السؤال الأهم هو لماذا فشلت كل محاولات التغيير؟ على أساس أن الواقع السياسي والنمط الاجتماعي لم يتم المساس بهما من قريبٍ أو بعيد، مجرد تعديلات ظاهرية لم تمس المضمون في شيء، وإن تدهورت الأحوال العامة في المحصلة.

لأن المسألة هي نظام كامل، نظام اجتماعي سياسي، قائم على قوى لها مصلحة في استمراره، قوى تمتلك أدوات الفعل والتأثير، توظف هذه الأدوات لتوطيد أركان النظام، وتثبيت ركائزه ضد أي محاولة لزعزعة استقراره، أو تهديد لوجوده.

ولتكتمل الصورة، وجب علينا رسم خريطة النظام، من حيث أنه نظام اجتماعي سياسي – أي النظام الاجتماعي وأثره على المجال السياسي – هذا النظام قائم على قوى اجتماعية (النخبة الاجتماعية) لا تتعدى ١٠٪‏ من الشعب، ولكنها تمتلك ثلاثة أرباع الثروة، وتسيطر على أدوات التأثير على المجتمع والحكم.

هذا النظام أعاد هندسة الدولة بمؤسساتها طبقاً لمصلحة الطبقة الحاكمة، حتى تحولت لدولة النخبة، من ينتمي للـ١٠٪‏ الأغنى له امتيازات المواطن درجة أولى، ومن يقع ضمن الـ٩٠٪‏ من الشعب له نصيب في دوامة المعاناة.

هذه الدولة لها جهاز حاكم، أو نظام حكم، يعبر عن نفوذ الطبقة الاجتماعية الحاكمة ويحمي مصالحها، والحكم مستقر في يد النخبة العسكرية ضمن تركيبة نخبوية حاكمة ترتكز على مثلث الثروة، النخبة البيروقراطية، الأمن.

بعدما دارت طواحين ما يسمى الربيع العربي جرى صراع طاحن في مصر على قمة الحكم، تعددت أطراف ذاك الصراع على من يجلس على قمة الهرم (السلطة)، أما جسم الهرم (النظام) فلم تكن أي من الأطراف لديها العزم على تغيير بنيته، مجرد نقش ديكوري يليق على السلطة الجديدة، نقشة حرية تجمل القوى الليبرالية، أو نقشة دينية تضفي قداسة على تنظيمات الإسلام السياسي، أو نقشة وطنية تحتوى قبضة النخبة العسكرية.

ولكن القضية الأساسية لهذه الورقة هي أن هذا النظام ليس معلقاً في الفراغ، والقوى التي يرتكز عليها ليست محصورة على قوى في الداخل المصري، بل موصولة بشبكة مصالح إقليمية/دولية، ضمن منظومة كاملة، تخدم مراكز نفوذ حتى الوصول إلى مركزها في الولايات المتحدة.

وبالتالي فالصراع من أجل تغيير الواقع يجب أن تكون أبعاده مفهومة، حتى يتسنى لمن يتصدر معركة بناء المستقبل أن يكتسب الوعي الكامل بأن النظام في مصر هو جزء من كل، يحتاج تغييره لتكتيك خاص واستراتيجية مؤثرة.

هناك من يرى أن الغرب نموذج للتقدم، وأن الالتحاق بالعصر يكون بالسير على خطاه، فالغرب ليس عدوًا أو خصمًا، ولا يتعدى أفق الصراع حدود السلطة، وإعادة ترتيب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فالواقع السياسي السلطوي يجب أن يتشكل على القالب الليبرالي الغربي، أما النمط الاجتماعي فليس فيه مشكلة تُذكر، فالملكية الخاصة خط أحمر، وتراكم الثروات حق، ووجود طبقة عليا تمتلك نصيب الأسد من الثروة المصرية مسألة عادية، بل ممكن أن تكون عرضًا طيبًا – ألا يتماثل هذا مع ما يجري في المجتمعات الغربية – أما الملكية العامة فهي أمر بليد، وتوزيع الثروة ما هو إلا توزيع الفقر. ومن الواضح أن هذا النمط الفكري بعيد كل البُعد عن رسالة هذه الورقة.

أما من يرى أن النظام في مصر ملحق بمنظومة أكبر تهيمن عليها قوى السيطرة الغربية بقيادة الولايات المتحدة، فهما في الحقيقة فريقين، الأول يرى المسألة من الزاوية الدينية، من حيث أن ما يجري هو جولة جديدة من الحرب المستمرة على الإسلام والمسلمين، بداية من الحملة الصليبية وحتى اللحظة الراهنة، وفي ذلك تبسيط مخل، لأن المسألة ليست كذلك.

أما الفريق الثاني – وهو الأقرب بدرجة – يرى المسألة من زاوية الصراع مع الغرب في إطار الحملة الاستعمارية، وأن الولايات المتحدة ماهي إلا وريث لبريطانيا وفرنسا، وأن المجد كان في خمسينات وستينات القرن الماضي، حين كنا نواجه الاستعمار ونقاومه، والخزي أننا لم نسير على نفس الدرب والمنوال، أما الشرف يكون باستدعاء روح المواجهة بمنهج الخمسينات والستينات، وفي ذلك تداخل مربك، حيث أن المسألة مختلفة عن ذلك.

بالنسبة للفريق الأول، فالخطوط العامة الممتدة من الهجمة الصليبية وحتى الغزو القائم على أرض الوطن العربي وثرواته لا تكفي لبناء تصور مستقبلي للمواجهة، فالتماثل ما بين مملكة بيت والمقدس وإسرائيل، كقاعدة ارتكاز لنقل المعركة على أرض الخصم، واستمرارية الغرب في حل مشاكله الداخلية على حساب الغير، غير كافيين بالمرة لفك ولو جزء من طلاسم الصراع أو احداثيات الواقع الاجتماعي/السياسي المرير الذي نحياه، فالتركيب الاجتماعي السياسي ذو القاعدة الإقطاعية للتهجم الصليبي مختلف تمامًا عن التركيب الاجتماعي السياسي ذو الطابع البرجوازي لقوى السيطرة الحالية، وطبيعة الصراع الحضاري الاستعماري في العصور الوسطى مختلف عن طبيعة الغزو الحضاري التفكيكي للعصر الحديث، إلى غيره من التفاصيل.

أما الفريق الثاني وإن اقترب خطوة، لكنه مازال بعيداً عن السير باتجاه المستقبل، على أساس مزاولة الحنين إلى ماضي مجيد – لا يخلو من أخطاء وخطايا -كان يحاول أهله وقادته بلوغ أحلامهم في تقرير مصيرهم باستقلالية، ومقاومة سيطرة الأجنبي على مستقبل الأمة، فمشكلة هذا الفريق أنه لم يتجاوز الماضي، فالمستقبل اختلف، ففي سبعينيات القرن الماضي – بعد انتهاء عقدي الخمسينيات والستينيات – جرى في قوى الغرب عمومًا والولايات المتحدة تحديدًا انقلاب جذري في معادلة القوى الداخلية، وتمت اعادة هيكلة للدولة ومؤسساتها خضوعًا لتداعيات ذاك الانقلاب، وهذا وإن لم يغير من طبيعة الغرب الامبريالية، قد غير في منظومته وأدواته، والأهم هو انعكاس هذا التغيير على بنية المجتمع والدولة في مصر بصفة خاصة والوطن العربي بصفة عامة، بمعنى أنه طالما دارت مصر في فلك التبعية للولايات المتحدة بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣م، فأدوات أمريكا إذا في السيطرة على المجتمع والدولة في هذا الوقت قد اختلفت عن أدواتها في الخمسينات والستينات، لماذا؟ لأن الولايات المتحدة ذاتها قد تغيرت جذرياً، ويترتب على ذلك أن اتباع أدوات ومنهج ١٩٥٢م-١٩٧٤م قد لا يكون فاعلًا.

مثال، في إحدى الندوات عن كتاب البيان القومي، كنت أتحدث عن أن خطوط الصراع الاجتماعي السياسي في مصر يجب أن تكون أفقية، ما بين ١٠٪‏ يزدهروا في ظل استمرارية النظام، وما بين ٩٠٪‏ يُفقروا ويُجرفوا في المقابل، وأنه يجب إحلال نظام اجتماعي سياسي جديد يعكس تيار بناء المجتمع في اتجاه الأغلبية (٩٠٪‏)، ومن هذا يُفهم أنه صراع وجودي ما بين أتضاد، حيث أن المصالح معاكسة، فقام رجل محترم بالرد أن في الناصرية لا يوجد صراع اجتماعي، بل توافق، توافق اجتماعي، والمشكلات الاجتماعية تحل بالتوافق لا الصراع.

هذا مثال على اتباع منهج (التوافق الاجتماعي) لحل مشكلة لم تكن أبداً موجودة في حقبة الناصرية، لماذا؟ لأن الطبقة أو القوى الاجتماعية التي تعبر عن الأقلية (١٠٪‏) المهيمنة على المجتمع والدولة بدأت في التكوين بعد حرب أكتوبر أصلًا، وأن تركيب هذه الطبقة فاسد ومفسد، بل مفقر ومجرف لأغلبية الشعب المصري، والأدهى أن ارتباطها عضوياً بالولايات المتحدة – وإسرائيل ذاتها – لا يفسح أي مجال للتوافق، ولكن يدفع باتجاه الصراع الوجودي، فالطبقة الاقطاعية قبل ثورة يوليو ١٩٥٢م كان تحتكم على الأراضي التي هي غير قابلة للنقل، فالجغرافيا ثابتة، أما الطبقة العليا القائمة فهي تعمل كخطوط أنابيب تنقل المال والكفاءات للخارج، وتجرف البلاد والبشر من عناصر التمدن والتحضر. هذا مثال على الاختلاف الجذري ما بين عصر وعصر، كل منهما له منهجه وأدواته.

على كل حال، إذا كان طرح هذه الورقة مبني على تسليط الضوء لوجود حقبتين للقوى الإمبريالية، تبدأ الحقبة الثانية من عقد السبعينيات وحتى الظرف التاريخي الراهن، يكون السؤال هو ماذا حدث؟ ما الذي جرى وأدى لهذا الانقلاب الهيكلي للدول الغربية، والتغيير الجذري في البنى الاجتماعية السياسية الغربية؟

الجملة المفتاح هي، أن النخب الغربية – أو الطبقات العليا في الغرب – قد عبئت قواها للحفاظ على مكانتها الحاكمة، ولإحكام قبضتها على الثروات.

على حافة الكساد العظيم في سنة ١٩٢٩م، كان الأغنى ١٪‏ في الولايات المتحدة يملكون أكثر من ٥٠٪‏ من الثروة الأمريكية، وبعد الحرب العالمية الثانية تقلص هذا النصيب لأقل من ٣٠٪‏، وبما أن الناتج القومي الأمريكي كان وقتذاك يمثل حوالي نصف الناتج العالمي، ومع نفوذ النخبة الأمريكية الطاغي على الدولة، معنى ذلك أن هذه النخبة كانت الأقوى في العالم، ولكن مع استمرار تناقص نصيب النخبة في أمريكا من الثروة لأقل من الربع (في منتصف السبعينات)، على الرغم من النمو الفعلي للاقتصاد الأمريكي، كانت النتيجة واضحة، هي أن النصيب الحقيقي لهذه النخبة من الثروة الأمريكية يقل، وبالتالي نفوذها النسبي يتقلص.

ولكن كي تكتمل الصورة وجب علينا المرور لما بعد منتصف السبعينيات، بعد تحول المنحنى باتجاه الصعود بداية من حتى عاد نصيب النخبة الأمريكية إلى ٣٠٪‏ من الثروة في بدايات عقد التسعينات، واستمر المنحنى في الصعود حتى تخطى نصيب النخبة في الولايات المتحدة ٤٠٪‏ من الثروة الأمريكية في ٢٠١٢م.

كي نفهم أسباب الانقلاب الذي تم في السبعينيات، علينا التدبر في تداعيات الكساد العظيم، والتي أدت لتقلص نصيب النخبة الأمريكية من الثروة، واضعاف نفوذها النسبي كطبقة حاكمة.

فبعد كارثة الكساد العظيم، بدأ المناخ العام الغربي عمومًا، والأمريكي خصوصًا، في التحول نحو تقييد الرأسمالية وتوجيهها، وتحديد هامش حركتها عبر سيطرة الدولة، كي تضبط الدولة الأسواق، وتنظم مسألة توجيه الدعم للقطاعات الاقتصادية المستهدفة، وكان هذا التوجه غرضه حماية الدولة والمجتمع الأمريكي من الأثار المدمرة لانفلات حركة رأس المال وتحرير السوق، وقد حدث ذلك عن طريق تدخل الدولة في التركيز على القضاء على البطالة، والعمل على التنمية الوطنية، وتقديم الخدمات للمواطنين، وبالتالي تطويع آليات السوق وحركة رأس المال لبلوغ هذه الأهداف، حتى في السياسات المالية والنقدية، كان خفض معدلات البطالة أولى من خفض معدلات التضخم، فحركة رأس المال تُطوع لخدمة أهداف اجتماعية سياسية لها الأولوية، من حيث اهتمام الدولة بوضع ضوابط للأجور والحرص على تقديم خدمات مدعمة في الصحة والتعليم، وقد كان هذا المنهج الكينزي (نسبة للاقتصادي الشهير ميرنارد كينيز)، هو الفكر الاقتصادي الحاكم لهذه الحقبة من تاريخ الولايات المتحدة والغرب.

ولكي نقترب من المناخ العام آنذاك، في عام ١٩٣٥م، وحين كان يوجه الرئيس الأمريكي فرانكلن ديلانو روزفلت خطابه السنوي للكونجرس قال: يجب أن ندرك أن تراكم الثروة الناتج عن الأرباح الهائلة يخلف نفوذًا خاصًا غير حميد، يكفي أن نتخيل الفارق الهائل بين هذا الخطاب وخطاب بوش الابن أو ريجان مثلًا، لنجد الفارق الهائل، مع الأخذ في الاعتبار أن الخطاب النيوليبرالي المهيمن على الخطاب السياسي الاقتصادي الأمريكي كان مجرد فصيل صغير في الحزب الجمهوري حين كان يتبناه باري جولدمان في الستينات.

فديناميك هذه الحقبة قد أدى إلى تقليص نصيب نخبة الـ١٪‏ الأمريكية من الثروة وإضعاف نفوذها في مقابل مكتسبات سياسية اجتماعية للكتل الأكبر من المجتمع الأمريكي، مما دق ناقوس الخطر لدى النخبة واستدعاها للحركة.

والكلام واضح في مذكرة لويس باول الشهيرة في أغسطس ١٩٧١م، وقبل أن يتولى منصبه في المحكمة العليا، حين قال: الانتقاد ومعارضة حرية نظام رأس المال الأمريكي قد ذهبا بعيداً، والوقت قد حان، بل وتأخر، لتعبئة موارد وذكاء وحكمة القطاع الخاص الأمريكي ضد من يحاولون تدميرهم.

هذه هي الروح التي كانت سائدة لدي النخبة الأمريكية، وهي الانقلاب على الحقبة الكينزية وتصفيتها، كي تستعيد سيطرتها على الثروات وتمسك بزمام الحكم كطبقة حاكمة.

ولكن كيف؟

بثلاث وسائل، الأزمة، الأيديولوجيا، تغيير المنظومة.

الأزمة كانت هي نقطة الانطلاق، وفي عالم الرأسمالية، وعالم الاجتماع السياسي بشكل عام، تكون الأزمة هي سبيل إعادة التمركز، حيث أن خلخلة الأوضاع تسمح بإعادة رسم خطوط الصراع وتعديل حدود الحركة.

ففي السبعينات كانت الأزمات الاقتصادية، ارتفاع في معدلات البطالة، تباطؤ في النمو، التضخم، أزمة النفط، ومن هنا كان المدخل.

وكانت بنية الدولة الأمريكية هي الهدف الأول، حيث أنها كانت مثقلة بتكاليف حرب فيتنام، وكانت محاصرة بمنافسة اليابان وأوروبا (بالمحرك الألماني)، فالسفينة الأمريكية لم تعد قادرة على الإبحار بنفس الرشاقة؛ مما جعلها تفقد قدرتها على الاستمرار بلعب دور المركز الاقتصادي/المالي، وبالتالي كان الضغط باتجاه تفكيك منظومة بريتون وودز (ربط الدولار بالذهب كغطاء نقدي)، وبالتالي فك القيود على حركة رأس المال.

وبعد الأزمة تأتي أهمية الأيديولوجيا، وللأيديولوجيا عنوان واحد، النيوليبرالية.

حقيقة النيوليبرالية أنها وسيلة لإعادة توزيع الثروة والإنتاج، وليس تنمية الثروة والانتاج، إعادة توزيع الثروة على أساس طبقي، بضخ الثروات لأعلى في اتجاه النخبة – وما يترتب عليها من تقوية نفوذها كطبقة حاكمة – في مقابل تفكيك مكتسبات الكتل الاجتماعية الهائلة وبالتالي إضعافها، وإعادة توزيع الثروة على أساس جغرافي – للمناطق الأقل كلفة – لتعظيم المكاسب.

فالنيوليبرالية ليست وسيلة لتنمية الثروة والإنتاج لأن النمو العالمي في الستينيات كان ٣،٥٪‏، وفي السبعينيات – بأزماتها الاقتصادية – كان يدور حول ٢،٤٪‏، أما في الثمانينيات وبعد استقرار النيوليبرالية كان النمو العالمي ١،٤٪‏ فقط، ثم يقل لـ١،١٪‏ في عقد التسعينيات، وبالكاد يلمس حاجز الـ١٪‏ في العقد الأول من الألفية الجديدة.

فكل المؤشرات تؤكد على أن النيوليبرالية سلاح في يد دوائر نخبوية موصولة بالمركز في الولايات المتحدة، لإعادة توزيع الثروات لصالحها، وتقوية هيمنتها الحاكمة.

ولكن أية منظومة مستغلة لا يمكن أن تكشف عن وجهها المجرد، لابد من قناع يجمل الصورة، ويغازل وعي المُستَغَل، هذا القناع كان أيديولوجيا ذات نظرة فلسفية كالنيوليبرالية، تضع الفرد قبل المجموع، ومؤسسات الفرد والملكية الخاصة مكان المؤسسات العامة والملكية العامة.

وتقوم أيديولوجيا النيوليبرالية على أساس نظرية سياسية اقتصادية تؤكد أن الصالح العام يتحقق بتحرير الممارسات الاقتصادية للفرد ضمن نظام عام يحصن الملكية الخاصة والسوق الحر والتجارة الحرة، ودور الدولة يكون بصيانة الملكية الخاصة وحماية حرية التجارة وتحرير الأسواق، وبهذا يكون القانون والقضاء والجيش والشرطة عمليًا في خدمة منظومة تصب في صالح نخبة اجتماعية.

لا داعي للتوغل عميقاً في الرحلة الأيديولوجية للنيوليبرالية، من تأسيس مجتمع مونت بيليرين على يد فريدريك هايك (الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٧٤م) وميلتون فريدمان (الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٧٦م) وجورج ستيجلر (الفائز بنوبل في الاقتصاد ١٩٨٢م) وكارل بوبر ولودفيج فون ميسيس، إلى مجموعة شيكاغو (برنامج تدريب واعداد اقتصاديين ذوي التوجه النيوليبرالي)، حتى تمت الهيمنة الأيديولوجية للنيوليبرالية على مفاصل المؤسسات الاقتصادية الدولية ودوائر صناعة القرار الاقتصادي لمعظم دول العالم، وأغلب مؤسسات الإعلام والتعليم والفكر في هذه الدول.

ولكن من المهم التعرض لتاريخ المنظومة، منظومة النيوليبرالية، أو بالأحرى منظومة استعادة النخب للثروة والهيمنة كطبقة حاكمة.

إن ميزان القوى نسبي، فإذا كانت قوى النخبة ترغب في استعادة هيمنتها على الثروة والحكم، وجب عليها إضعاف القوى الشعبية المضادة وتفكيك مكتسباتها، فاستعادة النُخب الأمريكية للثروة والنفوذ جاء على حساب شعبها أولًا (ثم شعوب العالم).

حتى وإن تغير تركيب النخبة بعناصر جديدة وافدة حملتها قطاعات جديدة صاعدة.

فالنيوليبرالية حُملت على أكتاف القطاع المالي، ومنها إلى الإعلام والتكنولوجيا، وقد أثر ذلك على بنية الاقتصاد العالمي، فبعد أن كان ٩٠٪‏ من الاقتصاد العالمي قائم على الانتاج في عام ١٩٧٠م، مقابل ١٠٪‏ فقط لقطاع المضاربة، انقلب الوضع للعكس في عام ١٩٩٠م لتمثل المضاربة ٩٠٪‏ من الاقتصاد العالمي مقابل ١٠٪‏ للاقتصاد الانتاجي، ثم تقلص الاقتصاد الإنتاجي إلى ٢،٥٪‏ فقط عام ١٩٩٧م، وأخيرًا في عام ٢٠١١م وصل إلى ٠،٦٪‏ فقط من الاقتصاد العالمي، مقابل ٩٩،٤٪‏ لاقتصاد المضاربة.

وإذا كان النظام الاقتصادي العالمي يقوم على محركين رئيسيين (الولايات المتحدة والصين) ويرتكز على الدول الصناعية السبع + الصين، فمنذ بداية السبعينيات ولعقد كامل (مدى الانقلاب) بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية أولى ارهاصات منظومة النيوليبرالية، بتفكيك منظومة بريتون وودز وتحرير أسعار العملات في مارس ١٩٧٣م (بعد أن فككه نيكسون بقراره في أغسطس ١٩٧١م.

ولم تكن صدفة أن في سنة ١٩٧٦م، اتخذت المحكمة العليا الأمريكية حزمة قرارات أعطت الحق لشركات القطاع الخاص بالتبرع دون سقف أو حد للأحزاب السياسية، وفي هذا القرار نقلة نوعية لمركز التأثير السياسي في اتجاه القطاع الخاص ودوائر رأس المال، أي النخب الأمريكية.

واستمر مسلسل الانقلاب، أو سيناريو التغيير البنيوي للمنظومة الاقتصادية والتعديل الجذري لهيكل الدولة الأمريكية، بترأس بول فولكر للاحتياطي الفيدرالي في يوليو ١٩٧٩م، الذي انقلب على “كينزية” العهد الجديد(New Deal) التي كانت تطوع السياسات النقدية للقضاء على البطالة، بإحلال سياسات خفض معدلات التضخم أياً كان التأثير على معدلات البطالة (ما سمي صدمة فولكر).

وفي هذا التوجه بُعد سياسي اجتماعي يصب لمصلحة النخب، فرفع سعر الفائدة لحد الصدمة أفرزت موجة كساد أفرغت بدورها المصانع، وانكسرت شوكة النقابات العمالية، فمع إضعاف الخصم (الشعب) تسهل عملية إعادة الهيكلة وإطلاق المنظومة الجديدة.

ولن تتوطد أركان المنظومة النيوليبرالية بالسياسات النقدية فقط، ولكنها توطدت بانتخاب رونالد ريجان في عام ١٩٨٠م، وبعد سياساته الاقتصادية التي أطلقت يد الشركات الأمريكية على كل القطاعات، وفتحت لها أبواب الأسواق بلا ضابط.

لم يكن ريجان هو الذي قوى شوكة النُخب وكفى، فإلى جانب تخفيضه الضرائب على الأثرياء والشركات، ومع تحريره لنفوذ دوائر رأس المال، قد قوض النقابات العمالية واتبع سياسات تنتقص من قوتها (وقوة من تمثلها).

وكون مركز النيوليبرالية هو الولايات المتحدة، هذا يعني أن تأثيرها على العالم الغربي حتمي، فهي قائد هذا العالم، وأول المتأثرين كانت بريطانيا، فأضعف مناعة في العالم الغربي ضد الولايات المتحدة يمكن اعتبارها بريطانيا، بنظرتها التاريخية وظنون الروابط الأنجلوساكسونية.

وفي هذا السياق ظهرت مارجريت تاتشر، التي رسخت النيوليبرالية في بريطانيا، وحاولت أن تعيد هيكلة مؤسسات الدولة على القالب النيوليبرالي، وقد نجحت في تكسير عظام النقابات العمالية، وتشتيت قوى التجمعات العامة، إلا أنها لم تفلح في سحب الدولة بالكامل من التدخل في دعم التعليم والصحة.

وإذا كان المواطن الأمريكي قد سقط فريسة للانقلاب النيوليبرالي المكتوم كي تستعيد النُخب الأمريكية ثرواتها ونفوذها الحاكم، لا يحجب هذا البُعد الإمبريالي لأشرس منظومة استغلالية عرفها العصر الحديث، النيوليبرالية.

فالنُخب الأمريكية تحديدًا والغربية عمومًا قد استعادوا هيمنتهم بالسيطرة على موارد شعوب العالم ومقدراتهم.

والنيوليبرالية مازالت سلاحًا إمبرياليًا يعتمد في الأساس على القوة العسكرية لانتزاع ثروات الشعوب والسيطرة على مقدراتهم، حتى لو كان التلاعب بوعي هذه الشعوب وغسيل دماغهم بترهات أيديولوجية تجمل وجهها الاستغلالي.

ألا نتذكر قرارات بول بريمر في ١٩ سبتمبر ٢٠٠٣م، بعد أربعة أشهر فقط من تعيينه حاكماً للعراق (٦ مايو ٢٠٠٣م)، وبعد ٥ أشهر من سقوط بغداد (٩ إبريل ٢٠٠٣م)، هذه القرارات التي أعلنها وزير المالية العراقي آنذاك كامل الغالياني، والتي فتحت العراق للبيع، (خصخصة المؤسسات العامة، الحق الكامل للمؤسسات الأجنبية للعمل في العراق والحق الكامل في نقل الأرباح للخارج، فتح الباب لتملك المؤسسات الأجنبية لأي قطاع عراقي باستثناء قطاع النفط، والقضاء لأي حواجز أو معوقات للتجارة الحرة).

وإذا تدبرنا في مضمون هذه القرارات سنجد أنها هي روشتة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فغاية هاتين المؤسستين هي تأمين نفاذ الشركات الغربية الكبرى للموارد في أي دولة، وضمان عدم اتخاذ أي دولة لإجراءات حمائية تحول دون فتح أسواقها أمام تصريف فوائض الانتاج للمؤسسات الكبرى، والحرص دخول الدول في دوامة الاقتراض من بيوت المال النافذة.

فصندوق النقد الدولي والبنك الدولي هما أهم أدوات المنظومة النيوليبرالية، فبعد أن كادت إدارة ريجان سحب دعمها لصندوق النقد في أول عام لها، وجدت الادارة بعد ذلك وسيلة لربط سياسات هاتين المؤسستين بالنيوليبرالية، وفي عام ١٩٨٢م قد تم تصفية أي أثر للـكينزية في هاتين المؤسستين.

فالجوهر الإمبريالي للنيوليبرالية ظهر في كل بقعة تضع بصمتها عليها، في تشيلي مثلًا، وفي سبتمبر ١٩٧٣م، دعمت الولايات المتحدة انقلابًا عسكريًا للجنرال بينوشيه على سلطة السلفادور الليندي المنتخبة، والذي أعقبه فورًا مفاوضات للاقتراض من صندوق النقد الدولي، بالتوازي مع صب مؤسسات الدولة في القالب النيوليبرالي (الخصخصة للمؤسسات العامة، السماح للمؤسسات الأجنبية بالنفاذ للموارد، السماح للمؤسسات الأجنبية بالاستحواذ على أي قطاع من القطاعات الاقتصادية باستثناء قطاع النحاس – على غرار قطاع النفط في العراق).

ولأنه ليست للولايات المتحدة القدرة على التدخل عسكرياً في كل بقاع الأرض، وكونها لا تستطيع غزو كل دولة تتمرد على الخضوع للاستغلال والتبعية، يأتي دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المحوري في بلوغ نفس الأهداف الإمبريالية دون ضرب رصاصة واحدة (فتح الأسواق، والسماح للمؤسسات الأجنبية بالنفاذ للموارد، والدخول في دوامة الاقتراض).

أما مسألة دوامة الاقتراض والاستدانة، المعادلة النيوليبرالية غاية في البساطة، فبدلاً من أن تتحمل دوائر المال الأمريكية كلفة خطأ الاقراض (القرض لمن لا يستطيع السداد)، يتحمله الشعب المقترض في المقابل، وبالتالي يدخل الشعب المقترض في دوامة من الاعتصار لسداد الدين وخدمات الدين (رفع الدعم، بيع المؤسسات العامة، فتح الأسواق وهكذا..)

فبعد تفكيك بريتون وودز، وفك القيود عن حركة رأس المال، كان لابد من اقراض هذه الأموال، وشعوب العالم الثالث كانت هي الضحية، ومن هنا جرى عملية نزوح هائلة لرأس المال من الولايات المتحدة والمراكز المالية الغربية إلى معظم دول العالم – عبر نُخب هذه الدول – ثم بعد ذلك جرى العكس الحركة في الاتجاه المعاكس، عادت كتل رأس المال محملة بمكاسب ضخمة (قدرتها بعد الدراسات بـ٤،٦ تريليون دولار تم ضخها لمراكز الدين منذ عام ١٩٨٠م).

فالمعادلة يمكن تبسيطها بأن فقراء الدول المقرضة تدعم قروض الدول المقترضة، ثم يعود فقراء الدول المقترضة لرد القروض ودعم نُخب الدول المقرضة (بالفوائد وخدمات الدين).

فالمنظومة النيوليبرالية سمتها الرئيسية هي الاستغلال، استغلال كل شيء، ليست فقط الموارد، بل الإنسان والتاريخ والثقافة والدين، كله خاضع للاستغلال المادي.

ومن هنا ننطلق نحو النظام في مصر، فهذا النظام ليس معلقاً في الهواء، بل هو جزء من منظومة أكبر، وترس في ماكينة شبكة مصالح إقليمية/دولية أوسع.

فالمنظومة النيوليبرالية لابد لها من رؤوس جسور تعبر من خلالها للموارد والثروات، ولابد لها من وكلاء يديروا مصالحها في بلدانهم.

من الضروري وجود سلطة تمضي على تأشيرات الاقتراض، ومن المهم قيام ضابط لحركة الأسواق لصالح الأجنبي، والأهم وجود قبضة حديدية تسحق أي تمرد من الشعب على المنظومة التي تستغله وتفقره.

كل ذلك وُجد في نظام اجتماعي سياسي بدأ إنشائه بعد حرب أكتوبر٧٣، وشهادة ميلاده كانت في مارس ١٩٧٤م.

هو نظام اجتماعي سياسي وليس نظام حكم، أي النظام الاجتماعي وأثره وتأثيره على المجال العام، فهذا النظام الاجتماعي السياسي أعيدت هيكلة الدولة ومؤسساتها طبقاً لحركته، وأديرت هذه الدولة بنظام حكم يؤمن بقاء المنظومة الكلية.

ولأنه نظام اجتماعي سياسي، فهو قائم في الأساس على قوى اجتماعية، لا تتعدى ١٠٪‏ من شعب مصر، تحتل قمة الهرم الاجتماعي، وتملك كل أدوات الهيمنة والتأثير على الدولة والمجتمع، فهي تستحوذ على ثلاثة أرباع الثروة، وتسيطر على وسائل الانتاج والاعلام والوظائف الادارية الحاكمة الخ…، فالدولة المصرية إذاً هي دولة النخبة، وكان هذا أهم تغيير جذري هيكلي في بنية الدولة، بتحويلها من دولة للشعب – على أساس أن دولة يوليو كانت تعمل لصالح عموم الجماهير ولكنها لم تكن ترقى لتكون دولة الشعب حيث أن الشعب لم يكن قراره السياسي في يده – إلى دولة النخبة، وإذا كانت هذه النخبة مصالحها موصولة بالمصالح الأمريكية – بل هي جزء عضوي من شبكة مصالح إقليمية/دولية مرتبطة بشكل مباشر مع إسرائيل وأمريكا – مما أمكن إلحاق مصر بالمنظومة النيوليبرالية (منظومة تأمين مصالح النخب الأمريكية/الغربية).

فالثروات ووسائل الانتاج التي كانت تحت سيطرة الشعب عن طريق الملكية العامة (القطاع العام) – وهو إحدى أهم مكتسبات ثورة يوليو – قد جرى تفكيكها ونقلها تحت حيازة الطبقة الجديدة أو النخبة المصرية ومن خلالها للمؤسسات الأجنبية.

هذه النخبة كانت الثغرات التي نفذت منها المؤسسات الأجنبية للسيطرة على موارد الدولة، ودون السلطة لما دخلت مصر في دوامة الاستدانة، فمثلاً، صندوق النقد الدولي لن يعمل إلا بمساعدة من الداخل، وبتأشيرة من السلطة.

ومن المهم توضيح بأن المصطلح الدارج طبقة رجال الأعمال الذي يُستعمل للإشارة لهذه النخبة هو مصطلح مضلل، لأنه أولًا رجال الأعمال هم فئة وليسوا طبقة، والأهم هو أن تركيب النخبة لا يقتصر على رجال الأعمال، فكل مجال (قضائي، فني، رياضي، ديني، قانوني الخ…) في داخله نفس التكوين الهرمي من نخبة أقلية لها نصيب الأسد من الثمار وقواعد عريضة لها الفتات، وبالتالي تركيب النخبة الكلي (١٠٪‏) مكون من نخبة فنية ونخبة قضائية ونخبة رياضية ونخبة دينية وهكذا.

وبالنظر للجهة المقابلة من المعادلة، سنجد أن الـ٩٠٪‏ من الشعب يحتكموا على ربع (٢٥٪‏) من ثروات مصر فقط.

فهذا النظام هو جزء من منظومة إفقار جهنمية للشعب، وإثراء مجنون للنخبة، وكأنه أبارتايد طبقي، فهما مجتمعين في الواقع لا مجتمع واحد.

ودور الدولة هو صيانة هذه المنظومة، والقانون والجهاز الإداري مسخرين للحفاظ على كيان هذه الدولة (دولة النخبة).

ولكن كيف يمكن لهذه المنظومة المستغلة أن تعمل؟ الإجابة سهلة، عبر التلاعب بالوعي، واستخدام القوة.

الوعي هو سلاح الشعب لهدم منظومة افقاره واستغلاله، فبالوعي سيدرك حقيقة هذا النظام المستغل، وبالوعي سيعرف مدى قوته وقدرته على اقتلاعه، وبتالي وعي الشعب هو ميدان هذا النظام وهدف قواه.

كي يؤمن هذا النظام الاجتماعي السياسي استمراره، ولتطمئن قوى النظام (نخبة الـ١٠٪‏) على سلطانها، لابد من التلاعب بوعي الجماهير، وغسيل دماغهم حتى يتجردوا عن وعيهم بالحقائق، أنه نظام نخبوي يعمل لصالح نخبة على حساب إفقار عموم الشعب، وأن هذا النظام ملحق بمنظومة نيوليبرالية مستغلة.

والسؤال المهم هو من يملك أدوات تشكيل الوعي؟

الإجابة الصريحة أنها قوى النخبة، بكل فصائلها، فالنخبة السياسية تحكم قبضتها على الخطاب السياسي (حكومة ومعارضة) بشد وجذب داخل إطار النيوليبرالية، الحكومة تضغط في اتجاه الحريات الاقتصادية والمعارضة تتغنى بالحريات السياسية.

والخطاب الديني ما هو إلا دعامة للنظام الاجتماعي السياسي، كونه خطاب مائع لا يمس مفاصل الواقع، يعمل كالبلسم البارد على واقع متخلف بدلاً من أن يكون وقود لإصلاحه، وكالمسكن لآلام أحوال فاسدة بدلاً من أن يكون نار ثورة إصلاحها. خطاب ديني لا يرد على التساؤلات الكبرى، ما السبيل أمام الاستبداد بالثروة والسلطة؟ ما الحل في ظل هذا الظلم الاجتماعي القاهر؟ كيف نواجه طواحين الفساد السياسي والتفكك الاجتماعي؟ كيف نفتك زمام مستقبلنا من التبعية للعدو؟ ما العمل في انتهاك الأرض والدم والمقدسات؟

أما القطاع الخاص فلديه النفوذ المباشر على كافة أدوات تشكيل الوعي، من مؤسسات إعلامية إلى الإنتاج الفني والثقافي حتى المؤسسات التعليمية.

وكأن النيوليبرالية ابتلعت كل ما يخاطب وعي الجماهير، حيث أن دعاتها في الجامعات والإعلام، وفي مراكز الدراسات والشركات الكبرى، بل وحتى المراكز حيوية في السلطة.

والهدف واضح ومحدد، وهو أن يترسخ في وعي الناس أن النظام الاجتماعي السياسي لا بديل عنه، وكأنه قانون طبيعي، من البديهي أن يكون هو نظام العصر، حيث أن العالم كله يسير في هذا الاتجاه (وهذا غير صحيح)، وأنه من المنطقي ألا نسير عكس التيار.

فالتبعية تسمى عولمة، والنيوليبرالية يُطلق عليها الاقتصاد الحر، والملكية العامة تخلف، ورفع الدعم هو سبيل النهضة، حيث أن تدخل الدولة هو سبب كل الأزمات.

أو أن السلطة تمثل الوطن (أو الدين)، وأن دعم النظام هو من صميم الوطنية، وأن دولة النخبة ومؤسساتها هي الدولة الوطنية التي تمثل الشعب، ولهذا لا نستغرب أنه حين حكم مصر من كان يدعي أنه يمثل الدين، كان قد دخل جولات تفاوض مع صندوق النقد الدولي حول قرض، ثم مضى من حكم بعده بالموافقة وكان يرفع راية تمثيله للوطن والوطنية.

القصد من وراء عملية غسيل الدماغ هذه يكون بترسيخ مفهوم أن هذا النظام هو القانون الطبيعي، وبالتالي يُنقل الحديث من مستوى بنية النظام إلى مستوى تفاصيل حركته اليومية.

بمعنى أن ينقل الحديث من مستوى تحقيق هذا النظام الاستقلال الوطني من عدمه، أو آثار هذا النظام على المجتمع، أو تأثير النظام على بنية الدولة، أو مدى قدرة مثل ذلك نظام على الامساك بزمام المستقبل، إلى مستوى إصلاح شبكة الطرق أو المجاري، أو ثمن تذكرة المترو، أو سعر السلع الاستهلاكية وهكذا.

وقد نجحت عملية غسيل الدماغ هذه بشكل مبهر، فالجماهير تنظر من خلال منظور النظام على الأحوال العامة، حتى لو كان أنينها من آثار هذا النظام يخلع القلوب، فحين يقول المسؤول أو الإعلامي أن منحنى الاستثمار الأجنبي المباشر في تصاعد، يمر على أنه نجاحاً، دون التطرق للتداعيات الاجتماعية والسياسية هل هي بالإيجاب أم السلب، أو مثلا حين يتحدث المسؤول عن معدلات التنمية، وأن معدل النمو زاد بنسبة كذا، دون أن يذكر قطاعات التي مستها التنمية أو انعكاساتها على التوازن الطبقي، وبالتالي قد تم تركيز الوعي على الاجراءات الاقتصادية (مع إنها وسائل) ولفت النظر عن آثارها على المجتمع (وهو الغاية والهدف من وراء السياسة والاقتصاد).

ولقد تجلت آثار عملية تجريف الوعي العام وغسيل دماغ الجماهير في ٢٥ يناير ٢٠١١م وما جرى بعدها، فالشباب لم يطالب بالوحدة العربية أو بسيطرة الجماهير على مواردها أو بنموذج اجتماعي سياسي جديد، بل طالب الشباب تعديل حركة نفس النظام ورفع كفاءته، بالقضاء الفساد الذي استشرى والاحتجاج على تعديات الشرطة أو المطالبة بانتخابات نزيهة، وهذا كله لا علاقة له بالثورة، بل سعي لتكملة النموذج الغربي، لأن الثورة أكبر وأعمق من ذلك.

ولكن ماذا لو لم يتأثر وعي الناس؟ أو ماذا لو قطعت سكاكين الاستغلال أوصال صبر الناس؟

هنا تتدخل القوة، وتظهر القبضة الحديدية لقطاع الأمن، القطاع الوحيد الذي لم يتفكك في دولة النخبة، وإذا تفكك سرعان ما تكون الأولوية لبنائه في صورة أقوى وبأقصى سرعة، على عكس قطاع الأعمال العامة (القطاع العام) الذي تُرك لذئاب القطاع الخاص والمؤسسات الأجنبية لتفترسه، أو قطاعي التعليم والصحة اللذان تُركا لعفن الاهمال، أو قطاع الإعلام الذي نُقل لحيازة القطاع الخاص مع الإسكان والصناعة إلخ…..

حيث أن الأمن هو من أهم أركان دولة النخبة (أو دولة النيوليبرالية) لأنه حائط الصد الأخير في مواجهة أي تمرد أو احتجاج، وبسبب استحالة نقل مهمة الأمن ليد النخبة مباشرة، لأن ذلك إعلان صريح لحرب أهلية على أساس طبقي، فالاختباء وراء قناع الدولة الوطنية، وظهور الأمن بصورة حيادية لتطبيق القانون وحفظ النظام العام هو السبيل الوحيد في استخدام القوة.

مع إن الحقيقة والواقع يكذبان ذلك، فالسلطة تقوم بدور المنظم فعلاً، ولكن لصعود الثروة في اتجاه النخبة، فالسلطة أداة في يد النخبة الاجتماعية ودرع يحميها من شر الأغلبية الشعبية.

واستخدام القوة حتمي، لأنه مهما كانت شعارات النظام براقة، فالاستغلال والإفقار من سماته الرئيسة، والتبعية لقوى السيطرة الغربية سببه الوجودي، ومسكنات غسيل الدماغ والتلاعب بالوعي لن يمحوا حقيقة التجريف والافقار، ولذلك فالغضب الشعبي متوقع، وهبات الاحتجاج بديهية.

وفي الأخير يتسق النظام في مصر (النظام الاجتماعي السياسي) مع المنظومة الأم (النيوليبرالية) في تأثيره وآثاره على مصر الدولة والمجتمع – وعلى الوطن العربي بل وعلى المجتمع الإنساني.

من حيث البنية الطبقية، انقسم المجتمع المصري لطبقتين، أقلية ساحقة تملك ثلاثة أرباع الثروة وأغلبية مسحوقة تتحصل على الربع المتبقي منها، مع محو للطبقة الوسطى (منبع الحيوية وحافظة القيم).

أما من حيث بنية المجتمع، فالتجريف هو الأثر الأخطر، تجريف عميق للفرد، لوعيه وثقافته وعلمه، لإبداعه وطاقاته، وتفكيك مخيف للمجتمع ومنظومة قيمه العربية الإسلامية، وإحلال منظومة قيم مادية محلها، لتستبدل المادة مكان القيمة، وتصبح المادة هي مركز الحركة.

والمجتمع المادي مثل السوق، علاقاته تعاقدية تحكمها المنفعة المادية، فالمادة هي المركز والمنفعة هي الغاية، وتبرز الفردية في أشرس صورها، فالفرد يدور حول نفسه ولصالح منفعته (المادية)، أما المجتمع الجماعي التعاوني فقد تم دفنه، هذا المجتمع التراحمي الذي تكون القيمة فيه هي الأساس، وتُطوع المادة من أجل تحقيق مُثل عليا، يضحي فيها الفرد بمصلحته لصالح مصلحة المجموع.

ولذلك نشهد قمة البؤس، حين هيمنت المنفعة المادية على كافة جوانب الحياة، وتحول الربح إلى غاية كل الغايات، وخضع كل من الإنسان والثقافة والهوية القومية والدين والتاريخ والبيئة لمنظومة نيوليبرالية شرسة تحت إدارة نظام مفسد، وتحولوا لسلع تُباع وتُشترى، في سوق كبير اسمه الدولة (دولة النخبة تحديداً).

من الزاوية الوطنية، نالت المنظومة النيوليبرالية من الاستقلال الوطني، عبر نظام اجتماعي سياسي لم يصلح إلا للتبعية وفتح أبواب الاستغلال، فنفذت المؤسسات الأجنبية لموارد وثروات البلد، وأفقرت الشعب إلا نخبة أقلية على القمة.

وبالنسبة للتخطيط لإدارة موارد الدولة، التي تخص من يمثل الشعب، أصبحت إما في يد القطاع الخاص الذي يسيطر بصورة مباشرة على قطاعات معينة، أو في يد من يعمل بتوصية من المؤسسات الدولية والتي في النهاية تخدم مصالح القطاع الخاص، فمستقبل الشعب رُهن لصالح مصلحة النخب الغربية ووكيلها في مصر (النخبة المصرية).

وتلاشت الأحلام التقدمية الإنتاجية، وتم التراجع عن الخطوات التي سارت نحو هذا الاتجاه في الخمسينيات والستينيات، وتم تفكيك كل هذه المكتسبات لصالح التحول لثقب استهلاكي أسود، فلا صناعة محركات الطائرات أو إنتاج السيارات مطلوبان في النظام الجديد لأنه لا يرضي منظومة النهب والاستغلال النيوليبرالية، فالمطلوب هو استهلاكنا لإنتاجهم، والأهم من ذلك كله، هو أن لا نسعى لامتلاك المعرفة التي تؤهلنا للإمساك بزمام مستقبلنا، المطلوب فقط قدر معين من المعرفة يؤهلنا لاستهلاك ما ينتجه الغرب وحلفائه، فهم لا يريدوننا جهلاء بالكمال وإلا لن نستهلك الجهاز اللوحي أو السيارة الحديثة، ولكن المعرفة بقدر الاستهلاك، لا المعرفة التي تؤهلنا للإنتاج والمنافسة، والأخطر هو المعرفة التي تهيئ لنا تشكيل نمطنا الاستهلاكي بما يناسب مواردنا وتخطيطنا للمستقبل.

وفي الجغرافية السياسية أصبحت مصر مفعول به – مع هامش لبعض المناورات التكتيكية – استراتيجيتها رهينة للمنظومة الاقليمية التي ترتكز على إسرائيل والملحقة بالاستراتيجية الأمريكية للهيمنة على العالم، والسؤال الأساسي هو كيف يمكن لدولة فقيرة نسبيًا، تستهلك أكثر مما تنتج، وقعت في فخ دوامة الاستدانة، وشعبها يُجرف ويُفقر، أن تكون قادرة على صياغة استراتيجية خاصة للمستقبل تنبع من ذاتها وتتسق مع حركة تاريخها؟

والإجابة هي أنه لا يمكن بأية حال من الأحوال أن يتم ذلك، لا يمكن مثلًا أن ترفع مصر راية المشروع الوحدوي العربي، الذي يتعارض مع السبب الوجودي لإسرائيل، أو تخوض مصر مثلاً معركة سيطرتها على مواردها كي تشفى من مرض الاستهلاك وتعتمد الاقتصاد الإنتاجي، فهذا وذاك – وغيرهما – يقتلعان النظام من أساسه، ويضربوا شبكة المصالح الاقليمية/الدولية بقسوة.

ومع اجتناب المعارك الكبرى، تبقى المعارك الصغيرة، مثل حبس مسؤول كبير بتهمة الرشوة، أو افتتاح كوبري علوى، أو بناء وحدة صحية في هذه القرية، فحتى الزلزال السياسي التي مرت به مصر من يناير ٢٠١١م حتى يونيو ٢٠١٤م – حتى استقرار الأحوال السياسية بشكل ما – لم يكن في جوهره صراع ما بين مشاريع وطنية أو مذاهب اجتماعية سياسية مختلفة، على أساس أن المعركة كانت على السلطة وفقط، فمن تفاوض مع صندوق النقد جاء من يليه كي يبرم الاتفاق على القرض، ومن أكد على صداقة إسرائيل جاء من يليه كي يثبت أنه الأوفى، ثم يليه كي يؤكد أنه الأصدق.

ومن هنا يأتي السؤال، ما مقاصد هذه الورقة؟

المقصد الأول هو بلورة وعي من يهدف لتغيير الواقع الاجتماعي والسياسي بشكل جذري، هذا الذي يسعى للتغيير الحقيقي.

المقصد الثاني هو الإدراك بأن النظام – وهو النظام الاجتماعي السياسي وليس نظام الحكم – هو جزء من منظومة أكبر، يقع في مركزها النخب الغربية والأمريكية تحديداً، بمعنى أن الأخطبوط الأمريكي وإن كان عقله في نيويورك ولسانه في واشنطن العاصمة فأذرعه في مصر، إن قُطع ذراع خرج مكانه ذراعين أو ثلاثة.

المقصد الثالث هو معرفة أن الأنظمة تفرضها القوى القادرة حتى وإن كانت أنظمة فاسدة ومستغلة، فالمسألة ليست بالبراءة – أو السذاجة – أن الانظمة تترسخ لأنها الأكثر عدلًا أو الأعلى كفاءة، بل لأنها تخدم مصالح الأقوى نفوذًا.

وبعد أن اتضحت الصورة بشكل أوضح – وتعقدت معادلة القوى – يبقى أخيراً التطرق لمسألة امكانية تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي، هل هي ممكنة؟

نعم ممكنة، فالفيلسوف الاسكتلندي الشهير ديفيد هيوم له مقولة خالدة أن القوة الحقيقية في يد الشعب، الشعب أقوى من النخبة، والشعب أعتى من النظام (الاجتماعي السياسي)، والشعب قادر على كسر يد النخب الأمريكية/الغربية عن استغلاله وافقاره.

ولكن المسألة ليست بالشعارات او الاحتجاج، لأنه لا يفل الحديد إلا الحديد، وإذا كان الواقع الاجتماعي السياسي فرضته قوى في الداخل والخارج، قوى لها المصلحة في استمرار هذا الواقع، فالتغيير الجذري لن يتم إلا بقوى منظمة يكون لها المصلحة في ذلك التغيير.

وبالتالي إذا كان النظام الاجتماعي السياسي القائم – ومنذ ١٩٧٤م – يرتكز على نخبة الهرم الاجتماعي لا تتعدى ١٠٪‏ من المجتمع المصري، تزدهر هذه النخبة في ظل استمرار حركة النظام، إذاً، على قوى الشعب (٩٠٪‏) المسحوقة أن تبني نظامًا تزدهر في ظله، بدلًا عن النظام القائم الذي يفقرها ويجرفها.

وإذا كان النظام القائم يحتمي بشبكة مصالح إقليمية/دولية تعمل لصالح النخب الغربية عموماً والأمريكية بالذات، فلا يمكن إذاً لأي نظام جديد أن يستمر إلا إذا فُصل رأس الأخطبوط (النخب في واشنطن) عن أذرعه (كل أدواته في مصر)، بمعنى تصفية النخبة (اجتماعياً وسياسياً) وتفكيك كل أدواتها (الثروة، المجال السياسي، منظمات المجتمع المدني، وسائل الإنتاج، البيروقراطية، الإعلام إلخ…)، حتى لا تجد النُخب الأمريكية أي رؤوس جسور يمكن من خلالها النفاذ لاعتراض حركة أي نظام اجتماعي سياسي جديد يعبر عن الشعب، وما جرى في أمريكا اللاتينية خير مثال على خطورة ثغرات الاختراق.

وحركة قوى الشعب المُستغلة (٩٠٪‏ من شعب مصر العربي) لا تأتي بالتنادي، وإنما بالعمل الجماعي المنظم، في صورة تنظيم سياسي موصول بالجماهير يعمل كطليعة قائدة، تنظم صفوف الجماهير وتضبط حركتها وتعبئ طاقاتها وتوجه جهودها لاقتلاع نظام اجتماعي سياسي نخبوي وعميل واحلال نظام شعبي جديد، ومن ثم بناء دولة الشعب وليس دولة النخبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد