جال بخاطرى منذ فترة فكرة غريبة عن الموت.. هل من الممكن أن يكون الموت لحظة اختيار لا شعوري يفنى فيها الأمل وتتحول الحياة إلى عبء ثقيل نفقد معه الشغف والرغبة في مواصلتها إلى الحد الذي يجعلنا نقرر نهايتها؟ هل يمكن أن تصل بنا تلك اللحظة إلى درجة دقيقة من التنظير إلى ميعاد محدد بطريقة لا شعورية لإنهائها.. فتنتهي!

عادت حيرة السؤال من جديد عندما سمعت عن خبر وفاة الكاتب الروائي أحمد خالد توفيق؛ فقد حدث أن كتب نصًا في روايته (قهوة باليورانيوم) التي أصدرها منذ عدة سنوات قال فيها: (كان من الوارد جدًا أن يكون موعد دفني هو الأحد 3 أبريل بعد صلاة الظهر .. إذًا كان هذا هو الموت، بدا لي بسيطًا ومختصرًا وسريعًا.. بهذه البساطة أنت هنا.. أنت لم تعد هنا). وقد توفي بالفعل أحمد خالد توفيق منذ أيام بتاريخ 2 أبريل (نيسان)، وشيع إلى مثواه الأخير يوم 3 أبريل بعد صلاة الظهر كما كتب.

ولم يكن تنبؤ توفيق بوفاته حادثًا فريدًا؛ فقد سمعت من قبل عن آخرين، منهم الفنان نجيب الريحاني الذى نعى نفسه قبل وفاته بـ15 يومًا، فكتب يقول: (مات نجيب.. مات الرجل الذي اشتكي منه طوب الأرض.. مات نجيب الذي لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب.. مات الرجل الذي لا يعرف إلا الصراحة في زمن النفاق، ولم يعرف إلا البحبوحة في زمن البخل والشح.. مات الريحاني في ستين ألف سلامة).

 بعض الناس يؤمنون بأن الإنسان يستشعر لحظة نهايته قبل أن تحدث بفترة فهل هذه حقيقة ام العكس هو الصحيح؟ أي أنه قد يكون لديه القدرة على أن يستدعي لحظة النهاية إلى حد أن يجعلها تتحقق بالفعل، ولا يناقض  هذا علم هذه اللحظة عند الله، فلا أحد يمكنه أن يتعرف على هذه الدرجة من اليأس التي يصاب بها أحدنا، ومتى تحدث فتجعلنا نستسلم للموت ونقربه لنا.. فقد سمعنا كثيرًا عن هؤلاء المصابين بأمراض عضال، والذين تنبأ لهم الأطباء بالموت المحقق وقد عاشوا أعمارًا أكثر من أقرانهم الأصحاء.. وليس الأمر متعلقًا فقط بالموت، ألم يحدث أن تفكر في شخص فيدق هاتفك فجأة؛ لتجده على الجانب الآخر.. ألم يحدث أن تمنيت شئًا بشدة؛ فتجده على غير ترتيب يأتي إليك.. فهل هناك طاقة روحية لها هذا القدر من التأثير ورسم المستقبل، أو جذب النجاح، أو الفشل، أو الأشياء إلينا؟ وهل يمكن تنمية هذه الطاقة في الاتجاه الإيجابي؟ وهل هي نفسها التي نطلق عليها مجازًا الإرادة؟ وهل هي مرتبطة بدأب السعي نحو المرجو؟

يقول دكتور مصطفى محمود في ذلك المعنى: إذا فكرت في المتاعب أسرعت إليك المتاعب، وإذا فكرت في اللذات أسرعت إليك اللذات كالتنويم المغناطيسى، تقول أنا نمت فتنام، أنا مرضت فتمرض، أنا شفيت فتشفى، أنا انتهيت فتنتهيي، سحر الإرادة الملتهبة يصنع كل شيء حتى القدر نفسه. وهذا ليس بالتحديد ما أعنيه، لكنه فكرة مختصره عنه، فأنا لا أنكر الدور المادي في عملية السعي إلى الأشياء، أو جذب الأشياء لنا  بتحفيز الطاقة الروحية.

فالطاقة الروحية، سواء الإيجابية أو السلبية لم تعد شكوكًا اليوم، بل حقيقة مؤكدة.. فالإنسان منذ بدء الخليقة يتأرجح بين الإيمان بالطاقة الروحية والطاقة المادية، ولا يعرف أيهما أقوى وأشد بأسًا، معترفا بإحداهما تارة، ثم منقلبًا عليها ومؤمنًا بالأخرى.

لقد وهبنا الله نماذج قد ساعدت البشرية في اكتشاف الجانب المادي، ووهبنا أيضًا نماذج أخرى لمعرفة هذا الجانب الروحي وتوجيه طاقاته.. ففي البدايات كان الإنسان لا يعرف إلا إحتياجاته المادية؛ فبدأ ينمي قدراته العضلية، وأدواته لتساعده على توفير هذه الاحتياجات، لكنه كان أقرب إلى الحيوان، ولم يرق إلا عندما اكتشف طاقته الروحية، وبدأ يتأمل في الكون وإبداعات الخالق، ثم عاد من جديد لإعلاء قيمة المادة، وأصبح لا يعترف إلا بالعقل، وأحدث طفرة مذهلة في حياته المادية التي بدأ الإغراق فيها يحوله إلى ميكنة أكثر منه إلى كونه إنسانًا.. فعاد مرة أخرى يبحث عن تلك الطاقة الروحية التي هجرها منذ زمن، فقام علماء النفس بتوجيه دراساتهم حولها؛ ما نتج عنه علم مستقل بذاته أسموه (علم التنمية البشرية).

وقد تحدث عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي عن يء من هذا القبيل، فيقول في كتابه (خوارق اللا شعور) الذي صدر له سنة 1951: إن القوى النفسية الخارقة أصبحت اليوم من الحقائق العلمية المقررة، وقد أخذت التجارب المختبرية تؤيدها تأييدًا لا بأس به، ولكن الذي يخشي بعض الباحثين منه هو أن تنتهي بهم هذه الأبحاث إلى اعتناق الأفكار الروحية القديمة التي ناضلوا في القرون الماضية طويلًا في سبيل القضاء عليها.

أليس من الممكن أن تكون تلك الطاقة هي التي دفعت عالم كتوماس إديسون (1847-1931) مكتشف الطاقة الكهربائية إلى العمل الدؤوب والبحث بعد أن كفر به معلمه ووصفه بالبلادة؛ فقامت والدته التي آمنت به بتدريس العلوم له في المنزل بدلًا عن المدرسة.. أو أوحت إلى موسيقار كبيتهوفن (1770-1827) بكل إبداعاته الفنية بعد أن صمت أذناه وهو صغير.. أو ألهمت كاتبة كهيلين كيلر (1880-1968)  التي فقدت حاستي البصر والسمع وهي لا تزال رضيعة لتصبح من أشهر أديبات الولايات المتحدة الأمريكية.

إن العبارات أو الرسائل الضمنية التي يرسلها الحكام إلى الشعوب أو القيادات في مواقع العمل للعاملين أو الأساتذة إلى إلى تلاميذهم أو رجال الدين إلى العامة أو حتى الآباء لأبنائهم مثل أنت غير قادر على الفعل أو العطاء، أو إنك غير قادر عليىالتفكير، أو إنك غير قادر على الاختيار، والتي تمنع الرغبة في الإنجاز والقدرة على الإبداع والجرأة على إتخاذ القرار، لهي كفيلة بتدمير تلك الطاقة لأصح الأصحاء.. والعكس صحيح تمامًا فالأفكار المتحررة وعبارات التشجيع وبث الثقة تحفز هذه الطاقة الكامنة وتطلقها مهما بدا على الآخر من ضعف وإعاقة.. فالطاقة الروحية هي الدافع الأول للنجاح، وقد تكون للفشل أيضًا قبل أي دوافع أخرى، ولا يجب أن ننكرها، بل أن نقيم لها وزنها وننميها في الاتجاه الإيجابي لتقوم بدورها جنبًا إلى جنب مع الطاقة المادية التي سخر بها الإنسان الطبيعة لخدمته ويبقي لنا أن نثق ونؤمن بها، فذلك الإيمان وحده هو الباعث لها والضامن لنا للتحليق في سماء الفكر والإبداع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد