«ولما كانت الرئاسة إنما تكون بالغلب، وجب أن تكون عصبة ذلك النصاب (أي أهل العصبية الخاصة) أقوى من سائر العصبيات ليقع الغلب بها وتتم الرئاسة لأهلها». ابن خلدون/المقدمة

 

شكّلت سنة 1510م نقطة تحول ومنعطف مهم في تاريخ المغرب الأقصى كان له ما بَعده، وذلك عندما بايع أهل منطقة «تارودانت» أبو عبد الله محمد بن محمد ابن علي بن مخلوف بن زيدان الملقب بـ«القائم»، على الجهاد في سبيل الله، وقد تم ترشيحه من قبل شيخ الطريقة الصوفية الجزولية أمبارك الأقاوي. وذلك من أجل الحد من أطماع الإيبيريين والتي كانت تتزايد وتتسع، خاصة بعد احتلال سبتة سنة 1414م.

معلنين بذلك عن انتقال جذري في موقف المغاربة حول شرعنة السلطة، لقد تحول الأمر من منطق العصبية القبلية -بتعبير ابن خلدون- والقائم أساسًا على قاعدة «مَن اشتدت وطأته وجبت طاعته»، إلى منطق آخر متعلق هذه المرة بمسألة النسب الشريف المرتبط بعلاقة القرابة من النبي من جهة أهل البيت، وتحالف السلطان مع زعماء الزوايا.

لقد كانت العصبية ما تزال قائمة آنذاك اذ تجسدت لدى القبائل الزناتية، ولكن مفعولها لم يعد يساير التاريخ الواقعي. وبذلك تكون قد سقطت تحليلات ابن خلدون، التي عملت على ربط نشوء الدولة بشرط ضروري وهو وجود أهل العصبية الذين يمتازون بـ«خشونة البداوة».

 

نشأة دولة الأشراف السعديين بالمغرب

يمكن القول أن النظام المريني-الوطاسي تميز خلال القرن 15م بمحدوديته، بحيث لم يستطع توفير الحماية من العدو الخارجي، ولا الأمن الداخلي للرعية. وقد تمثل ذلك في ضعف الحكام المرينيين الذين جاءوا بعد  مقتل أبي عنان، وكذا عجز الوطاسيين وعدم قدرتهم على الوقوف في وجه المد الإيبيري (سواء في فترة وصايتهم أو أثناء حكمهم).

فبويع محمد القائم بأمر الله -كما قلنا- على الجهاد لمواجهة الغزو الإيبيري، وكانت انطلاقته الأولى نحو تحرير أكادير، والتي سيطر عليها البرتغاليون منذ سنة 1513م (فيما سيطر البرتغاليون على حصن فونتي سنة 1505م)، وقد استطاع محمد القائم تحقيق انتصار كبير، وبالتالي نجح في إيقاف التوسع الإيبيري، بعد تلك الهزيمة التي ألحقها بالبرتغاليين سنة 1515م بالمعمورة الكبرى. وبعد وفاته تولى الحكم ابنه الأكبر محمد الأعرج، إلا أن هذا الأخير لم يجلس على العرش طويلا حيث دخل في خلافات وصراعات سياسية بينه وبين أخيه محمد الشيخ فتمكن منه محمد ووضعه في السجن لتخلو له الساحة وينفرد بالحكم.

لقد عمل محمد الشيخ على إعادة توحيد المجال المغربي وتوسيعه كما اهتم أيضا بتحصين المناطق وإحكام سيطرته عليها، فكانت من أولوياته تطوير الأسلحة النارية قصد تنفيذ مخططاته، هذا وقد اعترضته عدة عوائق من بينها بقايا الوجود الوطاسي والذي لم يستطع القضاء عليهم إلا سنة 1554م وذلك بتزكية من بعض الفقهاء، واستعماله العنف مع الآخرين الذين عارضوه. وكذا كان عليه القضاء على عدة تمردات وانتفاضات التي ما كان يخمد إحداها حتى تندلع أخرى، أما العنصر الأهم والأخطر الذي كان عليه مواجهته، فهو النفوذ العثماني والذي كانت نهايته على أيديهم إذ تم اغتياله من طرف أتراك الجزائر الذين تآمروا عليه وتمكنو منه سنة 1557م.

بعد وفاته ظهرت خلافات بين أبنائه الثلاث عبد الله الغالب -الذي تولى الحكم- وأخويه عبد المالك وأحمد، مما يُبين بوضوح عدم قدرة السعديين على التحكم في تنضيم انتقال الحكم وتوريثه، وقد اشتد هذا الخلاف بعد وفاة عبد الله وتوصيته لابنه المتوكل من بعده ليدخل هذا الأخير في صراع مسلح مع أعمامه، بعد أن تحالف مع ملك البرتغال سيباستيان (هذا الملك الذي تروي لنا المصادر الأوروبية عن أحلامه وطموحاته وآثاره الكبير لتخليد اسمه في سجلات التاريخ، رغم تحذير أحد أعمامه له من دخوله مغامرة الحرب إلى جانب المتوكل).

فحدث الصدام المسلح في واحدة من أشهر المعارك التي خاضها المغاربة خلال العصر الحديث، والتي كان لها أثر كبير في إذكاء الروح الوطنية ضد الاستعمار خلال القرن العشرين. إنها «معركة وادي المخازن» والتي شبهها أحد المؤرخين بمعركة «بدر»، حدثت هذه المعركة سنة 1578م، وانتهت بانتصار عبد المالك رغم إصابته في ميدان المعركة، تلك الإصابة التي توفي على إثرها، وقد قُتل في ساحة المعركة أيضًا ابن أخيه المتوكل والملك سيباستيان، لذلك سُميت هذه المعركة أيضا بمعركة «الملوك الثلاث Bataille des Trois Rois».

من الأوج إلى السقوط

بعد انتهاء واقعة وادي المخازن تولى الحكم أحمد الملقب بـ«المنصور»، فعاش المغرب أثناء فترة حكمه ازدهارا ورخاء في شتى المجالات الفكرية والمعمارية والاقتصادية … وهلم جرا.

وقد عمل أحمد المنصور الذهبي -الذي اشتهر بعلاقته التجارية الوطيدة ببلاد السودان- على تقوية مؤسسته السلطانية «المخزن»، وقام أيضًا بتأسيس الديوان برئاسته، كما عمل على تحويل مدينة مراكش إلى عاصمة للملك.

لكن بعد أن أنهك المرض أحمد المنصور وتوفي سنة 1603م، دخل أبناؤه في صراعات ونزاعات حول السلطة-مرة أخرى- حاول خلالها كل واحد منهم استمالة الأجنبي إلى جانبه، فاستنكر الفقهاء أفعالهم، وانتشرت بذلك الفوضى وتشتت الشمل وتجزأ المغرب، لتكون بذلك نهاية عهد السعديين بالمغرب وبداية عهد جديد، تاركين الحكم لأبناء عمومتهم من أسرة الأشراف الفيلاليين/العلويين، وهي الأسرة التي ما زالت تحكم المغرب الأقصى حتى يومنا هذا، ليظل منطق النسب الشريف والتحامه بالزوايا هو هو، أي أنه الحجر الأساس لشرعنة الحكم بالمغرب الأقصى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد