لا تبكِ يا سوريّةْ
لا تعلني الحدادَ
فوقَ جسدِ الضحيَّة
لا تلثمي الجرحَ
ولا تنتزعي الشّظيّةْ
القطرةُ الأولى مِنَ الدَّمِ الذي نزفتهِ
ستحسمُ القضيّةْ
قفي على رجليكِ يا ميسونَ..
يا بنتَ بني أميّةْ
قفي كسنديانةٍ
في وجهِ كلِّ طلقةٍ وكلِّ بندقية
قفي كأي وردةٍ حزينةٍ
تطلعُ فوقَ شرفةٍ شاميّةْ
وأعلني الصرَّخةَ في وجوههمْ
حريّة… حريّة
أحمد مطر

كانت عصرًا يولد من جديد، كانت سنة الانبعاث وشهر القيامة، كانت أسابيع الانتفاضة وأيام التمرد، كانت صرخات الإنسان وهتافات الحياة، كان العشرات والمئات، كان الألوف والملايين، كان التلميذ والمعلم، الحرفي والمهني، الفقير والغني، كان الكبير والصغير، الشاب والفتاة، الرجال والنساء، كان المسلم وغير المسلم، كان العربي وغير العربي، كانت المطالب بسيطة، وكانت الاستجابة مخيفة، كانت الحياة والموت، كان العدل والظلم، كان النور والظلام، كان الهتاف والرصاص، كان الحب والكره، كان السلام والقتال، كانت العدالة والاستبداد، كان الشعب والرئيس، كان الشعب والجيش، كان معنا كل شيء ولم يكن بحوزتنا شيء، كان ربيع الأمل، كانت ثورة الإنسان، كانت ثورة للحياة، كانت وكان، ثورة وثائرًا، في كل بقعة عربية حكمتها أنظمة عسكرية وحكومات استبدادية. كانت وما زالت، ثورة للحياة، كان وما زال، ثائرًا في وجه الطغيان والظلم، كانت ثورة الشعوب، ثورة للإنسان فينَا.

صرخ الإنسان، صرخ الشعب وثارت الجموع، انتفضت الأهالي وقامت الشوارع، امتلأت المساجد والساحات، تعالت الصيحات وامتزجت الأصوات، تلونت الهتافات وتعدَّدت المطالب. جموعٌ بشرية تأنف الضراعة والمهانة، تسمو للعظمة والكرامة، طماحة لا ترضى بالقناعة، تصبو للعُلا والسَمَا. بقلب واحد وجسد واحد؛ من مصر لليمن، من تونس لسوريا، من ليبيا الخضراء للجزائر الغنّاء، من العراق الشقيق للبنان الصديق والسودان العريق، الشعب يريد إسقاط النظام، هتافٌ جَلْجلَ الأرض، وهزّ الجبال، ورفرف يشق عنان السماء يُرعِب أركان الاستبداد، ويقضُ مضاجع الطغاة.

مظاهرات واحتجاجات، إضراب وعصيان، تمرد وجموح، هتفنا وصرخنا، نادينا ولبينا، ركضنا واختبأنا، كنا نحيا ونموت، كنا نذرف دمعًا ونَقطِرُ دمًا، كنا نختنق بالغاز ونموت بالرصاص، كنا نُضرب بالعصي ونذبح بالسكاكين، كان المعتقل جحيمًا والموت رحيمًا، الداخل مفقود والخارج مولود، لاحقنا الموت في الشوارع والمنازل، في المساجد والمعابد، لكن النفوس سَمَت، والأرواح علت عن هذا القدر الخطير وتطلعت إلى حياة السماء، حياة الكرماء والأشراف، فلم ترتض حياة العبيد والأتباع. غنينا للحياة، حياة الأحرار، صلينا لها وأنشدنا نطلبها في الساحات والشوارع.

أنظمة بلداننا الغاصبة قمعت ثوراتنا وحكومات العالم القاتِلة خذلتها وحاربتها. كثرت الانتكاسات وتوالت الخيانات، عظمت الخسارات واجتمعت أمم الظلم علينا، وتكالبت قوى المصالح على أرضنا وبلادنا، فاستغلوا ضعاف النفوس عديمي الضمائر، فاقدي الشرف والأخلاق لتحقيق مآربهم وإفشال مآربنا؛ والثائر الجليل، العظيم الشريف، ثابتٌ على مبدأه قائم على قضيته، يشذُّ السير لأجلها ويبذل نفسه في سبيلها، لا يحيد عنها ولا يخلف وعده معها، لا يخون دماء شهدائها ومعتقليها، فتزداد الثورة به صمودًا ويزداد بها شرفًا ومجدًا.

والثائر يقول: نحن الأمل، نحن الوطن القادم، نحن التاريخ المضيء، نحن طلاب الحرية، نحن أهل الحق، نحن من سيحمل التاريخ أسماءهم وتروي الأجيال قصصهم، وتسطِّر الصفحات تضحياتهم، نحن بذور دولة العدالة والحرية، نحن من يقوّض أركان دولة الاستبداد ويرفع أركان الديمقراطية، وقد لا نراها لكن يكفينا شرفًا ويرضينا أننا حملنا شعلتها، ووضعنا أُسَّسَها.

ونحب البلاد كما أحبها الشاعر الراحل التونسي أولاد أحمد، يقول:

نحبُّ البلادَ…
كما لا يحبُّ البلادَ أحدْ
صباحًا
مساءً
وقبل الصّباحِ
وبعد المساءِ
ويوم الأحدْ
ولو قتّلونا
كما قتّلونا
ولو شرّدونا
كما شرّدونا
لعُدنا غزاة لهذا البلدْ
وعادَ إلى أرضنا الشجرُ
وعادَ إلى ليلنا القمرُ
وصاحَ الشهيدُ:
سلامٌ
سلامٌ
على من صمدْ
نحبُّ البلادَ
لكي لا يحبَّ البلادَ أحدْ
ولو قتَّلونا
ولو شرَّدونا
لعُدنا غزاةً… لنفسِ البلدْ

لا يفنى ثائرٌ ولا تموت ثورة قامت لإحقاق العدل وإزهاق الباطل، لا ينفع سلاح ولا يجدي إرهاب، لن تكسروا أرواحنا، ولن تخور عزيمتنا، قادمون قادمون، اليوم أو بعد غد، وإنكم لساقطون راحلون، في قاع الجحيم وظلماته مجتمعون. ونحن الباقون، نحن أصحاب الإرادة والكلمة الأولى والأخيرة. فالشعب فوق الحكومة، والشعب فوق الرئيس، الشعب أبقى من الحكومة.

سيأتي الربيع، وتزهر ثمار الحرية، ونتغنى بفرحة النصر والغَلَبة، والمجد كل المجد للشهداء، للمعتقلين، للثوّار. نحن الثورة، نحن الفكرة التي لا تخاف شيئًا ولا تهاب حاكمًا، نحن شعبٌ اتّقّد قلبه بضياء الحرية، وتوهجت روحه بنور العدالة، ومهَّد سبيله دمٌ زَكيّ طاهر، نحن طلاب حق، وحيثما تجِد حقًّا تجِدُ حرًّا شريفًا. نحن شعوبٌ لا تعرف الهزيمة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد