مفاوضات اللحظة الأخيرة

لما اشتد الكرب على المسلمين في غزوة الخندق، ورأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن العرب قد اجتمعت على قوس واحدة، ورمت المسلمين بسهم واحد، أراد حلحلة الأوضاع وفاوض غطفان على الانسحاب من المعركة والرجوع في مقابل الحصول على ثلث ثمار المدينة، وأوشك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على تنفيذ ذلك الاتفاق، ولكن قبل أن يوثق ذلك الاتفاق، استدعى السعدين، سيدنا سعد بن معاذ، وسيدنا سعد بن عبادة لمشاورتهم في الأمر، فسألوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هل هذا وحي أم أمر تصنعه لنا؟ فقال بل أمر أصنعه لكم فإني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة.

فقالوا يا رسول الله: هؤلاء لم يطمعوا في أن ينالوا من ثمار المدينة إلا قرى (ضيافة) أو بيعًا، عندما كنا في الجاهلية، أما وقد أعزنا الله بك نعطيهم أموالنا؟! والله يا رسول الله لن نعطيهم إلا السيف، ومزقوا الكتاب ولم تفلح غطفان في الاستيلاء على ثمار المدينة.

وكانت غزوة الخندق، من دون قتال، كانت حدًّا فاصلًا بين مرحلتين، ولم يكن مطلوبًا من المسلمين غير الثبات، ولم يكن بأيديهم فعل أي شيء غير الثبات، نزلت آيات القرآن الكريم لوصف المشهد السياسي في أرض المعركة، والزلزال الشديد، والخوف يحيط من كل جانب، لدرجة عدم تلبية أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيمن يخرج ليأتي بخبر القوم، ويضمن له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، العودة، والجنة. 

زلزال شديد وحصار رهيب زاغت معه الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، ظنوا بالله الظنون.

كان عنوان المعركة هو الثبات في الميدان، ولم يكن هناك في الآفاق القريبة من بشريات للنجاة من موت محقق، وفناء لجيل بكامله، ودعوة راحت من أجلها نفوس كرام.

لكن عندما تعجز الأسباب عن حل المعضلات، ويتعلق الناس برب السماوات، تأتي بشائر الانتصارات، عندما تتوقف الحسابات وتعجز القدرات، وتنتصر إرادة الثبات وينقلب الحال، ليعلن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قائلًا: الآن نغزوهم ولا يغزونا.

هناك أوقات فاصلة في تاريخ أمتنا، تنقلب فيها الأحداث رأسًا على عقب، من دون مقدمات، أو حسابات، وعندما يستنفد الجميع طاقاته وقدراته، فليس عليهم أكثر من ذلك، وليس مطلوبًا منهم غير ذلك.

ربما تغيب تلك الحقائق عنا يومًا ما، أوتنسينا كثرة الأحداث الدامية التي مرت بنا، طبيعة المعركة وأطراف الصراع، ومدى شراسة المواجهة، وأنها معركة جدية ليست صراع سلطة أو حكم، بقدر أنها صراع محموم بين الخير والشر، ونحن في تلك المعركة علينا استلهام المواقف من عمق تاريخنا المشرق، ودارسة وقائع في التاريخ نستمد بها طاقتنا في القدرة على الصبر والثبات، وتحليل الأحداث إقليميًّا ودوليًّا.

واستيعاب الأدوار والقدرة على المناورة وتقديم العون للقيادة عندما تتقدم للمفاوضة من باب تخفيف الضغوط الدولية والإقليمية والمحلية، على الجميع أن يراجع المواقف ويصححها، وإذا رأى من قيادته عزمًا على إبرام أمر من الأمور من باب الشفقة وتقديم ما من شأنه إحداث تراجعات بعد مكاسب قادمة فعليه حماية ظهر قيادته بإعلان ثباته، ورفضه للتنازل عن الثوابت، ومن موقف السعدين (سعد بن معاذ)، و(سعد بن عبادة)، وجب على الجميع أن يقف موقفهما.

إن ما تتعرض له جماعة الإخوان المسلمين اليوم لهو محاولة لضرب الإسلام تحت غطاء ضرب جماعة الإخوان المسلمين، وإن العالم كله يجتمع اليوم للإجهاز على بقايا الروح التي تسري في جسد الأمة الإسلامية والعربية.

وإن محاولات الرضوخ والقبول للأمر الواقع، والبحث عن حلول محتملة، استجابة لضغوط الواقع، ربما يكون فيه انتكاسة كبرى.

الاعتماد على حسابات واعتبارات مادية ربما يكون من الخطأ الكبير الذي يرتب آثارها العكسية والكارثية، لم يتبقى لنا في هذا الصراع بين الخير والشر غير لحظات من الثبات، وبعدها ننطلق في الآفاق معلنين: الآن نغزوهم ولا يغزونا.

فهل نستطيع الثبات ولا نعطيهم من ثمار المدينة ما يستحقون؟

لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المدينة, ثلث, ثمار
عرض التعليقات
تحميل المزيد