يلاحظ أنه منذ اندلاع الانتفاضة الثالثة بوتيرتها المنخفضة، ونتنياهو يعلن صباح مساء أنه لن يغير الوضع القائم في المسجد الأقصى المبارك، وأن الحركة الإسلامية تتحمل المسئولية الكاملة عن هذا التضليل الذي آمن به العرب والمسلمون، وحتى الحكام العرب.

 

 
حتى أن الاعلام العبري تحدث عن رفض الملك عبد الله ملك الأردن الرد على اتصالات نتنياهو؛ لقناعته بكذب أقواله، وهو ما زاد من غضبه على الفلسطينيين والحركة الإسلامية؛ اذ بات الرجل يفقد مصداقيته في المشرق والمغرب، بل إن الإعلام العبري والدبلوماسية الإسرائيلية أعربت عن مخاوفهما ألا ترفع واشنطن أمام باريس والأعضاء الآخرين في مجلس الأمن للدول الدائمة العضوية حق النقض الفيتو المتعلق بإرسال قوات دولية إلى المسجد الأقصى المبارك، وهو ما رفضه نتنياهو جملة وتفصيلا.

هل ستكون إسرائيل دولة مارقة؟

برفض نتنياهو المعلن تجاه المطلب الفرنسي، والتخوفات الإسرائيلية من عدم رفع واشنطن نقض الحق (الفيتو) في وجه باقي الدول الدئمة العضوية في مجلس الأمن، والإصرار على رفضه تدخل قوات أجنبية في ملف المسجد الأقصى يكون قد ناصب للمرة الثانية في أقل من ستة شهور واشنطن العداء والمواجهة، وهي الدولة الحامية والصديقة والممولة لوجوده العيني والمادي، وإن حدث هذا السيناريو سيعتبر نتنياهو ودولته وفقا للمنظومة الدولية التي تسيطر عليها واشنطن دولة “مارقة”، وستكون هي وكوريا الشمالية والدولة الإسلامية في العراق والشام سواء بسواء.

 

 
وذلك وفقا للفلسفة الأمريكية لمعنى المروق السياسي، وهذا أسوأ ما يمكن لنتنياهو ان يتوقعه بعد أن فشل في تمرير مطالبه في الكونغرس إبان ضجيجه من أجل الملف النووي الإيراني، وقد عرف نتنياهو ومن وقف معه من اللوبيين حجمهم الحقيقي في أروقة السياسة الأمريكية يوم تصطدم مع الاستراتيجيات العليا لواشنطن، ولقد ورط اللوبي الصهيوني في حسابات بات المواطن الأمريكي يتقزز منها ويستشيط غضبا لحجم تدخل اللوبي في السياسات الأمريكية وفقا للعديد من التقارير الأمريكية .

تبني نتنياهو سياسة جوبلزية:

وصل العمى والغرور حدا لا نظير له عند نتنياهو. الذي بات يسعى جاهدا للكذب في موضوع الأقصى المبارك، ومن أجل ذلك اشتط به الأمر ليتهم الحاج أمين الحسيني ـ وهو ليس موضوعنا هنا ـ بأنه وراء الكارثة الإنسانية التي تعرض لها يهود ألمانيا وبولندا على يد النازيين إبان الحرب العالمية الثانية.

والكذب كما في السياسة مبني على فلسفة التكرار الجوبلزية ـ نسبة لجوبلز ، وزير الإعلام إبان العهد النازي ـ التي تعتمد التكرار ليصدقها الناس ويدخلها في روعهم؛ إذ هو صاحب نظرة “اكذب .اكذب حتى يصدقك الناس”، فيتحول الكذب إلى حقائق مقدسة دون الرجوع عنها المهج والأرواح.

فلسفة الكذب كانت ركيزة أساس في سياسة الإعلام الألماني إبان الحرب العالمية الثانية حيث اعتمد الألمان الكذب فلسفة لهم لإقناع العالم بأنهم لا يرتكبون الجرائم والإبادة بحق البشرية، كما فعلوا مع العرقين اليهودي والتتاري المسلم في بولندا وروسيا ومولدافيا واستونيا، وغيرها من البلدان الأوروبية، ليتضح بعد انقشاع غبارها حجم الكارثة بحق العرقين اليهودي والتتاري.

كانت النتائج الجوبلزية على ألمانيا النازية كارثية بكل المعايير، وإن أبقت مدرسة قائمة بذاتها تدرس وتتطور في إطار علاقات الكولونياليات بعد الحرب العالمية الثانية مع الشعوب المستضعفة الساعية للتحرير من نيرها.

نتنياهو وفلسفة الكذب

دائما يسعى نتنياهو لإضفاء نوع من الأكاديمية والعلموية على أحاديثه، ويتزود بمعطيات وإحصائيات لإثبات مقولاته التي يسعى عبر عبقرية ملحوظة فيه لتحويلها إلى حقائق، خاصة وأنه صاحب حضور إعلامي مميز قلَّ نظيره في زعامات المنطقة والعالم تقريبا، وهو خريج المدرسة الجوبوتنسكية، وابن المؤرخ الصهيوني بن تسيون نتنياهو، ومتشرب للأيديولوجيا اليمينية المتشددة الملثمة بالدين والقيم التوراتية .

تكمن خطورة طروحات نتنياهو، ليس بتكرار الكذب فحسب، بل العمل الممنهج في القفز على التاريخ واختصار أحقاب زمنية، فهو لا يعتبر وجوده في القدس احتلالا، بل يعتبره إعادة للأرض المقدسة، وبذلك فإسرائيل قامت عام 1967م بعملية تحرير، وبالتالي فمن حيث المبدأ والمعتقد فهو عندما يتحدث عن أنه لم يغير شيئا في المسجد الأقصى المبارك بحكم استمرار المسلم المصلي الصلاة فيه، وذلك من منطلق أن موافقته باستمرار صلاة المسلمين في المسجد الأقصى هو عين بقاء ” الوضع القائم “، وإلا فالأصل عنده إغلاق الأبواب أمام المسلمين وهدم المساجد؛ لأنه باختصار أعاد إرثا وقع تحت الاحتلال عدد قرون .

يعتبر نتنياهو أن ما يقوم به من موافقة لدخول المصلين المسلمين للصلاة في المسجد الأقصى محض مِنَةِّ وتفضل منه على المسلمين في العالم. ولذلك ثمة حاجة ضرورية وملحة لتفكيك العقل الصهيوني اليميني الديني الجديد، الذي بات يتزعمه، والمتأثر من المدرستين الجمهورية المتطرفة في الولايات المتحدة الأمريكية واليمين الأوروبي، وكلاهما مبنيان ـ من حيث الجوهر ـ على كراهية وعداء المهاجرين والإسلام، ويعانيان من الإسلاموفوبيا، ونتنياهو في فلسفته يبني طروحاته ونظرياته وخطاباته على هذه الفلسفة الفوقية، والأنانية التي تعتبر مجرد طرحه موضوع المسجد الأقصى تنازلا من طرفه لصالح فريق أو مجموعة لا حقَّ لها على هذه الأرض.

وإذا كان الكذب والافتئات من سياسات وتكتيكات الساسة في العالم، فهي أيديولوجيا ومنهج بالنسبة للمستبدين والطواغيت في البلدان المحكومة بالنار والحديد، وإسرائيل وإن كانت دولة ديموقراطية بالمفهومين: الأدائي “الإجرائي”، والفلسفي، إلا أنها غارقة في الفاشية والاستبداد، ليس تجاه الفلسطيني إنسانا وشعبا، بل تجاه الدهماء من الإسرائيليين أنفسهم، ممن يعتبرون إعلامهم توراة تعبد من دون الله.

 

 
إذ الإعلام بدوره يلعب دور المسيح الدجال مع هذه المجموعات: فيحيلها إلى مجموعات متطرفة وفاشية تجلت أفعالها في محطة باصات بئر السبع وقتلهم الفاشي للشاب الأريتيري مؤخرا، وقتلهم الشباب العرب بدم بارد تحت مظلة الدفاع عن النفس وغطاءات قانونية ورسمية كثيرة.

هذه الفاشية ” الشعبوية” ثمرة الكذب الذي يمارسه حكام إسرائيل منذ قيام دولتهم على أنقاض الشعب الفلسطيني، وإلى هذه اللحظات، بيد أن نتنياهو فاق جميع من سبقوه.

هل يسعى نتنياهو لفرض واقع جديد في المسجد الأقصى؟

إنه بكذبه المتواصل ـ في موضوع هو يعلم حساسيته ـ يجر شعبه إلى كارثة لا يعلم مداها إلا الله والراسخون في العلم، ولعل ما يقوم به من دجل يومي يومئ إلى أنَّ ثمة أجندات في جوارير المؤسسة الإسرائيلية تتعمد للوهلة الأولى إثارة الموضوع، وجعله يرتفع بوتيرة معينة تفضي إلى فرض واقع جديد في المسجد الأقصى المبارك على غرار عام 2003م، يكون الخطوة الثانية بعد مرور خمسة عشرة عاما على الانتفاضة الثانية .

هذه المرة تعتمد المؤسسة الإسرائيلية الكذب منهجا؛ لتمرير سياساتها مصحوبا بالبطش والتنكيل، فيما اعتمدت الانتفاضة الثانية سياسة التحدي مصحوبة بالبطش والتنكيل. والفارق بين التحدي والكذب في المنظومات الأخلاقية كبير جدا، وهذا بدوره مؤشر تراجع إسرائيلي سيرافق لسنوات قادمة بالبطش والتنكيل.

الكذب مآلاته دوما وخيمة وهو قسمة ضيزى تأتي بالضرر على صاحبها ومن يؤمن بها، المشكلة الكبرى عندما يتحول الكذب إلى فلسفة حياة، ومنهج عمل يروج له إعلاميا وفكريا وتاريخيا.

 

 
عندئذ تكون البروباغندا لا شيء أمام هذه الفلسفة التي ستفضي إلى حرب لا تبقي ولا تذر؛ لأنها تؤسس لأبعاد دينية وأيديولوجية أقل ما يقال في تضاعيفها أنها حرب ” دينية / مقدسة “، وفي صدام المعتقدات تقع الجرائم العظام وتسيل أنهار من الدماء، ويبدو أن نتنياهو قد عزم العزم على الذهاب بشعبه إلى دار البوار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد