أدانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أعمال العنف التي دارت في مدينة هايدناو الألمانية في أواخر الشهر الماضي، أثر اعتداء مئات من مؤيدي الحزب اليميني المتطرف على مركز للاجئين، فيما ندد رئيس البوندستاج بالاحتجاجات وأعمال العنف ضد اللاجئين، واصفاً إياها بـالعار على الشعب الألماني.

 

بينما كانت الشرطة الألمانية قد أعلنت أن التظاهرة المقامة بمدينة دريسدن ضد أسلمة الغرب جمعت في الخامس من بداية هذا العام أكثر من 18 الف شخص، فى مشاركة قياسية منذ انطلاق هذه الحركة، حيث شارك في نهاية عام 2014 نحو 10 آلاف شخص في مسيرات تحت نفس الشعار، وعلى أثر ذلك أثار انتشار تلك الحركات النازية المعادية للإسلام نقاشا سياسيا واسعا.

 

ويبدو من هذا أن الأفكار النازية العنصرية لا تزال تعبر عن وجودها من حين لآخر في المجتمع الألماني من خلال القيام بتحركات تطالب بطرد اللاجئين خاصة من المسلمين من قِبل ما يسمى بالنازيين الجدد أو( حليقي الرؤوس )، وتعرف هذه الحركة بأنها تتبع أهداف ومبادئ الحركة النازية التي أسسها أدولف هتلر عام 1920م.

 

وملخص تلك النظريات هي التفوق العنصري للشعب الألماني وبحقه في الزعامة الألمانية، ولكن تلك النظريات لم تكن صنيعة نازية بالأساس ، بل تمتد جذورها إلى فلاسفة القرنين الثامن والتاسع عشر، ومنهم ليست وجوبينو وفاجنر ونيتشه واوستين تشمبرلين، وفخته وليوبون وشوبنهور،  وقد تأثر هتلر بهما وتبني وجهات نظرهم في كتابه (كفاحي – Mein Kampf )، وبالرغم من أن الحكومات الألمانية المتعاقبة سخرت كل طاقاتها للحد من انتشار تلك الأفكار إلا أنها انتشرت بشدة بين الشباب الألماني منذ ستينات القرن الماضي تحت مسمى النازيون الجدد وأحزاب اليمين المتطرف وجماعات أخرى تعتنق الفكر العنصري سواء جماعات تلجأ للعنف أو سلمية.

 

واختلف الباحثون في الشأن الألماني في أسباب نجاح النازيين الجدد: حيث أرجع البعض السبب إلى استغلال تذمر المواطنين من سياسة الإصلاح والتقشف التي تتبعها الحكومة الألمانية خلال السنوات الأخيرة ، وخاصة في الجزء الشرقي من البلاد ، لذلك تجد المقولات العنصرية المتعلقة بقلة فرص العمل بسبب وجود الأجانب صدى في هذه المناطق.

 

أما البعض الآخر، فيرى أن الجذور الهتلرية مازالت متوغلة في بنية المجتمع الألماني، ويرجع البعض الآخر زيادة هجرة العرب المسلمون للقارة الأوروبية خاصة ألمانيا سببا مباشرا ؛ لأنه أعطى فرصة ذهبية للنازيين الجدد بالترويج لعنصريتهم ، وتوجيهها للفزاعة الجديدة وهي الخشية من أسلمة أوروبا.

 

فأصبحت معركة النازيين الجدد ضد المسلمين واعتبارهم رمز الخطر الذي يهدد المجتمع الألماني بما يحملونه من قيم وأفكار دينية ، وخطورتهم على علمانية الدولة هناك. كما تقول دعاياتهم ، ما أدى إلى زيادة حجم الاستقطاب، واستخدم النازيون الجدد في استقطاب الشباب لهم وللترويج لأفكارهم الوسائل الحديثة كالأنترنت وشبكات التواصل، وتويتر واليوتيوب، كذلك استعملوا الموسيقى والرياضة خاصة كرة القدم والفن للترويج لأفكارهم العنصرية بين الشباب في قالب ثقافي جذاب وممتع، بعيدًا عن استعمال الشعارات البالية إذ يقومون بالاختباء وراء واجهة جذابة للتمويه.

 

وهكذا أصبح هناك العديد من عمليات العنف خاصة ضد اللاجئين المسلمين والعرب ، فنجد مثلا في 24 أغسطس 1992م أن مبنى لإيواء اللاجئين في منطقة ليشتينهاغين في روستوك بشرق ألمانيا سمي ببيت زهور عباد الشمس كان غالبيته من المهاجرين الأفغان تعرض إلى هجوم من النازيين الجدد.

 

وفي عام 2009م أشار تقرير منشور للمجلس الأوربي إلى ارتفاع عدد الجرائم المرتبطة بمعاداة السامية من المسلمين، وأن المسلمين الأتراك هم أكثر الفئات عرضة للتمييز العنصري في ألمانيا، ويعد أشهر حادث يعبر عن العنصرية النازية الموجهه ضد المسلمين هو مقتل مروة الشربيني الصيدلانية المصرية على يد يميني متطرف يدعى أليكس دبليو فينز البالغ من العمر 28 عامًا داخل محكمة في مدينة دريسدن بعدما قام بطعنها 18 طعنة في 3 دقائق، بعدما وصفها بالإرهابية بسبب ارتدائها الحجاب.

 

هذا الحادث الذي يعد نقطة التحول الحقيقية في نظرة العالم حول صعوبة موقف العرب والمسلمين في أوروبا ، وخاصة ألمانيا بعد ظهور وتوغل النازيين الجدد بها ، ولهذا قامت مظاهرات في جنازتها شارك فيها مئات من المصريين والعرب أمام مجلس بلدية مدينة نويا كولين ؛ منددين بالتطرف والعنف الذي يمارس ضد المسلمين بألمانيا وطالب المتظاهرون الحكومة الألمانية بتوقيع أقصى عقوبة على القاتل، وبالفعل حكم عليه في 11 نوفمبر من نفس العام بالسجن مدى الحياة.

 

وفي بدايات عام 2013م تم الكشف عن خلية تابعة بالنازيين الجدد ، وهي الخلية التي عرفت فيما بعد باسم إن إس يو أو تسفيكاو وتم اتهامها بتنفيذ سلسلة من الاغتيالات بحق أجانب وتفجيرات وعمليات سطو على البنوك.

 

وتجدر الإشارة إلى أن أعضاء تلك الخلية اليمينية المتطرفة ارتكبوا سلسلة من جرائم القتل خلال الفترة من عام 2000 حتى عام 2007، شملت تسعة رجال أعمال أتراك، ولكن الجهات الأمنية بألمانيا ، لم تكتشف أن تلك الجرائم تمت بدوافع عنصرية ، بل غالبا كانت تقيد ضد مجهول ، وتنسب إلى الخلية إضافة إلى جرائم القتل سرقة مواد متفجرة في ولاية تورينغن.

 

وكان قسم من هذه المتفجرات قد استخدم في هجوم بقنابل محشوة بالمسامير في مدينة كولونيا عام 2004، والذي أدى إلى جرح أكثر من عشرين شخصاً. ووقع الهجوم بالقنابل في منطقة تجارية  قسم كبير من أصحاب المحلات فيها من أصول مهاجرة عربية، كما تقول الشرطة الألمانية إن الخلية مسئولة عن هجوم بمواد متفجرة على محل تجاري لشخص من أصول إيرانية عام 2001 في كولونيا وأدى هذا الهجوم إلى إصابة ابنته بجروح بالغة.

 

وفي عام 2014 شهدت مراكز اللاجئين المسلمين خاصة اللبنانين والسوريين والأتراك في ألمانيا نحو 150 هجوما، بينما زادت معدلات جرائم العنف التي ارتكبت تجاه المسلمين والمهاجرين بنسبة 22.9% في هذا العام، فلم يعد خطرهم قاصراً على اعتداءات بسيطة على المسلمين، ولكنه تحول لاعتداء على المساجد، والدعوة لكراهية المسلمين عمومًا، وإبعادهم عن ألمانيا مؤخراً ، وتنتشر لافتات لحزب “النازيين الجدد ” يحمل بعضها صورة لفتاة شقراء بعينين زرقاوين تقابلها صورة لفتاة سمراء بعينين بنيتين ونقاب، كتب بجوارها ماريا بدلاً من الشريعة ، وطلبوا من الحكومة منع الحجاب على مر سنوات وهو الأمر الذي بدأت الحكومة الألمانية مؤخرا في اتخاذ التدابير لتنفيذه على غرار ما فعلته فرنسا.

 

وهكذا فإن المسلمين في ألمانيا يشعرون بالقلق لعدم لجم الهجمات المتزايدة ضدهم، حيث قال رئيس الاتحاد الإسلامي التركي الأوروبي “إحسان أونر في هذا الشأن: “نحن كوننا أقلية مسلمة نشعر بقلق بالغ على مستقبلنا في هذا البلد، بسبب تأليب السكان علينا وأوضح “أونر” أن الإعلام والساسة الألمان تعاملوا لسنوات مع الأقلية المسلمة وفقًا لأحكام مسبقة.

 

مضيفًا: “إن وسائل الإعلام الألمانية هيأت في أخبارها مناخاً عدائياً ضد الإسلام والمسلمين تحت مسمى الإسلاموفوبيا”.

 

وعبر أيمن مزيك رئيس مجلس الأمناء بالمجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا عن اتفاقه مع سياسيين ألمان وصفوا الأجهزة الأمنية بأنها مصابة بعمى العين اليميني بسبب غضها الطرف عن جرائم اليمين المتطرف وتركيزها علي التطرف اليساري والإسلامي، ودعا السلطات الأمنية للتحاور مع مسلمي البلاد والاستماع لهم بصدر مفتوح بدلا من النظر إليهم كخطر محتمل، وشدد على “أهمية توصيف جرائم اليمين المتطرف بأسمائها الحقيقية كعنصرية أو عداء للإسلام، بدلا من الاقتصار على تصنيفها التقليدي أعمالا إجرامية”.

 

وقال في تصريحات صحفية له إنه لا يوجد، حتى الآن، في تصنيف الجرائم السياسية في ألمانيا، فئة معاداة الإسلام أو معاداة المسلمين، فكلاهما يتم تصنيفهما رسميًا تحت جرائم كراهية، أو كراهية الأجانب، مشيراً إلى أن اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب (ECRI) التي شكلها المجلس الأوروبي عام 1993 أشارت إلى أوجه القصور الألماني في مكافحة العنصرية، وقالت: ” إن نظام تدوين وتعريف العنصرية ومعاداة الأجانب، تحتاج إلى إصلاح”.

 

وبالفعل فإن موقف الحكومة الألمانية كان يتسم بشيء من التراخي ؛ فقد عبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مؤخرا إثر محاكمة خلية تسفكياو النازية عن قلقها من تنامي خطر اليمين المتطرف في ألمانيا.

 

وأتى هذا الإعلان إثر محاولات للحكومة الألمانية بعد تأثر سمعتها كبلد آمن ، ولكن يبدو أنها كانت محاولات غير مجدية ، حيث حظرت المحكمة الدستورية العليا بعض من مسيراتهم وتظاهراتهم، وحاولت وضع مشروع حكومي لتعديل فقرات القانون المتعلق بحق التجمع والتظاهر في ألمانيا بغية حظر نشاطات النازيين الجدد في أماكن معينة 2005، وقامت وزارة الداخلية في الحكومة الاتحادية ومثيلاتها بالولايات المختلفة بحظر العديد من المنظمات النازية المتطرفة عام 2006.

 

وتم فتح التحقيق ضد الحزب القومي الألماني المتطرف بتهمة كراهية الأجانب في2009، وطالب العديد من السياسيين حظره ، لكن نظراً لأنه إجراء غير دستوري لم تتمكن الحكومة من ذلك، وحاولت وضع مشروع حكومي لتعديل فقرات القانون المتعلق بحق التجمع والتظاهر في ألمانيا بغية حظر نشاطات النازيين الجدد في أماكن معينة، والمشروع واجه معارضة برلمانية ؛ بسبب الخوف من تأثير ذلك على حرية العمل السياسي والتعبير عن الرأي.

 

كذلك أقر البرلمان إنشاء قاعدة بيانات مركزية لجمع المعلومات لتسهيل تبادل المعلومات بين أجهزة الأمن والمخابرات الألمانية في 2012 ، كذلك فتح الادعاء العام الألماني تحقيقا للبحث في العديد من الحوادث التي تعرض لها أجانب في 2013، وكذلك أقر وزير الداخلية الألماني هانز بيتر فريدريش بوجود “إرهاب يميني إثر تكشف معطيات حول سلسلة من عمليات قتل مهاجرين يشتبه بوقوف النازيين الجدد خلفها،في 2013م.

 

وفي المقابل تسعى العديد من مبادرات الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني في ألمانيا إلى التصدي لهذه الظاهرة. ومواجهة الخلط المتعمد أحيانا بين “الإرهاب الإسلامي” والمسلمين بشكل عام، ويقظة قوى المجتمع المدني ساهمت حتى الآن في وضع حد لأنشطة اليمين المتطرف في الشارع الألماني ، وتم تأسيس مؤسسات للتصدي لتلك الظاهرة كمؤسسة أمادوي انتونيو الألمانية لمكافحة التيار اليميني المتطرف، وحركة “الشجاعة ضد العنف اليميني.

 

وعلى صعيد المنظمات الإسلامية تقدم مؤخراً المجلس التنسيقي للمنظمات الإسلامية في ألمانيا ـ المكون من أكبر أربع منظمات إسلامية بها ، عبر رسالة مفتوحة وجهها للدولة والرأي العام الألمانيين ـ بعدة مقترحات لمكافحة انتشار التيارات اليمينية المتطرفة هي:

 

التصدي بحزم لمظاهر التمييز ضد المسلمين في الحياة اليومية ومجالات العمل والمؤسسات العامة، وإدراج العداء للإسلام ومكافحة التيارات اليمينية المتطرفة في صدارة أجندة مؤتمر الإسلام الحكومي، وتطوير إجراءات وقائية لحماية الأقلية المسلمة والمؤسسات التابعة لها، ومواجهة انتشار الأفكار اليمينية المتطرفة وسط المجتمع بإجراءات فعالة تشمل البرامج التوضيحية والدورات التدريبية لشرائح المجتمع، ومحاكمة أي مسئول بأجهزة الرقابة الأمنية إذا ثبت تستره على جرائم الإرهاب اليميني أو في إبعاد الشبهة عن الضالعين بهذه الجرائم، وحث المجلس حكومة ميركل والمواطنين الألمان، على الترويج للتعدد الإثني والديني باعتباره إثراء مجتمعي ينبغي حمايته.

 

وهكذا أصبح من المتوقع أن يلحق العداء للإسلام والأجانب في ألمانيا  ضرراً بعلاقاتها مع البلدان الإسلامية العام المقبل، حيث يمكن أن يتسبب بتردي العلاقات التجارية والدبلوماسية مع البلدان الإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد