قد نشتري قميصًا رياضيًّا أبيض، بأكمام قصيرة، بأقل مِن عشرة يورو. لهذا فإن الكثير مِنَّا لديه قميص مشابه. مع العِلم أن المَحلَّات التجاريَّة مليئة بأنواع أخرى، بأشكال وألوان مختلفة، قد تكون بها على سبيل المثال لا الحصر، ثلاثة خطوط ملونة، أو شعار، أو علامة تجارية مشهورة، لكن أثمنتها متضاعفة سبع مرات على الأقل، مقارنة بالقميص الأول، أمَّا إذا كانت هذه الأقمصة مصحوبة بشعار نادٍ رياضي مشهور، فإن قيمتها ترتفع 25 مرة. أما إذا كانت تحمل اسم لاعب مشهور، وقد ارتداها فعلًا خلال إحدى المقابلات الرياضية، فإن ثمنه يتضاعف 50 مرة.

لكن المثير للدهشة، هو إن تَم توقيعه من قبل اللاعب نفسه، يصبح ثمنه أكثر مِن 150 ضِعفًا. وإن كان هو نفسه الذي حمله عند الفوز بنهائي أبطال أوروبا، فقيمته المالية لن تقل عن 500 ضعف. الآن؛ الجميل هو أنه يمكننا استخدام القميص الأول الأبيض كل يوم، لكن الذي تم توقيعه، وارتدائه لا، بل على العكس مِن ذلك تمامًا؛ يستلزم وضعه في غرفة مكيَّفة، حتى لا يفقد رطوبته التي اكتسبها في الملعب. ولأننا نعرف جيدًا بأن العواطف منطقية، سنُرحِّب بكم معنا في عالَم التسويق العصبي، خصوصًا وأننا ندرك قيمة وقدرة هذه العواطف على التأثير في عقل المستهلك.

نستطيع القول إن المراسي العاطفية ستساعدنا كثيرًا على الحفظ، لاسيَّما على المدى الطويل، كما أنها ستمكِّننا مِن حِفظ البيانات، ولهذا سنحاول إيجاد مرساة عاطفية لكل هذا، لتحصين أنفسنا مِن الكثير مِن الماركات والعلامات التجارية العالمية التي تستخدم هذه المراسي العاطفية للتشويش والسحب والاستهلاك دون وعي، كتقنيات رائدة في اللاوعي لتسويق منتجاتها في السوق المحلية أو الإقليمية والدولية على حد سواء، هَمها الوحيد هو الرِّبح الكبير، المستمر في الزمان، والتوسع والانتشار في المكان.

قدم باول د. ماكلين؛ عالم الأعصاب، ووظائف الأعضاء، وطبيب أمريكي، ولد في 1 مايو (أيار) 1913 في مقاطعة أونتاريو في الولايات المتحدة، وتوفي في 26 ديسمبر (كانون الأول) 2007، بوتوماك، ماريلاند، الولايات المتحدة، في سنة 1970 نموذجًا مبسطًا للدماغ البشري، يتكون من ثلاثة أجزاء: أولها، الأقدم يسمى دماغ ريبتيليان؛ وهو مَن يتخذ قرارات كل ما نفعله كل يوم، هذا الجزء مسؤول عن معدل ضربات القلب، وعن إيقاع الجهاز التنفسي، وعليه فهو سيكون مسؤولًا عن توليد الشعور بالتعب، وكذلك توليد الشعور بالجوع والعطش. هدفه الأول والأساسي هو الدَّيمومة والبقاء، وكذلك الحفاظ على الطاقة واستعادتها، للبقاء بإذن الله سبحانه وتعالى على قيد الحياة.

الجزء الثاني؛ وهو ليمبريكو (LIMBECO ) يمثل العواطف، كما يعد بياض الثلج الذي نحمله جميعًا بداخلنا، وهو نموذجي للثدييات.

أما الجزء الثالث يسمى بالقشرة المخية الجديدة؛ هو الذي جعل البشر أكثر تطورًا، لأنه مسؤول عن التفكير، والتدقيق والحساب، والعمليات المنطقية، وبرمجة كل ما سنفعله في حياتنا اليومية والمستقبلية. لكن؛ ما لم نكن نعرفه هو أن كل جزء من هذه الأجزاء ستكون له وظائفه الخاصة به عند الوصول إلى مرحلة الحسم. فَبِغَضِّ النظر عن الأجواء الحالية، والمخططات المستقبلية، فإن هذه الأجزاء الثلاثة جميعها ستناقش هالة اتخاذ القرار، ويبقى في النهاية فقط انتظار الشرارة، لأن الأمر جميعه متوقف على مسألة التفعيل، التي ستوضح لنا نقط الدعم. لكن الهالة التي نتخذها ستكون دالة على ما إذا كنا سنذهب للتسوق أم لا. وهل نحن فعلًا مُحَمَّلين بكمية كبيرة مِن العواطف في الوقت الراهن، أم أننا مَشحونين بقدر كافٍ مِن الأحاسيس، ولدينا رغبة ملحة تجاه منتج مُعيَّن. الذي سيخبرنا لا محالة عن المفهومين؛ القيمة المتصورة والنفور من الخسارة، قبل شراء أي بضاعة.

أولها القيمة المتصورة التي تجعل بياض الثلج الخاص بنا نشطًا، وهذا صحيح عندما لا تكون العلامات التجارية متحمسة بما يكفي؛ وقتها سنشتري أحدث طراز، ومن شركة بعينها، تعد رائدة حاليًا في السوق العالمية، دون الالتفات إلى ثمنه المرتفع جدًّا، دون الانتظار، أو التشاور، أو المقارنة، مع حصر حيز التفكير لدينا، فقط في الاقتناء، والنقل إلى المنزل للاستمتاع به، بغض النظر عما يطلبونه منا بالمقابل.

ومع ذلك، هناك علامات تجارية تصر على توصيل خصائص منتجاتها؛ لنأخذ مثالًا: عند شراء جهاز كمبيوتر محمول، سنبحث بين علامتين تجاريتين مشهورتين. الآن؛ ستتحدث معنا كلتا العلامتين التجاريتين بكل الطرق المتاحة، وقبل ذلك، ستستفيض كِلتاهما في شرح وتبسيط جميع خصائص الحاسوب الأساسية، وبما أنه لا توجد لدينا أي عاطفة حاضرة في الذهن بخصوص أي علامة تجارية، فإن العامل الحاسم هو السعر.

البديهي هو أنهم لا يتركون المستهلك وشأنه حتى في الحلم، لهذا أنتم مطالبون بالاطلاع على الكيفية التي تشتغل بها وعليها الأسواق التجارية العالمية، وكذلك كونوا مستعدين لإخراج المعرفة الفطرية المدفونة في صدوركم، لكي تستطيعوا تجاوز هذه الأنواع مِن التقنيَّات التسويقية المقصودة والمدروسة.

نعم؛ قد نفرح أحيانا بامتلاكنا وشِرائنا لأشياء تبدو لنا مهمة وذات قيمة في المجتمع، لأن الإنسان بطبيعته لديه أحلام ولكن لا يعرف متى ستتحقق، ومَا منها سيبقى ومَا منها سيذهب أدراج الرياح، ومَا منها سيعود، لكن الإنسان الواعي بقدر حلمه العاقل المرتبط بالمنطق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد