يقول بسكال نوفال: «لا تنظروا إلى ذاك.. انظروا فقط إلى هذا».. مشيرًا بذلك إلى أن النمذجة العلمية هي إستراتيجية إهمال واختزال أي خطّة منهجية / إجرائية تقتصر على إنشاء نماذج تبسيطية اختزالية عن الواقع. فالواقع لا متناهي التركيب، ومعقد، وأنّ العقل لا يملك تجاهه سوى التعويل على إمكاناته الخاصّة للقيام بمحاولة تبسيطه. فهذه الاختزالية هي الخطة المنهجية التي تتبعها بعض القوى الغربية لتوجيه الرأي العام حول النظر للإسلام باعتباره دين إرهاب وعنف وإهمال، كل ما عدا ذلك من القيم الإنسانية والأخلاقية التي تمثّل جوهر العقيدة الإسلامية.

فلا نجد إشارة واحدة للعمل الخيري الذي تقوم به الجمعيات والهيئات الخيرية والإغاثية الإسلامية، إلا متى وجهت لها تهم بتبييض الأموال أو تمويل الإرهاب. إنها إستراتيجية إهمال مقصودة لدفع عموم الناس في المجتمعات الغربية إلى النظر للإسلام والمسلمين كمسبب رئيس لكل الأزمات التي تعيشها المجتمعات الغربية، وخاصة الأزمة الاقتصادية والقيمية، وازداد الأمر سوءًا بصعود الشعوبية للحكم في العديد من تلك الدول، وساهم ذلك أيضًا في اكتساح الخطاب اليميني المتطرف والفاشي والعنصري للفضاء العام الغربي حتى في أكثر الدول تسامحًا، ومما زاد الأمر تعقيدًا تبني الكثير من الساسة لهذا الخطاب تحقيقًا لهدفهم في البقاء في السلطة أطول مدة ممكنة. لقد أصبح الإسلام هو العدو بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الشيوعية، فكان لا بد للغرب عن بديل تتمكن به القوى السياسية الغربية من الحفاظ على سيطرتها على الفضاء العام الغربي بالخوف. ومثل الإسلام ذلك البعبع الجديد لزرع الخوف في نفوس المواطنين هناك. وإذا كانت السينما سابقًا تنظر للمسلم كشيخ في خيمة تحيط به أربع نساء، وبعض الجواري، فإن السينما اليوم تمثله كإرهابي متشدد مهما كان مستواه العلمي والمعرفي، وتنظر إليه دومًا كخطر يجب التخلص منه.

ذاك هو المشهد العام لواقع اليوم. إنه مشهد قاتم يزداد كل يوم قتامة وسوادًا بسبب غياب خطة منهجية واضحة لإعادة تشكيل تلك الصورة النمطية الفاسدة بصورة أخرى تكشف للعالم أن الإنسان المسلم لا يختلف كثيرًا عن بقية البشر، بل لعله أكثرهم معاناة في ظل الاضطهاد الداخلي من حكام مستبدين واضطهاد خارجي ممن ينظرون إليه كإرهابي مجرم متهم إلى أن يثبت البراءة عكس كل القوانين في العالم التي تعتبر المتهم بريئًا إلى أن تثبت عليه الجريمة. ولعل ردود الأفعال الشعبية تجاه ما يرسله لنا الإعلام الغربي عمدًا من مشاهد حول الإساءة للنبي عليه الصلاة والسلام وبعض الرموز الإسلامية الأخرى التي يغلب عليها طابع العنف الذي يصل أحيانًا إلى القتل والتنكيل والعبث بالجثة هو ما يريده هؤلاء في حربهم المعلنة على الإسلام والمسلمين طبق إستراتيجية واضحة المعالم تسطرها مراكز الدراسات الإستراتيجية ودوائر المخابرات العالمية خدمة لأغراض الهيمنة والسيطرة والتحكم وتبرير الاستعمار المباشر للدول الإسلامية، وخاصة نهب ثروتها باسم حمايتها من التطرف والإرهاب.

لقد حان الوقت لمراجعة المنهجية المتبعة للرد على كل الاستفزازات المتعمدة والمخطط لها سلفًا من قبل الدوائر السياسية والعسكرية والثقافية والإعلامية الغربية خدمة لأهدافهم في استدامة الهيمنة والتبعية وتعطيل كل إمكان لتحقيق النهضة المطلوبة لتحرير الأمة من كل أشكال التبعية والهيمنة وإعادة بناء العقل الإسلامي خدمة لمشروع التحرر الوطني والقومي. إن وضع إستراتيجية مناسبة للرد بالعقل الإسلامي الفاعل / المبدع على العقل الغربي المهيمن الذي يريد إدامة أبدية للهيمنة والسيطرة مع السعي بكل جهد مستعينًا بالعقول الإسلامية التابعة له لتغييب كل سبيل لاستفاقة العقل الإسلامي، وإعادة تشكيل وعيه بحركة التاريخ وطبيعة الواقع الإنساني اليوم.

إن إستراتيجية الإهمال هي السبيل الوحيد للتحرر من مخطط العقل الغربي لتجريم كافة الأمة وتحويل الدول الإسلامية إلى سجن كبير للمسلمين من خلال تسليم الحكم والسلطة إلى زمرة من الطغاة بدعوى محاربة الإرهاب الإسلامي ومحاصرة المد الإخواني، وهي الشعارات التي ترفع اليوم في الدوائر السياسية الغربية، ولدى المستبدين والطغاة في العالم الإسلامي مستغلين حمية وغيرة شعبية إسلامية على إهانة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام تجاوز فيها رد الفعل لدى بعض الغلاة، أو الجهلة، أو الذين تم استغلالهم وتوظيفهم من قوى استخباراتية غربية حدود سلمية التعبير والتنديد إلى ممارسة العنف والإرهاب والقتل والتنكيل. لقد كان الصحابة في عهد النبي يحاربون الاستهزاء به وإهانته من قبل القرشيين والمنافقين في المدينة وبعض اليهود فيها بالسكوت عنه بحيث يموت في المهد، ولا يسمع به أحد، وترمى في مزابل التاريخ بحيث لم يصل لنا منها أي شيء. لقد كان شعارهم إماتة الباطل بالسكوت عنه وإحياء الحق بالجهر به. تلك إستراتيجية الإهمال التي كان يمارسها المسلمون الأوائل وذلك بدفع الناس للتركيز على الحق لا إضاعة الوقت في الدعاية للباطل.

إن المسلمين اليوم بحاجة لإماتة الباطل وإحياء الحق. ولا يكون ذلك إلا بتوظيف الوسائل الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي للتعريف بصحيح الإسلام وحقيقة السيرة النبوية والتركيز على القيم الأخلاقية الخالدة التي جاءت بها رسالة الإسلام والتأكيد أن أيمان المسلم لا يكتمل إلا بالإيمان بكافة الأنبياء كالمسيح عيسى بن مريم عليه السلام وسيدنا موسى عليه السلام، وبيان أن الله واحد، ولكن لكل منا طريقه إليه. فإهمال ما تنشره بعض الدوائر الغربية والمحلية من إساءات مقصودة لرموز الإسلام هو السبيل للقضاء عليها ومنع انتشارها في المهد. وحان الوقت أن نعلم أن هؤلاء إنما يستغلون وجدان المسلمين وعاطفتهم الدينية القوية لتحقيق أهداف سياسية أو الشهرة والثروة على حساب كرامة المسلمين وفي الحالتين الإهمال يمنع من تحقيق هذه الأهداف ويحفظ للأمة كرامتها وأمنها، ووحدتها، ويدفعها للتركيز على القضايا المهمة في بناء دولة الحرية، والاستقلال، والنهوض، بالتربية والتعليم لإعادة تشكيل العقل الإسلامي ليخوض العصر مسلحًا بالإيمان والعلم: الشرطين الأساسيين لأية نهضة منشودة للأمة الإسلامية.

حان الوقت لنغلق كل أبواب الدعاية المجانية لهؤلاء، وأن نركز جهدنا على استنهاض عقولنا للتحرر من كل أشكال الهيمنة، والسيطرة، والتحكم، المحلية والدولية. وأن نتوجه بجهدنا نحو إعادة بناء العقل الإسلامي حتى نلج عصر المعرفة متسلحين بالإيمان رافعين شعار: لم يزل المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل على حد عبارة ابن مبارك «المجالسة وجواهر العلم. (2/186)» إن سلك درب المعرفة والعلم هو سبيل الأقوام لتحرير الإيمان من كل أشكال الشعوذة، والدجل، وإنارة العقول بنور الحق، والتحرر من كل أشكال الباطل خدمة للإنسان المسلم الذي لا يمكن أن يكون إلا على خلق عظيم. وهو النهج القويم لمنع كل المتربصين هنا وهناك لتحقيق أهدافهم في السيطرة والهيمنة والتحكم ونهب ثروات الأمة على حساب كرامتها وحريتها ونهضتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد