بطريقة سينمائية وأسلوب مريب يتصل بك أحد أصدقائك وربما كان مجرد زميل لك ومعرفتكما ببعض سطحية ليخبرك أنه يريدك في عمل سيحقق لك دخلًا خياليًا، ويحدد موعدًا لمقابلتك في أحد المقاهي، دون أن يخبرك بطبيعة ذلك العمل المزعوم، هكذا تقول القواعد للتسويق الشبكي (لا تخبر العميل بطبيعة العمل في التليفون، دعه يأتي أولًا ونحن قادرون على إقناعه فلربما سمع عن الموضوع بصورة سلبية).

 

تذهب إلى المقهى وتجد صديقك هذا جالسًا وبجواره شخص آخر يقوم بعمل حوار معك، يسألك عن دخلك وكم هو ضعيف ولا يلبي حاجاتك، يتحدث عن عدد الساعات الكبير الذي تقضيه في عملك أو وقت فراغك الذي تنفقه على فيس بوك، يتحدث عن مستقبلك وفرصك الضئيلة في الترقي في الوظيفة، حديث بائس الهدف منه إقناعك أنك شخص فاشل ذو مستقبل مظلم، ثم فجأة يأتي المنقذ الذي سيخلصك من فقرك وبؤسك.

 

ما رأيك يا عزيزي في عمل لمدة ساعتين فقط في اليوم تحصل منه على آلاف الدولارات كل شهر؟ ويبدأ لعابك يسيل لكمية النقود التي يخبرك أنك ستحصل عليها ثم يشرح لك طبيعة العمل وفي النهاية يخبرك أنه لكي تشترك معنا فلا بد أن تشتري إحدى منتجات الشركة وتصبح عضوًا جديدًا في رحلة الملايين.

 

حسنًا لم تكن تلك هي البداية الصحيحة للمقال ولكنها قصة مسلية جدًا حدثت ملايين المرات ولا تستطيع أن تبدأ حديثك عن التسويق الشبكي دون أن تذكرها، المهم، نحن بحاجة إلى أن نفهم بعض المصطلحات: التسويق الشبكي، التسويق الهرمي، تاريخ الشركات العاملة في هذا المجال، تأثيرات ذلك النوع من العمل اقتصاديًا واجتماعيًا على الفرد والمجتمع.

 

التسويق الشبكي

هو عملية ربح معروفة عالميًا تعتمد على مبدأ التسويق التواصلي.                                 

one-to-one marketing

حيث تشتري المنتج الفلاني من الشركة فتتحول بعدها إلى مسوق للمنتج من خلال عمولة تحصل عليها. وكلما استطعت إقناع أكبر عدد من الأفراد نرمز لهذا العدد بالرمز (س) بشراء المنتج كلما زادت عمولاتك ثم يقوم العدد (س) بإقناع أفراد آخرين وهكذا بشرط أن يكون هناك منتج حقيقي يتم تسويقه وليس مجرد عمولة مقابل نجاحك في ضم أفراد جدد. التسويق الشبكي ليس ممنوعًا قانونًا.

 

التسويق الهرمي

نظام موجود منذ حوالي قرن يعتمد بشكل أساسي على انضمام عدد أكبر إلى المنظومة، حيث تقوم الشركة بإقناع عدد من الناس بالاشتراك في النظام عن طريق دفع مبلغ مالي في مقابل أن يأخذ هؤلاء الناس عمولة عند انضمام آخرين للنظام عن طريقهم، ومن هم في أعلى الهرم يأخذون عمولة أيضًا (لا يخسرون أبدًا)، يحدث هذا دون وجود منتج أو سلعة حقيقية يتم استثمارها فالربح يعتمد على إدخال أفراد أكثر للمنظومة وهو ممنوع قانونًا، لأن العدد الأكبر من المشاركين في هذه العملية سوف يخسرون وتكون أرباح المستويات الأعلى على حساب خسارة الناس في المستويات الأدنى فالربح هنا مبني على خسارة الآخرين أو بمعنى أصح فشلهم في ضم أعضاء جدد للنظام، لأنه عند الوصول إلى مستوى لا يستطيع فيه الناس تجنيد المزيد سيحدث التشبع وينهار النظام وأغلب المشاركين سيخسرون باستثناء من هم في قمة الهرم.

 

علاقة التسويق الشبكي بالنظام الهرمي

التسويق الشبكي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنظام الهرمي، حيث تتحايل الشركات دائمًا في إخفاء طريقة عملها ولا تستعمل أبدًا مصطلح النظام الهرمي بل تستعمل دائمًا التسويق الشبكي لإخفاء طريقة عملها وتقدم المنتج كغطاء.

 

طبقا لـ  FTCلجنة التجارة الاتحادية فإن “كثيرًا من شركات التسويق الشبكي تستخدم المنتج لكي تخفي بنيتها الهرمية”.

 

معلومات وحقائق حول التسويق الشبكي

يوجد 71 شركة عالمية تستخدم التسويق الشبكي 56 منها لا زالت تعمل و15 شركة تم إغلاقها من قبل الحكومات إثر رفع قضايا عليها من قبل العملاء وتبين بنيتها الهرمية.

 

  • كيو نت: إحدى شركات التسويق الشبكي تأسست عام 1998 في هونج كونج، الملاحظ أن اسم الشركة تغير عدة مرات (quest net – gold quest – qi limited)على خلفية رفع قضايا على الشركة في عدة دول فيكون تغيير الاسم درءًا للشبهة أو السمعة السيئة في باقي الدول.

 

في عام 2005 اتهمت الحكومة الإيرانية شركة كيو نت بالنصب وتم حظر الشركة، الأمر ذاته حدث في السودان – تركيا – رواندا – الهند – إندونيسيا – السعودية.

 

في عام 2012 أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى تحرم طريقة التعامل التي تنتهجها شركة كيو نت.

 

الشركة لم تغير فقط اسمها وإنما غيرت المنتج الذي تبيعه 5 مرات في أقل من 10 سنوات، كأن الشركة تقول لك لا يهم المنتج الذي نبيعه المهم أن نجذب عملاء أكثر.

 

من أمثلة منتجات الشركة: الشيباندا أو قلادة الطاقة الروحية وهي عبارة عن سلسلة توضع حول العنق ويعرفها الموقع الرسمي للشركة بالآتي: “منتج الطاقة الروحي الذي يحميك من التأثيرات الكهرومغناطيسية والتوتر ويجلب لك الحياة السعيدة”.

 

  • منتجات شركات التسويق الشبكي تنحصر في قسمين إما منتجات لا قيمة لها، مثل التي ذكرناها كالقلادات وغيره أو منتجات مفيدة ولكن باهظة الثمن وتزيد عن قيمتها الأصلية في السوق ويلاحظ هنا أن المواقع الرسمية لهذه الشركات تعرض منتجاتها فقط بدون أسعار حتى تتيح لعملائها التلاعب بالسعر والحصول على عمولات من العملاء الجدد دون معرفتهم.
  • “التسويق الشبكي هو أفضل أنواع التسويق وسيحل محل كل أشكال التسويق الأخرى في المستقبل”.

 

أحد أهم الأكاذيب التي تروج للعملاء في هذا المجال والحقيقة تقول أن التسويق الشبكي ليس بجديد وإنما بدأ في الستينيات ومع ذلك وبعد 50 عامًا فهو لا يزال يمثل أقل من 1% من حجم التجارة في الولايات المتحدة.

 

  • “شركات التسويق الشبكي هي فرصة عمل مثالية وسهلة لجني أرباح كبيرة جدًا أكثر من أية وظيفة أخرى”.

 

تلك أكذوبة أخرى والحقيقة هي أنه في أكبر شركات التسويق الشبكي امواي: 5% فقط من المشتركين ارتقوا إلى مرتبة direct distributer

 

وهي أعلى مرتبة وكان متوسط دخلهم 40 دولارًا شهريًا وهذا قبل حساب النفقات والضرائب.

  • Melaleuca

أحد أكبر شركات التسويق الشبكي، تدعي هذه الشركة بأن لديها أكبر معدل بقاء لأفرادها، بعد رفع قضية عليها اتضح أن نسبة من يتركون الشركة كل شهر 5.5% بحسابها في السنة يكون 60% كل عام.

 

إذن هل معنى ذلك أن كل العاملين في مجال التسويق الشبكي يخسرون؟ بالطبع لا، وحتى لا يتهم صاحب المقال بالتحيز ضد هذا النوع من التسويق فسنعرض لك بعض النصائح لكي تكون ناجحًا في هذا المجال وتحصل على أكبر قدر ممكن من الأموال.

 

النصيحة الأولى

رأس مالك في هذا العمل هو شبكة علاقاتك، ستبدأ بترتيبهم حسب القرب، أسرتك أقاربك أصدقاؤك زملاؤك، ستتحول قائمة الأسماء في هاتفك المحمول إلى كنز، انظر إلى كل إنسان تعرفه على أنه من الممكن أن يكون عضوًا جديدًا في شبكتك، أنت لا تستغله لا تدع ضميرك يخدعك، أنت تريد أن تربح ويربح هو معك، إذن فالربح للجميع، ولكن هل هذا الشخص يستطيع أن يأتي بأعضاء آخرين لكي يحصل على عمولة؟ ربما نعم وربما لا ولكن لا تشغل بالك كثيرًا بهذا فالأهم هو أن ينضم ويشتري المنتج.

 

النصيحة الثانية

سيقابلك أفراد مقتنعون بفكرتك ولكن ليس معهم نقود، هؤلاء يجب أن تضغط عليهم بكل الوسائل، انصحه بأن يقترض، يبيع مقتنيات البيت، يفعل أي شيء المهم ألا يفوت فرصة آلاف الدولارات التي تنتظره.

 

النصيحة الثالثة

لا تسمع لأحد يراجعك في انضمامك للشركة، هؤلاء هم أعداء النجاح، أنت على حق، لا تبح بأسرار العمل، من المهم أن يظن الجميع أنك تربح وأنك سعيد جدًا في عملك، الدعاية مهمة.

 

النصيحة الرابعة

اكذب، عليك أن تكذب حتى يشعر العميل أنه لا بد وأن ينضم اليوم وإلا خسر كل شيء، يمكنك أن تقول له إذا لم ينضم اليوم فإن هناك آخرين سيأخذون مكانه، وإنه كلما تأخر كلما ضاعت عليه فرصة تكوين شبكة يكون هو على رأسها، من الممكن أن تكذب عليه إذا طلب منك استعادة النقود في نفس اليوم بأن النقود تم تحويلها إلى البنك ولا يمكن استعادتها، اكذب حتى تنجح.

 

النصيحة الخامسة

تعلم الكلام الفارغ ثم تعلم أن تلقيه كل يوم بلا ملل وبنفس الحماس، تحدث عن فلان الذي يمتلك سيارة حديثة من أرباحه من الشركة، ولا تنس استخدام الكثير من شعارات التنمية البشرية:Believe to achieve – target – dream … etc .

 

هذا المقال ليس حياديًا ويقول لك بوضوح لا تنضم لهذه الشركات وإذا انضممت فاخرج حالًا مهما كان حجم الخسائر المتوقعة من خروجك، فاستمرارك يعني المزيد منها ويعني مستنقعًا من الكذب والمادية وخسارة أقرب الناس إليك فضلًا عن فتاوى تحريمها، أعلم أن لديك فتاوى أخرى للرد ولن أدخل معك في جدال تحريمها من عدمه ولكن يكفي أنها من الشبهات وأنك لكي تربح فلا بد أن يخسر آخرون، لا تتوهم أنك تربح من تسويق المنتج لأنك تعلم أن المنتج إما وهمي وإما يفوق ثمنه بأضعاف وأن الشركة قائمة على بنية هرمية في الأساس كما أوضحنا في بداية المقال.

 

عمومًا في الحياة لا تدع المال قبلتك ولا تجعل سعادتك مشروطة به وإن لم تستطع فالتسويق الشبكي ليس الوسيلة لذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد