وما الفرق بين العبث والجدية؟ أليسوا شيئًا واحدًا؟ ولما لا تكون العبثية هي عين الحكمة؟ ولما لا يكون الجنون هو العقل الرشيد؟ لماذا إذًا يصفونه بالمجنون؟ هو إنسان طموح لديه شغف، يعشق الفن والموسيقى والرقص، يرى كل فعل كأنه ألوان متداخله تشكل لوحة عظيمة، أو ديوانًا من الشعر كلما أضاف له بيتًا أخذ خطوة في طريق الخلود، أو حتى فصول رواية يحاول إكمالها.

لماذا لم يصفوه بالجنون حينما كان بينهم فثاروا عليه؟ أليست الثورة هي فعل طبيعي اجتمعت عليه البشرية والطبيعة؟ وهل التاريخ هو الحقيقة المطلقة أم هو ظالم آخر. ألم يكن في قتله لأخيه بريتانيكوس، وأمه أغربينيا، ومعلمه سينيك، وزوجته أوكتافيا، وأصدقائه وحلفائه والآلاف من المعارضين جنون وتجلى في نظرهم الجنون حين أحرقهم بالآلاف في منازلهم، أليس وصوله لأن يصبح إمبراطورًا هو ما سعت إليه أمه فلما تحقق لها قتلها أكثر من مرة، وحين صمت شعبه على أفعاله ونصّبوه إلهًا أحرقهم. لمَ يلومونه في النهاية على أفعال هي من حقوقه؟ أليس من حقه كإله أن يحيي ويقتل من يشاء؟!

بالطبع كل تلك الأحداث مر عليها دهر. بالتأكيد ذكرى نيرون وشعبه وتجربته الأليمه ظلت عالقة في الأذهان. فهل توقف نيرون عن الظهور والاستنساخ في شكل آخر، وفي مكان مختلف بعيد عن روما، وهل تغير أهل روما وأدركوا أن من الحماقة الانصياع لنيرون مرة أخرى؟ أم تمكن من خداعهم مرة أخرى؟

الأخطاء تبقى أخطاء في نهاية المطاف، هي عنصر حياتي تتحسن من خلالها الإنسانية، لكن تكرار نفس الأخطاء هي الكارثة المحققة. لانأخذ من بلادنا الآن مثالًا يستدل به، رجل وشعب، نيرون وأهل روما في القرن الواحد والعشرين، أعادوا استنساخ التجربة الغابرة مرة أخرى، مشهد القتل والسجن والدماء السائلة في الأرض تتكرر مرارًا وتكرارًا.

لماذا يعطي البشر صلاحيات لم تخلق لتكون في يد رجل واحد. فرعون، أم إمبراطور، أم رئيس، كلها أوجه لعملة واحدة، فقط حقيقة واحدة أن طباخ السم لابد من أن يتذوقه تبقى ثابتة مثل نظرية الجاذبية على مر التاريخ. قتل واعتقال وهروب الآلالف خوفًا من البطش، والحروب المزيفة، والانتصارات الوهمية، والانتكاسات الاقتصادية، والأمنية، والمجتمعية… إلخ، كل هذا لم يكن واضحًا أنه من ضرب الجنون. لماذا إذًا كتب التاريخ إذا لم يقرأه ويستفد منه أحد، ولمَ يبقى نيرون وحده هو المجنون الذي أحرق شعبه؟ وغيره ممن يعيشون بيننا الآن ارتكبوا ما هو أفظع، والرضا بعبثه بالفن الذي وصل لدرجة الجنون، حتى أحرق المدينة وهو ينظر في طرب مستمتعًا بالمشهد، ويقرأ بعضًا من شعر “هوميروس”.

إن كان هنالك عدل في التاريخ، لما بقي نيرون في مكانه ولا أهل روما أيضًا. إذا كنا نملك في عصرنا الآن الإمكانيات والسبل التي تمكننا من إدراك الحقائق كامله دون تزييف، والقدرة على التفرقة بين الجنون والحكمة، وفي النهاية نرتكب أخطاء فعلت منذ آلاف السنين فهذا هو الجنون والعبث بعينه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحكم, روما, نيرون
عرض التعليقات
تحميل المزيد