ظهرت المدارس النظامية في عهد الوزير الصالح نظام الملك سنة 459هـ، وقد كانت الغاية الأساسية من إنشاء هذه المدارس هي الوقوف أمام المد الشيعي الإمامي والإسماعيلي الباطني الفاطمي، عقب اعتلاء السلطان ألب أرسلان عرش سلاجقة في عام 455هـ، استوزر الرجل السني القدير المتحمس الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي (نظام الملك)، أنشد الشاعر مقاتل بن عطية في حقه هذه الأبيات من شعر:

كان الوزير نظام الملك لؤلؤة *** يتيمة صاغها الرحمن من شرف

عزت فلم تعرف الأيام قيمتها *** فردها غيرة منه إلى صدف

قام هذا الوزير بتفكير في كيفية الحد من المد الشيعي فكريًا بعد الفشل سياسيًا، حيت أنشأ مدارس لتخريج نخبة قادرة على مقاومة الفكر الشيعي الإسماعيلي الرافضي، حيث كانوا ينشطون في هذه الفترة وقبلها في دعوة لمذهبهم بوسائل فكرية متعددة، وقاموا بتأسيس مؤسسات لتكوين دعاة للترويج لأفكارهم بين الناس، واهتموا في هذه المؤسسات بتدريس علم الكلام على مذهب المعتزلة لتضليل الناس وزعزعة عقائدهم.

كان نظام الملك يحاول أن تكون هذه المدارس بمثابة مؤسسات إعلامية لتوجيه الرأي العام لخدمة مصالح الدولة في ضمان الأمن والاستقرار والسكينة، وكانت المدارس النظامية تهتم بالأساس في مواضيع الدراسة إلى إفهام الناس عامة أو المنتسبين لها خاصة أصول الدين الصحيحة، لأن الأمة في هذه الفترة كانت تواجه خطرًا عظيمًا وهو ما يتمثل في المد الباطني الإسماعيلي الذي كان يقوده حسن بن صباح في هذا العهد والذي سوف يؤسس طائفة الحشاشين التي تعتبر من أخطر الجماعات التي مرت في تاريخ الإسلام، وتستهدف هذه الطائفة عقيدة الأمة متمثلة في الكتاب والسنة النبوية وتحاول تشويه رموز الأمة وأبطالها، وفي زماننا هذا هناك العديد من الجماعات التي تشبهها في أساليبها وأهدافها وتحاول ما أمكن تشتيت هذه الأمة وتدمير عقيدتها.

توزعت هذه المدارس النظامية على المدن التي تحتل مركز القيادة والتوجيه الفكري: كبغداد وأصفهان والموصل والبصرة ونيسابور… وقد درس العديد من كبار الأمة فيها أمثال إمام الحرمين عبد الملك الجويني وتلميذه حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، كان لهذه المدارس دور كبير في تخريج نخبة من العلماء والفقهاء ورجال الدولة الذين ساهموا في إعادة دور منهج السنة في حياة الأمة وتقليص النفوذ الشيعي خاصة بعد أن تم إصدار العديد من المؤلفات المناهضة للفكر الشيعي الباطني الرافضي.

من شخصية نظام الملك نخرج بخلاصة مفادها أن البعد العقدي والفكري لا بد منه لأي مشروع سياسي أو عسكري يراد له النجاح في أوساط المسلمين، وأن عوامل الانطلاق والنهوض الحضاري تستوجب أن تكون القيادة العسكرية مبدعة في التفكير وفي تحديد الأهداف وفي رسم السياسات، صادقة في الانتماء لعقيدة الأمة وتراثها ودينها وتاريخها وقادرة على توظيف الفئة المبدعة والطاقات العلمية وتحويلها من أعمال فردية إلى أعمال جماعية، إن لم يتم استغلال هذه الفئة فستتحول إلى عناصر خاملة، يقول أرنولد توينبي في هذا الصدد «إن المبدع إذا لم يجد حماية له ورعاية تتبناه فإنه قد يتحول إلى عنصر خامل يصارع هنا وهناك، حتى وإن نجح في تحقيق تقدم ذاتي فإن قدرته على مضاعفة الإبداع تنكمش نتيجة لمشكلة الضغط والاحتكاك وهو ما يبشر إلى الاتجاه نحو تحلل الفرد والدولة أو الحضارة قبل انهيارها، لأن الاستجابة لتحدي الجديد لا تجد مناخًا ملائمًا للنمو».

في الأخير يمكن القول إن التعليم هو السبيل الوحيد لخروج الأمة الإسلامية من العجز والتخبط الذي نعيشه اليوم، وهو أيضًا القادر على إنتاج نخب قادرة على التصدي لمحاولة الغزو الثقافي الذي تتعرض له الأمة، لكن للأسف النخبة السياسية في أوطاننا لا تريد أن تنهض بهذا المجال الحيوي بل تريد فقط المحافظة عل الكراسي والمناصب، يقول الدكتور المهدي المنجرة «إن أزمتنا الحقيقية تكمن في نخبتنا السياسية، التي تعيش الخوف من شعوبها، فتدفع بها إلى إضاعة قيمها. وإذا ظلت هذه العوامل فإننا لن نستطيع امتلاك رؤية توجه حاضرنا وتقرّر مصيرنا المستقبلي. بل إن غياب هذه الرؤية قد لا يسمح لنا بفهم ماضينا واستجلاء خصوصياته ومقوماته التي عمل الاستعمار ما أمكن ليدفنها كي نعيش بماضيه، بعد أن صرنا نعيش بحاضره».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الدكتور علي صلابي ، دولة سلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني و الغزو الصليبي .
الدكتور أحمد محمود صبحي ، في فلسفة التاريخ .
الدكتور المهدي المنجرة ، قيمة القيم .
عرض التعليقات
تحميل المزيد