بكل صراحة ووضوح وبدون خجل، خرج علينا رئيس ما يسمى بوفد المعارضة إلى أستانة المدعو «أحمد طعمة»، ليُخبرنا بعد سبع سنوات من المقاومة عن خطئنا الفادح باستخدامنا السلاح ضد النظام، مضيفًا أنهم لا يطمحون حاليًا أن يحلوا محل نظام الأسد. أطلق الطعمة كلماته عقب انتهاء الجولة التاسعة من مسار أستانة 9 منتصف الشهر الحالي، مايو (أيار) 2018، واختتم المؤتمر ببيان ختمامي لم يختلف عن بيانات الجولات السابقة، وكأنّ من كتب البيان، موظف أممي مهمته تبديل السطور، وتعديل المصطلحات، لإيهام الشعب السوري، أن تغيرًا جديدًا قد طرأ هذه المرة.

بالمقابل جميع الشعب السوري، قد حفظ غيبًا ماجاء في البيان، من استمرار تفاهم الدول الضامنة «روسيا وإيران وتركيا»، على وقف إطلاق النار في مناطق خفض التصعيد، والحفاظ على وحدة سوريا، والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، والاتفاق على موعد جلسة جديدة من مسار مفاوضات العبث والضياع. بيد هذه المرة غاب عن البيان الختامي المطالبة بإيصال المساعدات للمناطق المحاصرة، ولعل إسقاط هذا البند من البيان، جاء نتيجة منطقية مرتبطة بشكل مباشر بعدم وجود مناطق محاصرة، في سوريا، بعدما ساهمت شخوص أستانة ووقّعت على تسليم المناطق للنظام وإفراغها من ساكنيها، فأستانة 9 ما كان لينعقد لولا التطورات التي حدثت في الشهريين الأخيرين، حيث استرد النظام كامل مناطق ريف دمشق في الغوطة الشرقية، لينهي بذلك حلم «جيش الإسلام» أن يكون قوة مركزية بقرار أممي في محيط دمشق، كما سلم الأخير سلاحه الثقيل في القلمون الغربي، وقرر التسليم كما كل المناطق التي شهدناها سابقًا، لينتهي بذلك عقد الشراكة المرحلي بحماية العاصمة دمشق، فيما يبقى أصحاب الوطن هم من ضحوا بأرواحهم وبأنفسهم من دون دراية عما يجري من تحتهم ومن بين أرجلهم، متمثلة باتفاقيات سرية لا يعلم بها إلا الله، وقد نتوقع كسوريين أن مثل هذه الاتفاقيات قد تحتاج إلى عشرات السنين حتى تظهر النسخ الحقيقية منها، فدائمًا الحقيقة لا تظهر إلا بعد موت روادها، وقد شهدنا مثالًا واقعيًا على صدقية المقال، فقد صرح الرئيس أردوغان قبل شهر مضى أن النسخة الحقيقة لاتفاقية لوزان الموقعة عام 1923 ستظهر عما قريب، ما يعني أن الدول دائمًا تسعى لإخفاء الحقائق عن شعوبها.

وبالعودة إلى مفاوضات الدم، لا بد من الإشارة أن الجولة التاسعة جاءت أيضًا بعد توقيع فصائل أستانة على تسليم مناطق ريف حمص الشمالي وحماه لروسيا أو النظام، ولا فرق بين الاثنين ما دام نظام الأسد منشغل في ترميم بيته الداخلي، كأن نقول هنا أن روسيا ماضية في تأمين سوريا المفيدة للنظام، ومع فقداننا ريف حمص أصبحت حدود الدويلة الصغيرة مرسومة بدماء وأطفال سوريا، وبطائرات بوتين، وكيماوي الأسد، وبتقليد حرفي لأبطال الدراما في أستانة، فليحفظ كل سوري هذه الأسماء جيدًا وينقلها عبر الأجيال اللاحقة، فالتاريخ لن يرحم أحدًا حتى وإن طال الزمن أو قصر، وعلى رأس الحقائق أننا كسوريين لم نسلم ابدًا مصيرنا لأحمد طعمة وأيمن العاسمي وياسر عبد الرحيم، بل تلك الشخوص فُرضت علينا دوليًا وتصدرت المشهد السياسي والعسكري، وتكلمت تعّديًا باسم السوريين، فالحقيقة الراسخة للتاريخ، أننا لم ننتخب أحد ولم نرشح أحدًا ولم نمجد أحدًا، ولو سألنا يومًا سنقول أن دولًا استجلبت هؤلاء من داخل سوريا ونصبتهم آلهةً علينا.

قد يلحظ القارئ نبرة الهجوم والحدة في هذه الكلمات، وإن لاحظ فعليه أن يقرأ أيضًا بين السطور، حجم الظلم والقهر الذي مررنا به، فمنذ إطلاق ما يسمى اتفاق أستانة في مايو 2017 ونحن نُجرد من حقوقنا ومناطقتنا سقطت رخصية بأيدي المحتلين الضامنين، الذين أقروا هذا الاتفاق لضمان مصاحلهم وتأمين حدودهم مرورًا بتقسيم الجغرافية السورية، ولو مررنا على النتائج بشكل بانورامي، فقد أنجزت أستانة ما لم ينجزه ستالين وهتلر، مناطق خفض القتل والتدمير، المؤقتة تم تدميرها والاستفراد بها من الدول الضامنة، وقد قمست إلى أربع مناطق ريفي دمشق وحمص ودرعا ووفي الشمال ريفي حلب وإدلب، فماذا كانت النتائج؟ توالت الخسارات والنكسات بعد سقوط حلب المدينة أواخر 2016، فنجحت دول أستانة بإخماد الجبهات والاستفراد بها وتمزيق الفصائل وشراء الذمم، وتشريد المعارضة السياسية واستقطاب واستبدال شخصيات محسوبة ومعروفة بميولها لمصالحهم وأجنداتهم ، فخسرنا كامل محيط دمشق وريف حمص، ودرعا أصبحت تحت وصاية أردنية إسرائيلية بموجب اتفاق جانبي وقع بحضور أمريكي في العاصمة الأدرنية عمّان، وخرج جميع من عليها بعد تدمير مدنهم إلى نقطة المجهول في الشمال السوري، مدينة إدلب التي أصبحت رهن التفاهمات والتجاذبات الروسية التركية.

بعد كل خيبات الأمل، يخرج علينا الطعمة الذي كان سابقًا رئيس الحكومة المؤقتة، ليخبرنا أننا أخطأنا في حمل السلاح، وقد تناسى أن ثورة الكرامة كانت أقدس ثورة سلمية على مر التاريخ، استمرت لأكثر من سبعة أشهر حمل لواءها غياث مطر، ورزان زيتونة وغيرهم من الأبطال الذين أبادهم النظام بسبب سلميتهم الفطرية.

تجاهل الطعمة أن موضوع السلاح قد فرض فرضًا على الشعب السوري، من قبل نظام متوحش فتك بكل المظاهرات السلمية وملأ سجونه ومعتقلاته بأصحاب الضمير والكلمة الحرة الذين لا يعرفون حتى استخدام السلاح، ليس هذا فحسب كان من الأولى للطعمة أن يشرح لنا كيف تم تدمير الثورة بعدما تم حرف بوصلتها من سلمية إلى إسلامية، لكنه لا يتجرأ على ذكر هذه المرحلة، فلا تنتظروا من رجل أحرق منزله أن يحدثنا كيف نشب الحريق.

حقيقة لم نتفاجأ بكلام المبعوث الروسي «ألكسندر لافرنتييف»، عندما قال مناطق خفض التصعيد باقية وتتمدد وهي بأمان ومستمرة، ولم يحدث عليها أي تعديل، فهذا ناطق باسم رئيسه القاتل الشرعي للسوريين، لكن أن يخرج علينا رجل من يتكلم ويحدد مصير سوريا والسوريين، ويتبنى قرار الفصائل أنها ماضية في الحل، والحل السياسي هو بيد الروس، فهذا كلام ما أنزل الله به من سلطان، ولا يخرج من فم ثوري عاقل عاش وذاق الأمرين من دول العالم الماضية في إنعاش الأسد.

من المؤسف جدًا بعد كل التضحيات أن يتصدر أشرار الخلق المشهد السوري، ويقروا بهزيمة الثورة التي لم لن تنتهي، وما هو أشد أسفًا أن نشهد حتى اليوم تمسك هؤلاء الرجال بكراسي ومناصب شخصية، فلو أنهم استقالوا من مناصبهم ربما تركوا مجالًا للأجبال لعلها تغفر لهم ما ارتكتب أياديهم، ولو أننا فعلًا لدينا رجال ثوريين مخلصين لدماء شعبهم، أعتقد ما كنا لنرى اليوم استمررا التسلق والتملق والقفز، من أناس تُبع ما همهم كثرة الدماء ،ولا همهم تدمير الأوطان، بل جُل همهم المكاسب الشخصية وإرضاء الدول، وتلميع وجوههم، ولا نستغرب أن نراهم غدًا في حضن الوطن تحت قيادة الأسد الذي أخطأنا بحمل السلاح ضده.

وليس أخيرًا، إن من يملك الجرأة على القول مثل هذا الكلام، عمليًا هو باع الأرض والوطن وأدار ظهره لدماء الشهداء مقابل حق الحماية والمناصب والكراسي المستقبلية في حضن الأسد، لذا يمكن القول إن غايات عديدة متوفرة غالبًا هي السبب من استمرار هذا المسار الموصول بمسار سوتشي، وسياسيًا تكمن الغاية الأولى التشويش على مسار جنيف وإلغائه، وهو الأمر الذي لن يحصل في نهاية المطاف وقد بدا غياب الحضور الأمريكي في الجولة الأخيرة دليلًا صريحًا على انتهاء صلاحية هذا المسار، ورسالة أمريكية للدول الضامنة مفادها أن لا غنى عن جنيف في نهاية المطاف.

الغاية الثانية من استمرار مسار أستانة واضحة، فبعد الاستفراد الثلاثي بمناطق خفض التصعيد، وتوزيعها بما يتناسب مع مصالحهم الأمنية في سوريا، يجب التأكيد بعد خسارة كل منطقة من تقريب وجهات النظر بين الدول الثلاث، وتقيم الأمور الميدانية على الأرض، لاستمرار التنسيق والتفاهم المشترك، منعًا لأي صدام على الأرض، وبالفعل هذا ما يحدث عمليًّا مع ارتفاع حدة التفاهم الدولي على مصير مدينة إدلب بين روسيا وتركيا، فالجلسة التاسعة أتت بعد وضع تركيا النقطة الأخيرة في ريف إدلب وجسر الشغور لتنتهي بوضع 12 نقطة تركية، مقابل عدة نقاط روسية، وقد نشهد جولات أخرى في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم لتحديد مصير أخير لإدلب المدينة.

الغاية الثالثة تكمن عند أبطال أستانة فهم شهود عيان على جرائم العصر بين أستانة وسوتشي، لكن على ما يبدو اتضح أخيرًا أن غاياتهم الشخصية هي أكبر وأغلى من مليون شهيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد