حقل الدراسات الأمنية له أهمية علمية وعملية بالغة بالنظر إلى اهتمامه بالظواهر والتهديدات التي تمس الدول، وسياسات الأمن والدفاع الضرورية للتصدي لها. ويشهد هذا الحقل تطورًا مستمرًا، تماشيًا مع التحولات الإقليمية والدولية وأولويات حفظ الأمن الوطني، لذلك يُفترض أن تحظَى الدراسات والأبحاث في إطاره بمزيد من الجدية والاهتمام الفعلي في الوطن العربي، وهي المهمة التي تبنتها جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية منذ تأسيسها، بحيث تعمل على مواكبة رؤيتها الأكاديمية مع التحولات الحاصلة، من أجل إرساء مفاهيم أمنية ورؤى إستراتيجية تنطلق من فكرة الأمن الشامل.

لمحة عن جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية

تُعد الجامعة أول مؤسسة تعليمية متخصصة في العلوم الأمنية في الوطن العربي، تأسست قبل أربعة عقود ثم باتت تتوفر على كلية للعلوم الاستراتيجية بداية من سنة 2008، لتعزز دورَها باعتبارها مؤسسة من مؤسسات صناعة الوعي وتقديم المشورة فيما يتعلق بالقضايا الأمنية الراهنة.

هي مؤسسة علمية بحثية مقرها الرياض، سميت نسبة إلى الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود، وتأسست في سنة 1978 بقرار عربي لتكون أول جامعــة عربية تعنى بالدراسات العليا والبحث العلمي والتدريب في مجالات الأمن بمفهومه الشامل. تتمثل مهمتها الأساسية في الارتقاء بالعلوم الأمنية فكرًا ومنهجًا بما يسهم في تطوير أداء أجهزة الأمن والعدالة الجنائية.. ووضع الاستراتيجيات لاستشراف التحديات والمهددات الأمنية ومعالجتها بأسلوب علمي، بالإضافة إلى التركيز على فكرة الأمن الشامل وأحكام الشريعة الإسلامية، تدريب الإطارات العربية، تعزيز التعاون الأكاديمي عربيًا ودوليًا وتنمية الحس الأمني بما يواكب منظور التنمية المستدامة.

في سنة 2008، تأسست كلية العلوم الاستراتيجية لتسير وفق نظام وأهداف تصب في الرؤية الاستراتيجية والرسالة العلمية للجامعة، بحيث تنطلق هذه الكلية من مواكبة المستجدات والتطورات الحاصلة في السياق الدولي، والسعي إلى ضمان تكوين جيد للمقبولين فيها على الصعيد النظري، والتكريس لرؤية قائمة على المنظور الموسع للأمن في الوقت الراهن. وقد تم تنفيذ أول دبلوم في العلوم الإستراتيجية على مستواها خلال الفترة 2010– 2011، ثم أُنشئ برنامج التكوين في الدكتوراه بداية من سنة 2015. تفرع عن الكلية ثلاثة أقسام هي: قسم الدراسات الاستراتيجية، قسم الأمن الإنساني وقسم الدراسات الإقليمية والدولية.

أتى تأسيس جامعة نايف للعلوم الأمنية في خضمّ ظروف معينة إقليميًا ودوليًا. فنهاية السبعينيات قد شهدت توقيع اتفاقية «كامب ديفيد» بين مصر وإسرائيل، كما عرفت نفس الفترة مشروع تأسيس مجلس التعاون الخليجي الذي تزامن أيضًا مع حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران (1980– 1988).

فالفترة التي نشأت خلالها هذه المؤسسة العلمية اتّصفت بالاضطرابات السياسية والنزاعات بين الدول العربية، وعلى الصعيد الدولي كانت تداعيات الصراع في ظل الحرب الباردة لا تزال متواصلة. وإن كانت التهديدات وقتها لا تزال تقليدية في معظمها، بحيث أن الدول كانت ترى نفسها مهدَّدةً من قبل دول أخرى، وهو ما تؤكده النزاعات الإقليمية حول الحدود والمصالح المكتسَبة، غير أن تهديدات جديدة كانت قد بدأت في البروز والانتشار، أهمها وأكثرها خطرًا الظاهرة الإرهابية.

بالتالي فإن قرار إنشاء الجامعة جاء بالموازاة مع التحديات والتهديدات التي تعرقل – أو يمكن أن تعرقل – مسار السلام والأمن في الوطن العربي، لذلك قامت على أساس فكرتين هما: التكريس لمنظور الأمن العربي الشامل، والتعاون في المجال العملي. ويُعد التدريب في المجال الأمني محوريًا ضمن رؤية الجامعة وأهدافها العملية.

دور جامعة نايف في إثراء الدراسات في مجال التهديدات الأمنية الجديدة

عملت الجامعة على إثراء وتطوير البحوث في مجال الدراسات الاستراتيجية والأمنية، وهو ما يمكن تلخيصه من خلال العناصر الآتية:

اتّباع «منهج فريد في التعامل مع الواقع الأمني من منظور واسع»، أي التكريس للمقاربة الأمنية الشاملة القائمة على المضامين والأبعاد العديدة والمتداخلة للأمن، والاهتمام بالأمن الإنساني باعتباره حقًا للفرد وواجبًا على المسؤولين، بالإضافة إلى إرساء شبكة من المفاهيم الأمنية الدقيقة، وهو ما يلمسُه المُطّلع على مختلف الدراسات التي تتبناها الجامعة.

التركيز في الأبحاث المتعلقة بالتهديدات الأمنية الجديدة على معيار الثقافة الأمنية وتنمية الحس الأمني لدى الفرد والمجتمع، وهي بذلك تسعى إلى التميُّز وضمان الجودة العلمية في مُخرجاتها البحثية.

التأكيد على أن مهددات الأمن القومي الجديدة تتطلب تفعيل استراتيجيات مرنة تجمع بين التدابير الوقائية والإجراءات الأمنية والدفاعية، وحتى هذه الأخيرة تتطلب المراجعة والتطوير بما يواكب التحول في نمط التهديد ومساره، مثل التهديدات المرتبطة بالإرهاب السيبراني والجرائم الإلكترونية.

الاهتمام بدراسة ظواهر الإرهاب والتطرف والأمن الفكري من منطلق الوضع الراهن والبُعد الاستشرافي، وقد تمت مناقشة أكثر من 80 مذكرة ماجستير في موضوع مكافحة الإرهاب على مستوى الجامعة، إضافة إلى رسالتَي دكتوراه في ذات الصدد. كما أصدر مركز الدراسات والبحوث في مكافحة الإرهاب أكثر من 40 دراسة علمية حول مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

تنظيم عدد من المؤتمرات العلمية لمعالجة قضايا راهنة من ظواهر وتهديدات جديدة، مثلا: ندوة علمية حول استشراف التهديدات الإرهابية (2007)، أثر الإرهاب على التنمية الاجتماعية (2012)، حلقة نقاش علمية حول التوعية الأمنية والرؤى المستقبلية (ديسمبر 2013)، الهجرة غير الشرعية بين الأبعاد الأمنية والإنسانية (فبراير 2015)، مؤتمر دولي حول الوقاية من الإرهاب والتطرف (أبريل 2015)، دور الجامعات في الوقاية من الإرهاب (أبريل 2017)، مؤتمر حول الأمن الصحي (سبتمبر 2018)، إلخ.

تشجيع الباحثين العرب على نشر أعمالهم بمساعدة الجامعة، والملاحَظ أن كل الدراسات التي تتبناها والكتب التي تتولى نشرها تتميز بالجدية والإثراء.

تشجيع التكامل بين البحث العلمي والممارسة الميدانية، وهو ما يتضح من خلال المقررات الدراسية والبرامج التدريبية التي تضعها الجامعة والكليات التابعة لها.

تقييم دور جامعة نايف من حيث المساهمة في بناء سياسات الأمن الوطني

في الصفحة الإلكترونية الرسمية للجامعة، توجد عبارة: «هي الجهاز العلمي لمجلس وزراء الداخلية العرب، تُعنى بالتعليم العالي والبحث العلمي والتدريب في المجالات الأمنية والميادين ذات العلاقة». فهي بالتالي تقوم بأدوار فعلية في مجال نشر المعرفة في المجال الأمني والاستراتيجي، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية وتكملة أدوار مجلس وزراء الداخلية العرب، والانفتاح على عدد من المنظمات الدولية بما فيها منظمة الأمم المتحدة، وتوقيع عدد من مذكرات التفاهم عربيًا ودوليًا. وتسعى الجامعة إلى تحقيق التكامل والتوافق بين الأسس العلمية والمعرفية والأساليب التدريبية في تكوين الإطارات المؤهلة للعمل الميداني في المجال الأمني، والقادرة على استحضار مهارات التخطيط ورسم السياسات على أرض الواقع، أي النهوض بمستوى الأداء الأمني والعمل على النهل من الخبرات والتجارب الدولية للاستفادة منها في تعزيز سياسات الأمن الوطني. كما تسعى جامعة نايف إلى تكوين إطار نظري وعملي خاص بالمنطقة العربية، وذلك في سياق اهتماماتها بالأمن المشترك وتنسيق الأجندات الأمنية في مواجهة مختلف أشكال الجرائم والتهديدات الأمنية الجديدة.

يضاف إلى ذلك أهمية برامج الكليات التابعة لها، ككلية التدريب التي يستفيد منها عدد أفراد مُعتبر من مختلف الدول العربية، وقد تم تنظيم عدد من الدورات في ميادين متنوعة كأمن المطارات والمنشآت الحيوية، إدارة الأزمات والحالات الطارئة، مكافحة الإرهاب والتهريب والجرائم المستحدَثة، التعاون الأمني في مجال التصدي للتهديدات الجديدة، وغيرها.

كما تعمل الجامعة على «استثمار واستخدام النتائج العلمية التي توصلت إليها البحوث الميدانية والتطبيقية في مختلف الميادين، سواء كان ذلك على المستوى الوطني أو الإقليمي».

من الانتقادات التي يمكن تقديمها أنّ الرؤى المتباينة بين الدول العربية حول قضايا أمنية راهنة، وفي مقدمتها الإرهاب والجهات الممارسة له (تحديد من هو الإرهابي وما هي الظاهرة التي تُعد إرهابًا)، هي من بين أهم معيقات تحقيق أو بناء استراتيجية أمنية وعسكرية عربية مشتركة، بحيث أن الرؤى الأمنية في الوطن العربي على وجه الخصوص تخضع لتأثير البُعد الأيديولوجي والخلفيات السياسية، فضلًا عن النزاعات البينية حول المصالح والمكاسب.

تُعد جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية نموذجًا عمليًا في مجال النهوض بالدراسات الأمنية في الوطن العربي، فهي تسعى منذ تأسيسها إلى جعل الدراسات والأبحاث مواكبة لمستجدات الواقع الأمني إقليميًا ودوليًا، ومتماشية مع طبيعة التهديدات والمقاربات النظرية والعملية المناسبة لها، بالإضافة إلى الجمع بين الدور الأكاديمي والدور الميداني من حيث المساهمة في عمليات صنع القرار وتقديم الرؤى الاستشرافية. لكن صعوبة توحيد الرؤى والسياسات العربية في مجال حفظ الأمن تظل من بين التحديات والمعيقات التي تواجه الرؤية العامة للجامعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد