في حين يتفق اللبنانيون عمومًا على أن «الطائفية» هي أم الشرور في بلدهم، فإنّ هذا الشر نفسه هو الحاكم والمسيطر على تركيبة النظام والدولة في كل مرافقها، فلا كفاءة ولا بحث علمي ولا من يحزنون. طائفتك هي من تحدد ماضيك وواقعك ومستقبلك.

وسط هذه المعضلة التاريخية، تبرز نقاط مضيئة يتمسك بها الشعب عادةَ من باب الأمل. إحدى هذه النقاط تتمثل في مؤسسة الجيش الذي يحوي أفرادًا من مختلف مكوّنات المجتمع، ويحمل عقيدة واضحة تسمو على زواريب السياسة المحلية.

إلى الجيش اللبناني، في لبنان ظاهرة ثانية تحظى بمحبة وتقدير مئات آلاف اللبنانيين منذ قيامه هي «نادي النجمة» لكرة القدم، الذي تأسس عام 1945. بعد أن دخل لبنان انهيارًا تدريجيًا متدحرجًا، منذ اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في العام 2005، طالت الأزمات كافة القطاعات في البلد، ومنها الرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص.

وعلى الرغم من كونها اللعبة الشعبية الأولى في لبنان ووجود مهارات وموارد بشرية مهمة، إلا أنّ هذه اللعبة لم تستطع الانتقال إلى مرحلة الاحتراف لاعتبارات عديدة يتقاطع فيها الاقتصاد مع السياسة.

ففي لبنان، لكل طائفة فريقها، بل لكل مذهب فريقه الكروي. وحده «نادي النجمة» يخترق حواجز الأيديولوجيا والجغرافيا ليشكلّ حالة فريدة من نوعها تذوب فيها صراعات اللبنانيين على اختلاف مشاربهم.

وهكذا لا عجب في أن تجد مشجعين للنادي النبيذي في كل أرجاء لبنان. وفي مدرج النجمة وحده، يلتقي السني مع الشيعي مع المسيحي مع الدرزي مع العلوي للهتاف لقضية واحدة، في بلد يختلف فيه الناس حتى على أسماء المرافق الحيوية المهترئة!

في الوقت نفسه، يستشعر جمهور النادي الذي يُعدّ بمئات الآلاف استهدافًا تاريخيًّا دومًا بغية إبعاده عن تشجيع فريقه لصالح فرق أخرى يرى أنها محظية لدى الأطراف الحاكمة في البلد. ومع أن العديد من الشخصيات الفنية والسياسية والإعلامية لا تتوانى عن استغلال أي مناسبة لـ«مغازلة» جمهور النجمة العريض بغية اكتساب عطفه وتأييده، فإن هذا الجمهور، المركب من عيّنات شعبية شديدة التنوع والتمثيل للفسيفساء اللبنانية، لا يقيم وزنًا إلا لمن يعمل لصالح النادي. وهو في المقابل، يقدّم بصيص أمل وبهجة باتت نادرة في المجتمع اللبناني.

فعدا عن أساليب التشجيع العالمية التي يسارع جمهور الفريق إلى تبنيها، وإضافة إلى عشرات الأغاني والأهازيج واللوحات الفنية التي يزخر بها أرشيف النادي، يبادر جمهور النجمة في الآونة الأخيرة إلى تقديم مساعدات إنسانية لحالات مرضية صعبة.

ففي الأشهر الأخيرة، برزت ظاهرة إنسانية في أوساط هذا الجمهور، إذ لا يكاد يمر أسبوع، من دون أن تنتشر صناديق للتبرع لحالات مرضية صعبة لأطفال وكبار من كل المناطق اللبنانية.

يكفي أن يُطلق قائد مجموعة «نجماوية» أو رئيس رابطة للجمهور نداءً عبر شبكات التواصل للتبرع يوم المباراة المقبلة للفريق، حتى يسارع الجمهور، الذي يشكل الفقراء الغالبية الساحقة منه، إلى تقديم القليل والكثير. وغالبًا ما تكون المبالغ المجموعة مليونية نظرًا إلى عدد الجمهور المشارك، وذلك على الرغم من الحالة المعيشية الصعبة التي يمرّ بها اللبنانيون جميعًا.

لست في وارد الحديث أكثر عن عراقة نادي النجمة وتاريخه، فهو معروف في العالم العربي بالنسبة لمتابعي كرة القدم، لكن ما يهمني الإشارة إليه هو ما يتعرض له هذا النادي من حملات مستجدة تستهدف جرّ جمهوره المتنوع إلى زواريب الطائفية البغيضة، من قبل جهات غارقة في المذهبية، بل لا حياة أو وجود لها من دون النفخ المستمر في بوق العصبية والمناطقية.

ولأن السياسة ما دخلت شيئًا إلا وأفسدته، فقد سارعت روابط الجمهور من مختلف المناطق اللبنانية إلى إصدار بيانات شديدة اللهجة ترفض فيها أي تصنيفات مذهبية أو طائفية لكرة القدم، وتندد فيها بأساليب البعض اللعب على الوتر الطائفي بغية شق صفوف أكبر جمهور في لبنان.

واللافت أن الحملة الأخيرة على النادي وجمهوره لا تتوانى عن استخدام كافة الأدوات الإعلامية والشائعات والتحريض والأساليب المكشوفة، التي تهدف إلى ضرب واحدة من آخر قلاع الوحدة في هذا البلد العجيب. وترتكز الحملات المسيئة للنادي على محاولة تقليب جمهور النادي في المناطق المحسوبة على الطائفة الشيعية على إدارة النادي التي تنتمي عقائديًّا للطائفة السنية، علمًا بأن رئيس النادي أسعد السقال معروف بعلاقاته الواسعة مع جميع السياسيين، تمامًا كحال من سبقه من رؤساء النجمة. كما أن الرئيس الحالي رجل أعمال ناجح وبارز محليًا وإقليميًا، وهو أبعد ما يكون عن الانغلاق والتقوقع.

ولأنها ليست المرة الأولى التي تستخدم فيه الورقة المذهبية لمحاولة شق صفوف النجمة، فقد انتقل المحرضون إلى مستوى أشدّ خبثًا ببث شعارات مذهبية في أشكال التشجيع عبر شبكات التواصل. ومع أن هذه الرسائل التحريضية تظهر وكأنها أعمال فردية، فإن مضمونها وتوقيتها ينحو تجاه حملة مبرمجة تهدف بشكل واضح إلى سلب اللاعب رقم واحد من نادي النجمة؛ أعني به الجمهور.

في الأيام القليلة المقبلة، يشارك منتخب لبنان في كأس آسيا في مجموعة صعبة تضمه إلى جانب قطر، وكوريا الشمالية، والسعودية. ولسوء حظ الرياضيين في لبنان، لم تحظ مشاركة المنتخب حتى الساعة بأي تغطية إعلامية تليق بإنجاز منتخب «الأرز» الذي تفوق على نفسه ووصل إلى هذه المرحلة المتقدمة من البطولة على الرغم من افتقاده لأبسط مقومات لعبة كرة القدم؛ من ملاعب صالحة أو أموال.

وفي صفوف المنتخب الحالي، يشارك أربعة لاعبين من «النجمة» فضلًا عن غياب اثنين بداعي الإصابة وإعارة ثالث إلى فريق محلي. وحده جمهور النجمة التفت إلى التقصير الرسمي في مواكبة منتخب لبنان، فقرر إطلاق حملاته الداعمة عبر شبكات التواصل، ملقيًا وراءه كل خلافات او حساسيات مع لاعبي المنتخب الذين ينتمون إلى أندية منافسة.

كما تعلمون، يعجز زعماء لبنان في المرحلة الحالية عن تشكيل حكومة، على الرغم من مرور أكثر من سبعة أشهر على الانتخابات النيابية التي لم يشارك فيها أكثر من نصف الشعب نتيجة اليأس من حصول تغيير دراماتيكي يعيد للبلد بعضًا من بريقه المفقود في العقدين الأخيرين.

وأمام الواقع المزري الذي وصل إليه لبنان «والمنطقة»، هناك نموذج راقٍ يسمو على جميع الخلافات المصطنعة. ويكاد هذا النموذج لا يوجد له مثيل في العالم العربي.

فهل يقدر جمهور «النجمة» على تجاوز أصعب وأخطر الاختبارات التي يتعرض لها في تاريخه أم يقع هذا الجمهور المليوني في فخ مُحكم يؤذن بسقوط أكبر عقد اجتماعي ومعه ما تبقى من لبنان؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد