منذ بداية الوجود والإنسان يحاول أن يفسر الظواهر المحيطة به بكل الطرق المنطقية، ولا طالما بقي سعيه في الوصول للحقيقة مستمرًا ولم يتكل في لحظة واحدة على الموت إلا عندما ابتدع فكرة الجهل، فكرة الإله ودينه. وقف الإنسان في وجه المحيطات والسماء مستسلمًا، من أين أتى كل هذا الوجود؟ منذ ولد كانت الفراشة تخرج من الشرنقة، والرمح يخرج من حديد الأرض، والطفل ينمو من السائل الذي يفرزه في امرأته، وعلى ذلك فسر كل شيء. كل وجود له أصل وهذا الأصل بذاته له أصل، لكن من أين أتت أول بذرة أوجدت كل ذلك؟ عجز عن تخيل العدم. عجز عن تخيل وجوده واعتبره خيالًا وصمت، لكن عقله الذكي المتفرد عن باقي المخلوقات ألح حتى اعترف الإنسان بضعف قدرته واتكل على جهله، لكنه سرعان ما وضع مسمًى يريحه ولا يشعره بالكرب، وقال: «هناك خالق خلق كل ذلك، ولم يُخلق».

كان هذا ضد منطقه، لكنه استطاع أن يمزح مع عقله هذا المزاح الثقيل المؤلم حتى تحول إلى جدٍ، فأصبح المتحكم في كل ذلك إلهًا لا يدرك معناه أو وجوده، لكن كل ما يعرفه أنه قوي أن استطاع خلق كل ذلك من لا شيء، لكن ماذا عنه هو؟ كيف استطاع الإنسان أن يفسر رغباته؟ أحس بمتعة ونعيم بجهله الذي ابتكره؛ فاخترع تأويلات تفسر نفسه بالجهل، ورغباته بمصطلح «الغريزة». دعنا نتفق على أننا نؤمن بذكائنا ونؤمن بقدرتنا نحن البشر على فهم الظواهر المحيطة بنا واستيعابها، فهذه خاصية البشر الدائمة، الإيمان بذاتهم وبعقلهم وبفهمهم، ومن لا يفعل فقد خالف الطبيعة البشرية، أو تكاسل فنفى ذاك الجزء الإيماني به؛ كي يهرب بنفسه من جحيم التفكير المرهق، يجب علينا أن نعترف أن إيماننا بكون أشياء هي بلا أسباب أو وجودها يُكتسب من قوة خفية نسميها تلطفًا الله هو أشد الجهل، وأقبح ضعف يمكن أن تمر به البشرية، وهذا الانحلال يُعقد بالاعتراف وتجنب عرضيات حدود العقل والتفكير مهما استطعنا.

الجنس

كان سبب الشهوة الجنسية ورغبة الإنسان في الجنس محل جدل دائم في الوسط العلمي، وانتهى تفسيرها في النهاية إلى تفاسير غير مؤكدة وبعيدة الاحتمال ولا تفسر إلا شهوة الرجل؛ لذا هنا سأقدم سببًا قد يفيد بمعنى ما في التفسير لهذه الظاهرة المريبة. سأضع الإنسان محل مثال في مرتين، واحدة ترضي المحافظين الدينيين والشيوخ، وصورة تبعًا تُرضي العلمانيين المؤمنين بتطور الإنسان.
الأولى: عندما نزل الإنسان إلى هذه الأرض كان ضائعًا وحيدًا مع جنسه الآخر، يواجه ضباعًا تفترسه وقرودًا تسرقه وحشرات تؤذيه، كان ضعيفًا لكن عقله ساعده على البقاء، ولكونه التزم بأقل درجات الذكاء فقد اقترب أكثر وأكثر من مصادر غذائه، أي أنه اقترب من الخطر أكثر بدوره، فأينما يوجد الغذاء يوجد النباتيون ومفترسوهم، وكان هو أحد الفرائس الجديدة الشهية، فوجب عليه وزميله أن يحموا أنفسهم من هذه الكائنات المفترسة، ولكونه جديدًا على هذا العالم فكان مصدر تعلمه هم الذين سبقوه من الأحياء. وجدهم يسكنون الكهوف فسكن مثلهم، وجدهم يتسلقون الأشجار فتسلق مثلهم، وجدهم يأكلون الضعيف فأكل الضعيف مثلهم!

لكنه لاحظ مع مرور السنين أن هناك تصنيفين منهم، أحدهم لديه فتحة، تشبه تلك التي لدى الأنثى منهما، والآخر لديه قضيب، كالذي لدى الذكر منهما. كان الثاني يضع قضيبه في الأولى على الدوام، فلا تمر إلا شهور أو حتى أسابيع حتى يأتي المولود الذي يكبر أيضًا في غضون أشهر، ويصبح ليساعد أباه في البحث عن الطعام أو في صيد فرائس الغداء. فكان من الإنسان العاقل أن يُقلد الحيوان كي يحصل على أمثال له يعاونونه على الحياة واستمرارها، أو أنه حتى كان يقلده؛ عله يعرف سبب ما تفعله الحيوانات؛ فأتت الصدفة أن حل المولود البشري الأول إلى هذا العالم. قد نفسر من ذلك لمَ أحب الإنسان الجنس ومارسه على الدوام: فتحول بالدهور إلى شهوة كرد فعل ضروري رده الإنسان كي يُحافظ على نفسه. وأصبح ذلك راسخًا في المجتمع مع مرور الوقت أن الجنس ضروري لاستمرار البشرية.

نتيجة بحث الصور عن ‪god‬‏

الثانية: ظهر الجنس البشري من السلف المشترك بينه وبين القرد؛ فكان الجنس متحوِرًا بالفعل إلى شهوة في ذلك السلف؛ فورثه بكل بساطة في الجينات العقلية المحورة. لكن ماذا عن السلف الجنسي الأول؟ كيف تحور الجنس معه إلى شهوة؟ بالطبع الحيوانات التي تتكاثر ذاتيًا أكثر تطورًا من التي تتكاثر لاجنسيًا، لذا في نشأة الحيوانات الجنسية كان عليها أن تخرج من فوهة العدد القليل؛ فكانت الصدفة أن أفرز أول حيوان يتكاثر جنسيًا سوائله في أول حيوانة مثله، ليدركوا كيف يتكاثرون فاحتالت العملية الجنسية لشهوة للمرة الأولى. لكن هنا يجب أن تسأل، لم شهوة البعض أكبر من البعض الآخر على الرغم من أنه وهم يتوزع؟ وكيف انتقل للأجيال الأيتام الذين لم يعرفوا الجنس من آبائهم؟ في الواقع عزيزي أمر درجات الشهوة تتحكم فيه هرمونات داخل الجسم تحدد القدرة الجنسية لا الشهوة، فتُؤثر القدرة الجنسية على العقل الذي يحتوي على الجينات المعلوماتية فيُنتج شهوة أكثر من الباقي، فطالما كان الإنسان الأول قادرًا على التكاثر كان ذلك خيرًا له بالطبع – في المعتقد القديم -، فنتج ذاك التأثر يتطور عقل الإنسان، أما عن انتقال الشهوة إلى الأيتام؛ فأنا لم أقل إن الإنسان توارث بالنظر بل حدث التطور في عقله كي يستجيب مع الحاجات، ذكرًا كان أو أنثى.

 

نتيجة بحث الصور عن ‪heterosexual‬‏

الفن


إذا تحدثنا عن الجمال فنحن نتحدث عن الإستطيقا وهي من أعقد الفلسفات وأكثرها إجهادًا للعقل، لكنها تفسر إدراك الإنسان للجمال وشعوره الغريب تجاه الملموسات أو المنظورات وسبب وجوده. كل إنسان على تلك الأرض هو إما أحمق إما يُعاني، ولأن أغلبنا حُمق خُلقت السعادة وتسللت إلى نفوس البشر مع سعاداتهم اللحظية وشهواتهم، تلك السعادة المنتهية الوضيعة كانت تسيطر على نفوس البشر فكان كل ما يرافقها من مشاهد جميلًا، أو ذاك الحزن العظيم الدائم الذي تسلل إلى النفوس البشربة بطبيعة الحال فقاده إلى العزلة التي زادته شعورًا بمعاناته، فازدادت قيمته أمام نفسه فأحب كل ما رافقه في العزلة وأحب نفسه، كان كل ما يفيده يلمع ويبرق، وكان كلما ازداد لمعان الشيء ازدادت قيمته؛ فأحب كل ما يلمع ورآه جميلًا. 

كان محبوبه قريبًا منه يعطيه ما يحتاج من شهوته؛ فأحب كل ما يتعلق به ورأى كل ما فيها جميلًا. كانت الطبيعة ترويه فأحب كل ما للطبيعة من أشكال. كانت القوة تحميه من الضراوة وقسوة الحياة فأحب كل قوي ورآه جميلًا. طالما بقي للجمال تفسير، وما نعجز عنه أبدًا، لكن ماذا عن الفن؟ لم نرى فيه الجمال؟ بدايةً يجب أن نعرف ما هو الفن الذي نريد أن نفسره ونوضح جماله، فللفن تعريفات كثيرة مناسبة لحالته، لكن أيهم أصح؟ أنا أميل لتعريف فيلسوف الفن الأول سوريو، الفن هو تصوير المعنويات عن طريق رسم ماديات مع التخلص من عرضياتها، أي تمثيل للمشاعر الإنسانية كما في المدرسة الانطباعية في اللوحات، أو تمثيل للصفات الإنسانية أو الوجودية عامةً، كما يقول سعيد توفيق، الفن هو تمثيل بمعنى ما، أُمثل امرأة تبتسم، فيتخلص المُشاهد الذي عليه دور أيضًا من عرضية المشهد بالكامل ويستخلص المشاعر الإنسانية منه؛ فيتصور المشاهد أن ذلك المشهد تعدى الحدود التصويرية الطبيعية فوصل إلى تصوير السعادة التي لم تتمثل في الوجود بالكامل، فيشعر بالسعادة لأن السعادة كانت له مطمورة، فظهرت في حقيقتها في صورة مادية أشعرته بالحنين إلى الشعور الذي غاب عنه. أما عن الفنون التجريدية أو التصويرية أو الخالصة كاللوحات التجريدية أو كالمسرحيات أو الموسيقى، قد تبدو لك في الوهلة الأولى ليست بمصوِرة إلا أن سعيد توفيق في دراسته «الفن تمثيلًا» أثبت أن تلك الفنون لا تخلو من التصوير التي تُشعر الإنسان بالحنين؛ فينتقل في العقل ليحدث الاختلال الكهربي في العقل المسمى الحب فينعت ما أمامه بالجميل. ويمكنك تطبيق ذلك على كل الفنون بأشكالها، عوضًا عن حصره في ذاك الخندق الأسود غير المعلوم المسمى بالغريزة!

 

نتيجة بحث الصور عن ‪arts‬‏

الإله

غريزة العبادة، أو كما تسمى في الإسلام «الفطرة». مثل هذه الفقرة عُرضة لجعلي كاتبًا محل سب وقذف من مجتمعنا الموضوعي الذي يُناقش ويتفاهم دائمًا! ليس ما أتحدث به محل تلطف كي أُلائم حديثي لرغباتك، فإن كنت أريد أن أخدم قضيتي، عليّ خدمتها بكل ما أوتيت من عقلي، ويجب أن أضع مصطلح الغريزة محل العدم كما يجب أن يكون.

الأديان وهم الشعوب.

سيجموند فرويد.



كان هذا المقطع من كتابه «الحب والحرب والحضارة والموت» مثيرًا لحواسي، فلم أفهم ما مناسبة تلك الجملة في حين كنت في فقرة تتحدث عن الحضارة! كان التعبير في سياق الجملة لا يُقصد به أنه غريزة، بل إن العوامل أدت إلى ظهور العبادة في نفس الإنسان المستسلمة لوهمها. لو كان الأمر كما قلت في بداية المقال، أن فكرة الله وعبادته نتاج عجز الإنسان عن تفسير ما يدور حوله، لكان الأمر عصي التصديق على الأغلب، فكيف لإنسان ضعيف ذي عقل بدائي أن يتفرغ للتأمل في أوائل نشأته ويتفرغ للعبادة وهو يبحث عن قوت العيش؟ فعليًا ليس الأمر بصعب التخيل فالأديان نشأت مع قيام الحضارات والتفرغ للتأمل، لكن قد يكون الأمر أبسط من ذلك؛ فكان الإنسان في بداياته فقيرًا محتاجًا لأي معونة، لأي دفء يملأ ذاك الفراغ القاتم المُصقع في داخله، فكان المدركون لهذا الحال يستغلون فرصة مثلها لجني المتعبدين لهم أو لأصنامهم التي تحصد قرابين البشر، فيأخذون تلكم القرابين لبيوتهم، فنشأت فكرة الله من ذلك الخواء.

الأمر بسيط، لم يضع البشر أنفسهم دائمًا فريسة للعجز والجهل؟! لم هذا الجبن الدائم الذي تُعاني منه البشرية نحو المصطلحات المائتة المفسرة؟!

نتيجة بحث الصور عن ‪god painting‬‏

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دين, غريزة, فلسفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد