومؤشر خطر أنك تنسحق تحت وطأة زيف اجتماعي ونفاق لا نهائي من حولك، هل خبرت أيضًا أن تتصارع مع بعض منك، أن تتشاجر مع نفسك، صراع ينشب بداخلك بين أن تتصالح مع ما ومن حولك وتصبح كأنك هم أو كأنهم أنت أي أن تتناغم مع خارجك، وبين أن ترفض هذا كله فينهار عليك سقف العلاقات الاجتماعية؟! هل جرّبت من قبل التناقض الشديد في حالتك النفسية يومي العمل والإجازة، فتصبح يومًا وافر النشاط مرحًا متصالحًا مع نفسك، ويوم آخر تشعر وكأنك مربوط بقيود وهمية أو حديدية لا تملك منها فكاكًا؟! هل تملك جرأة الخروج على المألوف وتسبح عكس التيار، وتسير في طريقك وحدك رغم التحذيرات والتنبيهات التي تصل للتهديد الصريح؟!

صعوبة أن تُصبح مُعلّبا

إن فعلت سارت حياتك طبيعية وصرت رقمًا ضمن ملايين الأرقام المتشابهة حولك لا تملك لنفسك أو من أمرك شيئًا، تصبح إرادتك وهمًا ولا تجرؤ أن تنظر في عيني ذاتك بمرآة نفسك، وإن رفضت فقد قطعت على نفسك طريق لا عودة إليه، وتصبح وقتها أسيرًا لغثيان مستمر، إذ ينبذك الناس ويكرهونك لسببين:

الأول: أنك مختلف عنهم وقد سارت حياتهم جميعًا برتابة لم تتغير، فاختلفت عنهم وأصبحت كإشارة مرور تعترض طريق فراغ كبير يعيشونه تآلفوا معه وأنسوا إليه.

الثاني : كراهية التمني أن يكون مثلك، لكنه العجز عن الفعل رغم تمتعهم بالرغبة الدفينة في الأعماق لكنها تظل محصورة في جانب التمني.

«الغثيان»

شعور مقيت مؤلم يلازمك طوال حياتك البائسة،ينغص عليك عيشتك، وقد تحاول جاهدًا أن تفر منه هربًا وربما تنجح أحيانًا في ذلك، ومؤكد ستفشل كثيرًا في الفرار وإن فعلت فإلى أين؟ وإلى متى؟، يضعك المجتمع في بوتقة واحدة مع الآخرين من حولك لا يعنيه اختلافك، بل يهتم كثيرًا بسحقك وردّك لطريق واحد لا غير. تصبح حياتك كما لو كنت أحد المعلّبات بخط إنتاج أو تجميع، حيث التشابه كبير بينك وبين الجميع وحيث ينبغي أو يجب أن تضيع معالم الاختلاف والتميز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد