في ظل الظروف التي تعيشها منطقتنا العربية، نشأت طبقة من التجار ورجال الأعمال الجدد تتربح على مصائب الناس، في الوقت نفسه زادت ثروة التجار القدامى، بينما تزداد مآسي الملايين الذين أرهقتهم الحروب، وتركتهم بلا مأوى ولا وطن، يسكون المخيمات، أو يبحثون عن وطن بديل يلجؤون إليه، يبحثون فيه عن شيء من كرامة فقدوها في أوطانهم، وحرية ضاعت على يد حكامهم.

وكانت تركيا في المحطة التي عبر منها الكثيرون أوروبا التي يعتبرونها أرض الأحلام، بينما فضل آخرون الاستقرار في تركيا من باب عصفور في اليد خير من عشرة في البحر، أو أنه وجد ضالته، إذا ما قارن تركيا بوطنه، الذي لم يعرف شيئًا اسمه نهضة اقتصادية أو عمرانية، منذ أن تربع الزعيم المفدى على عرش السلطة.

حديثنا يدور عن هذين الصنفين (التجار والمهاجرون)، وكيف استفاد بعضهم من بعض، أو ربما استغل بعضهم حاجة بعض، تلك الجدلية التي يعتبر المحتاجون أنفسهم الضحية الأكبر فيها، بينما يُتهم التجار ورجال الأعمال باستغلال حاجة أبناء جلدتهم، ومحاولة استغلالهم. ولكل منهم ما يبرر به فعله.

لنبدأ بالمهاجرين الهاربين من جحيم الحرب، فبعضهم جاء بما يملك من «تحويشة العمر» التي لم تصمد طويلًا، مقابل غلاء الأسعار ومتطلبات المعيشة في تركيا، والتي تختلف اختلافًا جذريًّا عما تعودوا عليه في بلدانهم العربية، والقسم الآخر الذين خرجوا بأرواحهم، ولم يكن لديهم ما يقوّمون به حياتهم، ورغم أن الحكومة التركية أعدت مخيمات للنازحين، ووفرت مستلزمات العيش فيها من مأكل وملبس، وحتى متطلبات الدراسة -هذا بالنسبة للسوريين- إلا أن الكثير منهم يرفض السكن في تلك المخيمات، مختارين البقاء في المدن الكبرى كإسطنبول على وجه الخصوص، والسعي في تدبير أمور معشيتهم، والبحث عن فرص عمل هنا وهنا، وبسبب الحاجة الماسة والعوز يضطر هؤلاء للقبول بأي عمل، حتى وإن كان لا يناسب مؤهلاتهم وقدراتهم، أو أن المقابل المادي لا يفي بالغرض، لكنه يبقى أفضل من لا شيء.

أما التجار ورجال الأعمال فإن أغلبهم نقل تجارته بعد أن تضررت مصالحه نتيجة للحروب أيضًا، وهنا أود الإشارة إلى طريفة لاحظتها في عيد الأضحى الماضي، إذ لفت انتباهي أن كثيرًا من العوائل السورية قررت أن تقضي العيد مع الأهل والأقارب في سوريا، فتساءلت فلماذا خرجوا من سوريا إذن؟ ما دام أن باستطاعتهم الرجوع إليها في أي وقت؟ فأجابني أحد الأصدقاء وهو طبيب سوري: ليس جميع من خرج من سوريا هو مطلوب للنظام، لكن الوضع أصبح لا يطاق، وفرص العمل أصبحت معدومة، فهو يرى في تركيا متنفسًا، يأمن على نفسه وعياله، ويجد فيه باب رزق، مستفيدًا من حركة السوق التي تغيرت بوجود هذا الكم الكبير من العرب في تركيا.

وبوجود هذا العدد الكبير من العرب سواء من اللاجئين أو السياح، استثمر كثير من التجار ورجال الأعمال ثروتهم مستغلين الحاجة الماسة إلى الخدمات التي يتطلبها وجودهم في بلد غير عربي، ففُتحت المشاريع المختلفة من مطاعم ومدارس عربية، وقنوات فضائية، وشركات تحويل الأموال، والمواد الغذائية، وغيرها.

الناظر إلى الأمر للوهلة الأولى يجد أنها فرصة لهذه الأعداد من العاطلين والمحتاجين لدخول سوق العمل، وتوفير لقمة عيشهم في بلد لم يكونوا يحلمون أن يجدوا فيه من يوظفهم، لكن حين تستمع إلى شكوى هؤلاء، تجد أنهم يقعون ضحية استغلال رجال الأعمال من أبناء جلدتهم، مستغلين حاجتهم وعوزهم، ولا يملكون تجاه ذلك إلا الصبر والاحتساب، وإقناع أنفسهم بأنهم أفضل حالًا من غيرهم، ممن لم يحالفهم الحظ في إيجاد فرصة عمل، ويمكن إجمال ما تم رصده  بما يلي:

  • قلة الأجور المدفوعة للعاملين مقابل جهودهم المبذولة وساعات عملهم.
  • عدم مراعاة التحصيل العلمي أو الشهادات التي يحملها العامل، فيمكن لصاحب الماجستير أو الدكتوراه أن يتم توظيفه في مدرسة ابتدائية براتب بسيط، وهكذا.
  • لا يحق للعامل الاعتراض على العمل خارج أوقات الدوام أو أيام العطل.
  • عدم شمول العامل بنظام التأمين الصحي.
  • لا وجود لعقد عمل أصولي بين الطرفين، وإنما يتم التشغيل وفق اتفاق شفوي، يضطر العامل للموافقة عليه لحاجته الماسة، ويمكن لصاحب العمل طرد العامل في أي وقت ودون إبداء الأسباب.

وهناك أسباب أخرى لكننا ذكرنا أهمها خشية الإطالة، وكما يقول أحد الأساتذة المختصين وهو دكتور في علم النفس حول هذا الموضوع، وهو أحد المتضررين من هذا الأمر، إذ يعلق على ذلك بقوله: «الشيء الذي لا أفهمه عند أغلب المستثمرين العرب في إسطنبول وهو أنهم يريدون أن تقدم لهم أقصى طاقة مقابل قليل من المال يعني بالسوري (بدهم حمار شغل) ولا يهمهم قدراتك وإمكاناتك ومهاراتك لذلك ليس عيبًا أن تقدم لهم طاقات خلبية أي (جعجعة بدون طحين)».

و لكي ترى إلى أي حد وصل الحال عند البعض، انظر إلى ما كتب أحدهم على حسابه على فيسبوك، إذ يقول: «اقترح تشكيل نقابة خاصة بأصحاب الشهادات الجامعية العليا على أن يكون ضمن برنامجها جلد النفس بالأحذية، مرة في الأسبوع، تطهيرًا لها من الخطأ التي وقعت فيه بدفع صاحبها للدراسة، وإضاعة الوقت للعمل فيما بعد عند من لم يفتح كتابًا».

لقد تحول هؤلاء المستثمرين إلى «مستعمرين» بكل معنى الكلمة، فبنو ثروتهم من دماء وعرق من قضى شطر عمره في الدراسة والبحث، ولا فرق عندي بينهم وبين من بنى ثروته من صناعة الحروب وبيع السلاح، فكلاهما يقتات على مآسي الشعوب، ويتمنى استمرارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد