في لحظة تاريخية يتيمة اصطفت حركة فتح إلى جانب حركة حماس، وألصق أوباما كتفه بكتف إيران، بغاية وهدف واحد، أن تُطوى صفحة رجل لا يحترم صديقًا ولا يهادن عدوًا. حيث شنَّ الرئيس أوباما حملة مباشرة تنال من شخصه، وجعلت السلطة من نفسها مطية لليسار الإسرائيلي؛ لتؤثر في توجه الناخب الصهيوني إلا أنه انتصر وامتدت ولايته إلى أربع سنين أخرى.

سلطان إسرائيل الجديد:

(شارون كان آخر أقوى رؤساء “إسرائيل”) رددناها كثيرًا دون تشكيك في صحتها، لكن الواقع أثبت أن بنيامين نتنياهو واجه ما لم يواجهه شارون وانتصر، واستحق أن يكون سيد “إسرائيل” وسلطانها، نتنياهو الذي يعتبر أول رئيس وزراء إسرائيلي وُلد بعد النكبة الفلسطينية عام 1948، وأصغر من جلس في منصب رئيس الوزراء الإسرائيلي، استطاع أن يقود المجتمع الإسرائيلي إلى مزيد من التطرف، ولعب في النار في ظل منطقة عربية مشتعلة يعمها الفوضى، دون أن يحرق نفسه، بل وكان الأبرع في تسويق الخوف لصالحه على الرغم من أن العالم وقف بجانب هرتسوغ الذي يمثل رغبة المجتمع الدولي في إيجاد تسوية للقضية الفلسطينية، إلا أن الأخير خالِ من الكاريزما، ولم يعرف طريقًا لزرع الثقة في الجمهور الإسرائيلي الذي يجنح نحو مزيد ومزيد من التطرف.

تأثيره على القضية الفلسطينية:

لم يكن الفوز في الانتخابات العشرين وليد صدفة، كما أنه لم يكن صفعة في وجه تيار السلام فحسب – وإن كانت صفعة مؤلمة – بل صفعة أخرى لتيار الكفاح المسلح أيضًا.

فبعد أكثر من عقدين من عملية البحث عن شريك إسرائيلي للسلام، وجدت السلطة الفلسطينية نفسها في أحضان بنيامين نتنياهو مجددًا، ذلك الرجل الذي وارى حل الدولتين الثرى بدفن غير كريم، حين قال أمام جماهير اليمين الحاشدة “لا تقسيم ولا انسحابات بعد اليوم”، أو بمعنى آخر “طز في أجعص شنب في السلطة”.

استغل نتنياهو الفترة الحرجة التي يمر بها العالم جيدًا، فهو يدرك أن المجتمع الدولي لا يملك الجرأة الكافية لإرغام إسرائيل على العودة إلى المفاوضات، ويدرك أيضًا أن توجه السلطة نحو المحافل الدولية عملٌ واهٍ وغير فاعل، فلا يمكن إدانة إسرائيل أو فرض عقوبات عليها في ظل فوضى عارمة تعاني منها المنطقة العربية بشكل خاص والعالم بشكل عام.

الكرة في ملعب الرئيس عباس، فإن اختار أن يسلك ذات الطريق التي سلكها إبان الحكومة السابقة التي ترأسها نتنياهو فإنه سيعيد تكرار التجربة الفاشلة بل إنه سيعفي نتنياهو من إدراج الاستيطان كحملة انتخابية مجددًا، لأن الضفة الفلسطينية ستكون مبتلعة ولن يجد أي سيادة سوى ما تحت قدمه. أما وإن أراد أن ينهي حياته السياسية بنهاية مشرفة بوضع العصا في عجلة نتنياهو فخلط الأوراق عمل غير كاف وأمام الرئيس خيار واحد هو قلب الطاولة بأوراقها عبر فسخ جميع الاتفاقيات المبرمة مع دولة الاحتلال الأمنية والاقتصادية، وأن يترك للشعب الفلسطيني تقرير مصيره وفوق كل ذلك إتمام المصالحة الفلسطينية بأي ثمن، والاتفاق على إستراتيجية تحرر مع باقي فصائل العمل الوطني والإسلامي.

أما الصفعة الثانية فتلقاها تيار الكفاح المسلح الذي فُرضت عليه حربٌ ضروسٌ أكلت الأخضر واليابس في قطاع غزة، عجز عن استثمارها حتى هذه اللحظة وانتقلت حياة المواطنين من السيء إلى مزيد من السوء؛ نتيجة ضعف سياسي واضح وشديد، وبات قادته يرقبون هزيمة لنتنياهو وحزبه ليتنفسوا الصعداء وهذا ما لم يحدث.

صراحة وبلا مواراة، تلاعب سارة – زوجة نتنياهو – في فواتير الخمور كان له أثرٌ أكبر من أثر 51 يومًا رُشقت فيه الصورايخ على البلدات المحتلة على الجمهور الإسرائيلي، بل كادت أن تخلو حملات التشويه والمزايدة التي طالت نتنياهو من تجربة الحرب الأخيرة. ليس لضعف في الأداء العسكري وإنما لإدراك الجمهور الصهيوني أن غزة عادت عقودًا للوراء، وأن أيًا من شروطها لم يُلبَّ. أي بكلمة أخرى.

نتنياهو انتزع لهم ما لم يفلح به غيره، وأنه استطاع إقناع الجمهور بقدرته على حمايتهم، وعلى لجم قوى المقاومة الفلسطينية، بل وتحقيق الحلم اليهودي في فلسطين؛ لأنهم وجدوا فيه الشخص القوي الذي يقف أمام الجميع حتى الولايات المتحدة إن وقفت أمام أحلامهم.
ماذا بعد؟
فهل ستعي منظمة التحرير بعد أن ازدادت الصورة وضوحًا أن ما كان مطروحًا بالأمس أصبح أمنية اليوم؟ وهل ستعي أيضًا أن المجتمع الدولي خدعها وروضها ونزع منها أسنانًا وجعل منها أضحوكة العالم، فحلم الدولتين بصق نتنياهو على قبره.

وهل ستعي حماس أن المجتمع الدولي باشر ترويضها تمامًا كمنظمة التحرير الفلسطينية لتقع بذات الوحل؟ وهل ستدرك أن للطائر جناحين اثنين لا يمكن الطيران بأحدهما فقط، فلا يمكن للجناح العسكري أن يحلق دون جناح سياسي قوي، ولا يمكن لكليهما الطيران إن كان الطائر يتضور جوعًا.

وهل سيعي الشعب الفلسطيني أننا نحتاج إلى إستيراتيجية تحرير جديدة تجمع الفرقاء وتُسخر طاقة كل واحد منهم دون أن تتعارض فيما بينها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد