المحايد في ظل الحراك الشعبي الجزائري

لا أدري، هل أنا الشخص الغريب هنا، أم غيري؟

بينما أحتسي القهوة، في المقهى الذي يرتاده عامة شعبي، من رعاة الماشية إلى رعاة الساسة والسياسة، أستمع الى محاظرة يلقيها أحد الباحثين من هاتفي، لا أتذكر ما قاله المحاضر، ولكن ما أتذكره جيدًا وجوه الجالسين بجانبي، كلهم يتحدثون عن الوطن، والوطنية، والحرية، إلا أنا أفكر في الحب.

لم أتكلم مع زملاء المقهى يومًا، حتى إن البعض يظن أني متكبر، ولكن للصراحة لم أرد الكلام معهم لكي يكون المقهى مكان اعتزالي، فالاعتزال ليس معناه البعد عن البشر، ولكنه في نظري بناء وطن داخلك ولو كنت في مسيرة للقضاء على فكرة.

وكان هذا اليوم الاستثناء في قانوني، الشذوذ الذي يرمي بقاعدة صمتي نحو بوابة الكلام.

وكعادتي في تشمير ساعدي في بداية الكلام، واللعب بيدي لكي أستفز حواف نرجسية الآخرين، قلت أنا في صمتي حين حادثت ذاتي، إن الكبت هو حقيقتنا، نحن مكبوتون لطالما كنا مقيدون، مكبوتون، علمنا جيدًا طيلة هاته السنوات ما كان وما سوف يأتي، وكنا نجزع من الكلام في السياسة، ليس خوفًا من الحكومة، بالعكس لطالما اعتبرناه مزحة، مجرد شيوخ يلعبون في مسرح، ونحن المخرجون لهذه اللعبة، وفي لعبة الحياة لا بد من جانبين، أنا وشعبي أخذنا على عاتقنا، دور المظاليم المغلوب على أمرهم، وشيوخنا المساكين، أعجبهم دور الظلام.

ولطالما كان الصراع بيننا، الصراع كان على مراحل، لنقل في ثورتنا النوفمبرية الأولى أخذ الشباب دور الريادة، شباب العساكر، وتقلد ممثلنا الأول صورة البطل الرمزي، مع أنه انقلب عسكريا ًعلى صديقه إلا أننا كنا أطفالًا، أحببنا فكرة الرجل القوي، الذي في الأخير هو من نريد تقمص دوره، دور البطل الرمزي، ومع تعاقب السنوات أصبح الممثل الأول يرتدي الأقنعة، فلا نعرف من هو، ويومًا ما نحن أردنا اختيار ممثل آخر لربما يكون رحيمًا، أو أقل ظلمًا من الأول، فما كان من الأول إلا أن أراد قتله وقد قتل بعضنا، يا له من ممثل محترف، قتل الجميع باسم الحفاظ على الإنسانية من الاندثار، وبعد سنوات جاء جيل جديد أراد إحياء رغائبنا واختياراتنا من جديد.

قلت ما قلته ولم يسمعني أحد سوى أنا، ارتشفت قهوتي وذهبت عند أحد المتشردين، لأحكي له ما يشغل تفكيري، فوجدته يردد نفس كلمات الحراك، قلت له، إن من السياسة ترك السياسة، أصبح يلعنني، وذهب في وسط الزحام.

لا أدري أنا لم أقل شيئًا، ولكن وببساطة أريد أن أدخل الحراك عن اقتناع وليس عن طريق نمذجة لبعض الناس.

أعلم أن بقولك أنك مختلق لا يعني هذا أنك كذلك، ولكن لنصارح ذاتنا إنما أنا متوجه نحو طريق الموت، وأنت نحو طريق الحياة، قلت للطفل الذي سألني لم يا عم أنت محايد؟ وإن من السياسة ترك السياسة أنها السياسة الملعونة تجلب الخناسة والوضاعة والدناسة، قلت للمتشرد الذي جلس بجانبي في المقهى الآخر هذا، فضربني بجريدته التي يقرؤها بلمقلوب وذهب يلعنني.

هل كونك محايدًا هو ادعاء؟! هذا ما سألت نفسي به، تيقنت هنا أن لربما في الأمر حيلة مني، لربما الأمر كله لأبين لحبيبتي أني نسخة نادرة، كما يفعل الذي في الحراك، البعض أقصد، يرفع لافتة، رغم الحراك أنا هو الوفي لكِ.

تتداعى بعض الأسئلة على عقلي، لربما ويل لنا نحن المفكرين الباحثين في عقولنا عن أصعب الإجابات لذواتنا، بقي الكثيرون ممن هم على وطنية صحيحة على الحياد، خوفًا من أن الأمر هو لعبة جديدة لتغيير الأدوار، واختار البقية المغامرة والولوج في الحراك، وأنا اخترت في النهاية حديقتي أسقيها، وأدعو الله أن يحفظ جزائرنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد