يمكننا فهم مصطلح إدارة الصراع بشكل أفضل من خلال تحديد ماهية الصراع أولًا. إذ يرى بعض العلماء أن الصراع عمومًا هو النتيجة الحتمية للاختلافات التي يصعب حلها بين مجموعتين أو أكثر من الجماعات المتنافسة أو الأفراد.وعليه، فإن مصطلح «إدارة الصراع» يشير إلى جميع الأنشطة والجهود الموجهة نحو الخلافات بين المجموعات المتنازعة، من أجل التوفيق بينها. والتفاوض هو الوسيلة التي يتم من خلالها إدارة النزاعات وتحقيق إدارة الصراع بنجاح. كما أنه عملية تُحفِّزُ التعاون بين الأطراف المتنازعة وتوحدهم من خلال اتفاق أو تفاهم مشترك. وبالتالي يمكننا القول إن التفاوض هو نقطة الارتكاز التي توازن الخلافات بين أطراف النزاع – أيًا كان هذا النزاع – من خلال عملية إدارة الصراع.

ومن ثم تدخل الأطراف المتنازعة في مفاوضات لدفن خلافاتها، وقد يتطلب الأمر تقديم تنازلات وتضحيات من قبل أحد الطرفين أو كليهما للتوصل إلى اتفاق ودي يخدم مصالح الأطراف المتفاوضة. إذ يرى بعض العلماء والمختصين في هذا المجال بأن التفاوض وإدارة الصراع يُعتبرانِ وسائل – من بين خياراتٍ بديلة عدة – يُلجئُ إليها لتسوية المنازعات من خلال الوسائل القانونية.

والفرق بين التفاوض والتقاضي يكمنُ في أن التفاوض يضمن مشاركة كافة أطراف النزاع بشكل مباشر، وأن لها سيطرة أكبر على نتائج المناقشات مقارنة بالدعاوى القضائية؛ إذ جرت العادة تقليديًا أن تجري إدارة الدعاوى القضائية في المحكمة من قبل المحامين نيابة عن الأطراف المتنازعة، وهذا يتطلب وقتًا وتكاليف مالية كبير، على عكسِ التفاوض. كما أن الأخير يقلل من فرص حدوث اعتداءات من قِبل أطراف النزاع. فمن خلال المفاوضات، يمكن تسوية النزاعات على الفور وبصورة عادلة وبتكلفة معقولة وبطريقة مرضية لكافة الأطراف.

علاوة على ذلك، يمكن أن يأخذ التفاوض أشكالًا منهجية، حيث يمكن تبنّي إستراتيجيات تفاوض مختلفة للضغط من أجل الحصول على المطالب أو معالجة المخاوف. وقد تنطوي المفاوضات على تنازلات وتضحيات من كلا الطرفين للتوصل إلى اتفاق.

في المفاوضات الفردية، تُمنح الأطراف المتنازعة فرصة لعرض تظلماتهم واهتماماتهم التي تحدد بشكل أساسي الخلافات بين الطرفين. في هذه المرحلة، تستعد الأطراف الفردية للمفاوضات. كما حدث في القصة المشهورة لأحد عمالقة كرة السلة، وهو «مايكل جوردان»، حين كان في نزاعٍ مع الاتحاد الوطني لكرة السلة حول شروط العقد، وفيه أن اللاعب قد تقدَّم بطلب للعودة إلى صفوفِ فريقه. هذه المفاوضات جعلت محامي جوردان يتبنى إستراتيجية لحل المشكلات، بينما تبنَّت الرابطة الوطنية لكرة السلة إستراتيجية تنافسية في المفاوضات. إذ تهدف المفاوضات في هذه الحالة إلى تجنب الانزلاق إلى النهاية غير المرحب بها، وهي أن ينتهي النزاع إلى قاعة المحكمة للانتصاف.

يُعد أسلوبُ التفاوض بديلًا لآليات حل النزاعات الأخرى التي تتطلب الكثير من الوقت والمال. فالتفاوض يكفل مشاركة كافة الأطراف والتعبير عن وجهات نظرهم ومخاوفهم، ويعمل على التوفيق بينهم والتوصل إلى نتيحةٍ تُرضي الجميع.

ولنقرّب الصورة أكثر، ونجعل التركيز على حياتنا اليومية. فالبيت والحي ومكان العمل أو الجامعة من الأماكن التي تكثر فيها النزاعات والمشاكل، ولنجعل حديثنا عن مكان العمل.

تعتبر النزاعات والصراعات في مكان العمل حقيقة لا مفر منها في الحياة بالنسبة لمعظمنا. فعند الفشل في إدارة هذه النزاعات بشكل جيد، فيمكنها أن تضعف الروح المعنوية وتؤثر على الإنتاجية، وقد تؤدي إلى صراعات أكبر. ومع ذلك، يعتقد العديد من قادة الأعمال والمديرين أنهم خبراء في التفاوض، ويظنون أنهم يمتلكون الكثير من الخبرة والنماذج المشابهة التي تعاملوا معها فيما مضى. إلا أن الكثير من هذه المفاوضات لا تمت للتفاوض الجيد، أو المفاوضات الجيدة بصلة.

يرى بعض المديرين أن أساس كونك «مفاوضًا جيدًا» هو ببساطة قدرتك على الدفاع عن مصالحك الخاصة أو الشخصية، وإرهاق الجانب الآخر حتى يتم تحقيق «الفوز. عندما تكون المفاوضات قتالية -مبنية على الفوز والخسارة بدلًا عن الفوز – فإنها في كثير من الأحيان تنهار أو تفشل. إذ إن هناك نموذجًا تفاوضيًا أفضل بكثير يمكن للمديرين أن يتبعوه، ألا وهو نموذج الوسيط.

تتعلق الوساطة بالتوفيق بين المصالح أكثر مما تتعلق بالدفاع عن مصالح المرء. من خلال تطبيق مبادئ الوسيط، فمن المرجح أن يحقق المديرون نتيجة مرضية تقبل بها كافة الأطراف. لن يتمتع المديرون الذين يتعلمون كيفية.

إن تطبيق عقلية الوسيط على النزاعات التي تنشأ بين العاملين تضمن للمديرين التمتع بمهارات تفاوض أفضل، كما تمنحهم القدرة على التصرف بمزيد من الحيادية؛ مما يجعلهم أكثر ثقة في حل النزاعات داخل مؤسساتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد