بحث في اثر الارتباط العاطفي على وظائف الدماغ.

يعتبر توجه علماء الأعصاب لدراسة الحب الرومانسي حديث العهد، حيث كانت هذه الدراسة سابقًا محدودة بفعل انعدام تقنيات التصوير العصبي اللازمة لدراسة الآليات العصبية والإلكتروفيزيائية التي يمر بها الدماغ البشري أثناء اختبار هذا الشعور. ويستمر التقدم التكنولوجي في المساهمة في اكتشافات الجديدة فيما يخص هذا المجال مما يزيد بدوره من فهمنا لوظائف الدماغ البشري بشكل عام. يلجأ علماء الأعصاب بشكل عام إلى مخرجات علم النفس باعتبارها نقطة بداية لتحليل النتائج العلمية البيولوجية البحتة التي تواجههم في تجاربهم والوصول إلى خلاصة وفهم واف. سأركز في هذا المقال على المعطيات التجريبية العلمية التي تم استخلاصها من تجارب حاولت فهم التنسيقات العصبية التي تحدث في الدماغ البشري أثناء حدوث حب عاطفي ذي طابع رومنسي.

غالبًا ما تنطلق عاطفة الحب بناءً على وارد بصري مع عدم استثناء عوامل أخرى كالصوت، الفكر بجانب عوامل أخرى. لهذا ارتكزت الدراسات العصبية الاولى لهذه الظاهرة على تجارب تضمنت محفزًا بصريًا وبينت أنه عند النظر إلى وجه شخص نحبه بشكل عميق وشغوف يتم تفعيل مناطق معينة في الدماغ وبالأخص على مستوى القشرة المخية مراكز تحت-قشرية والذين يشكلون معًا أجزاءً مما يعرف بالدماغ العاطفي، مع الأخذ بعين الاعتبار استقلالية نشاط هذه الأجزاء عن بعضها. رغم ذلك، فالحب العاطفي شعور معقد جدًا حيث يتضمن عوامل كثيرة أخرى كالانجذاب الجسدي والغريزة الجنسية، لكن الأخيرين قد يحدثان في غياب هذه العاطفة بما يجعلهما مميزين عن الحب العاطفي الخام. يتوافق هذا التعقيد مع قاعدة أساسية في علم الأعصاب تنص على أنه إن كان لأحد القدرة على تحديد الفرق فإن هذا بالتأكيد يدل على انخراط عدة مناطق في المخ في الحكم. بناءً على هذه القاعدة فإن البنى التي تنسق الحب العاطفي على مستوى الدماغ بكل تعقيدها هي متمايزة تمامًا حتى لو كانت تشترك في مناطق الدماغ مع مشاعر أخرى مرتبطة بشكل كبير بالحب العاطفي.

  1. نظرة عامة حول الكيمياء العصبية المرتبطة بشعور الحب

تعتبر المناطق الدماغية المتدخلة في شعور الحب العاطفي على مستوى القشرة الدماغية (الفص الجزيري الأوسط، التلفيف الحزامي الأمامي، قرن آمون) وأجزاء من القشرة التحتية، النواة المخططية والنواة المتكئة عناصر أساسية تشكل معًا نظام المكافأة في الدماغ البشري. يخلق شغف الحب مشاعر البهجة والسعادة الشديدة. والمناطق التي يتم تنشيطها استجابةً للمشاعر الرومانسية تنسق إلى حد كبير مع مناطق الدماغ التي تحتوي على تركيزات عالية من مادة تعتبر متحكمًا عصبيًا مرتبطًا بالثواب والرغبة والإدمان وحالات النشوة، الدوبامين. مثل اثنين من المتحكمات الأخرى المرتبطة بالحب الرومانسي (الأوكسيتوسين والفاسوبريسين)، يتم إطلاق الدوبامين بواسطة المهاد الذي يقع في عمق الدماغ ويعمل كحلقة وصل بين الجهاز العصبي والغدد الصماء. تصبح المناطق نفسها نشطة عندما يتم ابتلاع عقاقير أفيونية خارجية مثل الكوكايين، والتي تحفز حالات النشوة. إن إطلاق الدوبامين يضع المرء في حالة «شعور جيد» ويبدو أن الدوبامين مرتبط ارتباطًا وثيقًا ليس فقط بتكوين العلاقات العاطفية ولكن أيضًا بالجنس، والذي يضيف إلى فكرة الجزاء في هذه المعادلة. تقترن الزيادة في الدوبامين بانخفاض في مغير عصبي آخر، السيروتونين، المرتبط بالشهية والمزاج. أظهرت الدراسات أن النقص الحاد في السيروتونين في المراحل المبكرة من الحب الرومانسي مشابه بشكل كبير جدًا للنقص المرصود في المرضى الذين يعانون من اضطرابات الوسواس القهري، فالحب في النهاية هو نوع من الهوس وفي مراحله المبكرة يجمد الفكر ويوجهه باتجاه فرد واحد.

يبدو أن الأوكسيتوسين ومغير عصبي آخر مرتبط به كيميائيًا (الفاسوبريسين) مرتبطان بشكل خاص بالارتباط العاطفي. يفرز كلاهما على مستوى المهاد ويتم تخزينهما وإعادة جمعهما في الغدة النخامية، ليتم إطلاقهما في الدم خاصة أثناء النشوة الجنسية عند كلا الجنسين وأثناء ولادة الطفل والرضاعة الطبيعية عند الإناث. عند الذكور تم ربط فاسوبريسين أيضًا بالسلوك الاجتماعي ولا سيما بالعدوان على الذكور الآخرين. يزداد تركيز كل من المغيرات العصبية خلال مرحلة التعلق والاقتران الرومانسي الشديدة. وتتوزع المستقبلات لكليهما في أجزاء كثيرة من جذع الدماغ والتي يتم تنشيطها خلال كل من الحب الرومانسي وشعور الأمومة.

من الجدير بالذكر أن الإثارة الجنسية تنشط المناطق القريبة من (وفي حالة ما تحت المهاد – المتداخلة مع) المناطق التي ينشطها الحب الرومانسي، في قشرة التلفيف الحزامي الأمامية، وفي المناطق التحت قشرية الأخرى المذكورة أعلاه. من المثير للاهتمام بشكل خاص في هذا الصدد أن تحت المهاد ينشط على السواء مع كل من المشاعر الرومانسية والشهوة الجنسية، ولكن ليس مع الأمومة. وبالتالي، فقد يكون تنشيطه سببًا للمكون الجنسي الموجود في الرومانسية وغير موجود في ارتباط الأمومة. علاوة على ذلك، فإن الإثارة الجنسية (والنشوة الجنسية) تعمل على إلغاء تنشيط منطقة معينة في القشرة الأمامية للدماغ مسؤولة عن الأحكام المنطقية والذي يتطابق مع المنطقة التي يعطلها الحب الرومانسي. قد لا يكون ذلك مفاجئًا، نظرًا لأن البشر غالبًا ما يدخلون في حالة تخل عن الحس المنطقي أثناء الإثارة الجنسية، وربما حتى تدفعهم هذه الحالة إلى سلوكٍ قد يندمون عليه لاحقًا عند انتهاء الشهوة والعودة إلى حالة أكثر عقلانية. إذا نظرنا إلى أدب الحب العالمي، فإن الحب الرومانسي يقوم على مفهوم أساسي وهو الوحدة بين الشخصين، الحالة التي بمقتضاها وفي ذروة العاطفة، تكون رغبة العشاق في الاتحاد مع بعضهم البعض ولتحقيق الوحدة. الاتحاد الجنسي هو أعلى نقطة يمكن للبشر الوصول اليها على سلم تلك الوحدة. قد لا يكون من المفاجئ إذن أن تكون المناطق المحركة لحالتي الحب الرومانسي والجنس مترابطتين.

  1. تثبيط الدماغ وجنون الحب

قد يبدو من المدهش مجرد التخيل بأن كل ما حدث في قصة قيس وليلى المشهورة هو نتاج بيولوجية عصبية متمركزة في هذه المجموعة المحدودة من المناطق الدماغية. ولكن تعلمنا قصص الحب التي قادت إلى الانتحار والقتل من جهة والبطولات والتضحية من جهة أخرى إلى إيقان أن هذه العمليات البيولوجية العصبية يمكن أن تؤدي إلى تفسيرات مضللة تقود إلى أفعال غير منطقية على الإطلاق. بالتالي فليس من المستغرب أن نجد أن مناطق الدماغ التي تتفاعل أثناء الحب الرومانسي لها صلات كبيرة بمواقع أخرى في الدماغ في كلتا المنطقتين القشرية وشبه القشرية على غرار القشرة الأمامية، الجدارية، الوسطى، وكذلك النواة الكبيرة الموجودة في قمة الفص الصدغي، والمعروفة باسم اللوزة المخية. تؤدي الزيادة في النشاط في مجموعة المناطق المرتبطة بالرومانسية في الدماغ إلى انخفاض أو وقف النشاط في بعض المناطق في قشرة الدماغ. تنشط اللوزة في المواقف المخيفة وتراجع نشاطها (عندما يشاهد الأشخاص صورًا لمحبوب رومنسي وكذلك أثناء عملية القذف عند الذكور) يعني تقليل الخوف. كذلك، فإن شغف الحب الرومانسي الجذاب يؤدي إلى تثبيط الحكم المنطقي على الامور أو إبطال معايير الحكم التي نقيم بواسطتها الأشخاص الآخرين وهي وظيفة القشرة الدماغية الأمامية. لذلك، لا ينبغي أن يكون عدم تفعيلها في الحالات الرومانسية وكذلك حالات الأمومة (عندما رؤية الحبيب) مفاجئًا لأننا عندما نحب بعمق، نعلق العمل بنظام الحكم المنطقي النقدي الذي نستخدمه في تقييم الأشخاص وقد نصدر تقييمًا رائعًا عن حبيب يراه الجميع سيئًا على سبيل المثال.

تشكل قشرة الفص الجبهي والتقاطع الجداري والفصوص الصدغية شبكة من المناطق النشطة دائمًا في حالات التفكير العقلي المنطقي أي القدرة على تحديد مشاعر ونوايا الآخرين. من الجدير بالذكر في سياق مبدأ الوحدة في الحب أن إحدى ميز التفكير الذهني من حيث «نظرية العقل» هي التمييز بين الذات والآخرين، مع إمكانية نسب مجموعات مختلفة من المعتقدات والرغبات للآخرين وللذات. للحصول على «الوحدة مع الحبيب» المتصورة (يتم دمج الذات والآخر) يجب وقف نشاط العملية التي بمقتضاها يتحقق التمييز بين الذات والآخر. ولكن في كثير من الأحيان يمكن تعليق العمل بالحكم المنطقي النقدي كذلك على الآخرين عبر ثقة تبنى وتتطور بين الأفراد وبالتأكيد مع الترابط العميق الذي ينشأ بين الأم وطفلها. هذه الحقائق المثبتة علميًا تعطي دليلًا علميًا على أن الحب فعلًا أعمى.

بالتالي فليس من المفاجئ أننا غالبًا ما نتفاجأ باختيار الشريك الذي يقوم به شخص ما، والسؤال بلا جدوى عما إذا كانوا في رشدهم حين فعلوا ذلك أم لا… في الواقع لقد فقدوه. وقد تقود هذه الحالة حتى إلى ضعف او انهيار القيود الاخلاقية والعرفية كما حدث حين التقى قيس بليلى عكس القواعد الأخلاقية والعرفية الصارمة في وقتهما أو ما نسمع عنه في مجتمعنا من تنازل عن قواعد اخلاقية قد يقود لكوارث تحت فكرة الحب، وهذا ليس مفاجئًا إذا اخذنا انفلات الحكم المنطقي بعين الاعتبار. إنه جنون الحب الذي لطالما وصفه الشعراء.

يجدر هنا الذكر أن تعليق العمل بالحكم المنطقي على الأشخاص مؤقت ومرتبط بوجود المحبوب. كما أنه اختياري بمعنى أن تعليقه اتجاه الشخص المحبوب لا يعني تعليق الحكم المنطقي على جوانب أخرى يحكم عليها في حياة الإنسان إلزامًا. على سبيل المثال قد يتمكن شخص أكاديمي من الحكم الجيد جدًا على كتاب علمي رغم أنه يعجز عن الحكم على الشريك أو ما يرتبط به.

  1. ما الذي يجري في عقل المحب؟

يضع معظم الناس يضعون معايير تفضيلية لنوع الشخص الذي يرغبون في حبه، ومن ثم فاحتمال وقوعهم في حب شخص يمتلك هذه المعايير كبيرة جدًا. تتجلى هذه المعايير التفضيلية على أشكال مختلفة ومن شبه المؤكد أنها مبنية، مثلها مثل أشياء أخرى، وفقًا للبيئة العامة التي صاغها الآباء والأمهات والثقافة التي عاش فيها الشخص ونوعية التجارب التي قد مر بها في حياته. كشفت دراسة حديثة ذات طابع إحصائي عن أن الرجل «المتوسط» الذي من المرجح أن تقع فيه النساء في الحب هو بعيد في صفاته تمامًا عن الصورة النمطية للرجل الجذاب للنساء. ولا ترتبط الخصائص المرتبطة بالرجل الأكثر رواجًا (الطبيعي) بالجاذبية الجنسية فحسب، بل ترتبط أيضًا بالخصائص التي توحي بسلوك الرعاية. من الواضح أن هذا الرجل العادي، الذي اخترنه الطالبات في جامعة سانت أندروز في أسكتلندا، هو نتيجة لمفهوم قد ينطبق فقط على البيئة التي أجريت فيها الدراسة. تكمن أهمية الدراسة في إظهار أننا بالفعل نشكل مفهومًا لنوع الشخص الذي نود أن نحبه حتى لو لم نكن على وعي بذلك.

في مسائل الحب والتعلق، يمكننا أن نذهب إلى أبعد من ذلك قليلًا ونرسم الخطوط العريضة للكيمياء التي تشكل أساس مفهوم الشخص المحبوب الذي يشكله الدماغ. لسوء الحظ، لا يمكننا القيام بتجارب لمعاينة ذلك على الإنسان بعد ولكن هذا ممكن بالنسبة للحيوانات الأكثر بساطة كالفئران والسمك والقرود. ولكن سيكون من الصعب تصديق أن نفس الآليات، على الرغم من أن هنالك شبه مؤكد في آليات أكثر تعقيدًا، تعمل في البشر. ربما تتمثل الخطوة الأولى في هذا البحث في النظر إلى كيمياء مناطق المخ البشري التي يتم تنشيطها أثناء الحب الرومانسي، وخاصة الأوكسيتوسين والفاسوبريسين والدوبامين. يتم تنشيط معظم مناطق المخ، بما في ذلك المناطق تحت القشرية، التي تم إثبات احتوائها لمستقبلات للأوكسيتوسين والفاسوبريسين من خلال الحب الرومانسي والأمومة.

لفهم دور هذه المواد الكيميائية بشكل أفضل في الارتباط العاطفي، علينا أن نعتمد على التجارب الحديثة على فئران Prairies voles. للأوكسيتوسين والفاسوبريسين العديد من التأثيرات ولكن الأكثر أهمية هو أنهم لا يشاركون فقط في الارتباط العاطفي بين الأفراد ولكن كذلك في التعلم والذاكرة في السياق الاجتماعي. بناءً على التجارب على هذه الحيوانات يبدو أن الأوكسيتوسين والفاسوبريسين يلعبان دورًا حاسمًا في تكوين مفهوم الوعي بالشريك الذي يريد كائن حي أن يكون معه تتدخل فيه الحواس بشكل يبني مفهومًا مستقرًا للغاية. تأتي الرائحة مرتبطة بتجربة ممتعة ومجزية مع شريك معين. نفس الشيء يعمل في المجال البصري كما تبين في الأغنام فبمجرد إطلاق الأوكسيتوسين في وجود مولود تتعرف الأغنام بصريًا على المولود وتتصرف بطريقة أمومية اتجاهه حتى يكبر. إذا تم تعطيل الجين لأي من هذين المغيرين العصبيين قبل الولادة عن طريق الهندسة الوراثية في فأر، فلن يكون الفأر قادرًا بعدها على تكوين تصور – أو مفهوم – حول الفئران الذين يلتقي بهم. في حالة شبيهة بفقدان الذاكرة تماما. هذه التجربة تدل على أن الوساطة الكيميائية العصبية تحمل جميع السمات المميزة لتكوين المفهوم.

  1. علاقة الحب بالجمال

الجمال كما هو شائع على مدى التاريخ ربما يكون أضمن طريقة لاستحضار مشاعر الحب. الجمال والحب ليسا أبدًا بعيدين عن الرغبة الجنسية لوجود علاقة بين شدة الحب والرغبة الجنسية علمًا أن الاثنين يتشاركان في مناطق محركة مشتركة في الدماغ. ليس من المستغرب إذن أن يكون الوجه الجذاب والشهوة الجنسية، فضلًا عن تجربة الجمال البصري، عاملين أساسيين في تفعيل جزء من الدماغ يعرف باسم القشرة الأمامية المدارية. ليست هذه هي المنطقة الدماغية المشتركة الوحيدة التي يشترك فيها جانبان من جوانب الحب الرومانسي. تفعل رؤية وجه شخص محبوب لدى المحب منطقتين قشريتين، هما الفص الجزيري والحزامية الأمامية، بالظبط كما تفعلهما المؤثرات البصرية المثيرة للجنس. الوجه الجذاب، وكذلك وجه شخص محبوب، لا تفعل فقط القشرة الأمامية ولكن أيضًا اللوزة، والتي يتم أيضًا تثبيطها عند عرض وجه شخص محبوب على المحب.

هذا يشير إلى أنه لا يعلق العمل بالحكم المنطقي على الأشخاص عند النظر إلى شخص محبوب أو مرغوب فيه فحسب، بل يتم تعليق الفضول والترقب اللذين كثيرًا ما نتفحص عبرهما وجوهم بحثًا عن علامات الانزعاج. علاوة على ذلك فإن القشرة المدارية الأمامية ترتبط مع اللوزة وغيرها من المناطق القشرية والمناطق القشرية السفلية – القشرة الأمامية المتأخرة، والبوتامين والتي تعمل خلال تجربة الحب الرومانسي. وبالتالي فإن العلاقة القوية بين الحب والجمال ربما ليست أكثر من تعبير عن العلاقة التشريحية المتقاربة جدًا بين المراكز التي تشارك في استيعاب العنصرين، ارتباط يجعل من الصعب فصل الحب عن الجمال.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
s