النيوترينوهات هي جسيمات أولية ذات كتلة تقارب الانعدام، يتم توليدها بواسطة تفاعلات نووية. وتعتبر الشمس والظواهر الأخرى المجاورة لها مصدرًا للنيوترينوهات المنخفضة الطاقة، أما العالية الطاقة فتنتج عن طريق أحداث كونية بعيدة المدى مثل الثقوب السوداء، السوبرنوفا والانفجار الكبير.

على الرغم من أن ولفجانج باولي توقع وجود النيوترينوهات سنة 1930 انطلاقًا من قانون انحفاظ الكتلة والطاقة، إلا أنه لم يلاحظ أيًا منها تجريبيًا حتى عام 1956. وذلك لأن النيوترينو دائمًا يمر عبر المادة دون توقف. كل ثانية من كل يوم، يتدفق أكثر من ستة تريليونات نيوترينو عبر جسمك -يأتون مباشرة من قلب الشمس الناري- ولكن معظمهم  لا يتفاعل معه. وكما أثبتت بعض الدراسات أنه في المتوسط، يمكن لهذا النيوترينو اجتياز أكثر من ألف سنة ضوئية من الرصاص قبل التفاعل معه مرة واحدة.
إن حقيقة اكتشافنا لهذه الجسيمات السريعة الزوال هي شهادة على براعة الإنسان. ولأن قواعد الميكانيك الكمومي هي احتمالية، فإننا نعلم أنه على الرغم من أن جميع النيوترينوهات تقريبًا تمر عبر الأرض، فإن القليل منها سيتفاعل معها. كما أنه يمكن لكاشف عملاق أن يلاحظ مثل هذا التفاعل ولهذا السبب بالذات، تم بناء أول كاشف للنيوترينوهات القادمة من الشمس في الستينيات، و ذلك في عمق منجم ولاية ساوث داكوتا حيث تمتلئ منطقة المنجم بمائة ألف غالون من سائل التنظيف. في المتوسط، يتفاعل نيوترينو واحد كل يوم مع ذرة من الكلور في السائل، ويحولها إلى ذرة من الأرجون. على نحو لا يسبر غوره، اكتشف الفيزيائي المسؤول عن الكاشف، ريمون ديفيس الابن، كيفية اكتشاف هذه الذرات القليلة من الأرجون، وبعد أربعة عقود، في عام 2002، حصل على جائزة نوبل في الفيزياء لهذا العمل الفني المذهل.

ولكن تبين بعد ذلك الحين، أن كاشف ديفيس قادر على كشف نوع واحد من النيوترينوهات من بين الثلاثة أنواع الموجودة حاليًّا (النيوترينوهات الالكترونية، الميونية والتاوونية ) .

وبما أن النيوترينوهات تسمح لنا أيضًا بمراقبة الكون في أصغر نطاقاته، أصغر بكثير من تلك التي يمكن بحثها حتى في مصادم هادرون الكبير، في جنيف، الذي اكتشف قبل ثلاث سنوات بوزون هيغز، قررت لجنة جائزة نوبل منح جائزة أخرى كانت من نصيب طاكاكي كاجيطا لاكتشاف آخر للنوترينو سنة 2015.

وبقيادة هذا الأخير، تم إنشاء كاشف داخل منجم في اليابان، مصمم للكشف عن النيوترينوهات التي لا تأتي من الشمس ولكن من الطبقة العليا من الغلاف الجوي. ومع تصادم بروتونات الأشعة الكونية مع الغلاف الجوي، فإنها تنتج زخات من الجسيمات الأخرى، بما في ذلك النيوترينوهات الميونية. في المنجم، تتناثر تلك النيوترينوهات الميونية قبالة نوى الهيدروجين في الماء، وتتحول إلى ميونات يتم التعرف إليها عن طريق اللون الأزرق المنبعث على شكل مخروط أو ما يسمى بإشعاع شيرينكوف.

هذه أشياء غريبة ومذهلة، لكن لماذا يجب أن تكون تذبذبات النيوترينو جديرة بالاهتمام الشعبي، أو حتى العلمي؟ السبب بسيط.  يخبرنا التطور الذي حصل على مدار الخمسين سنة الأخيرة من القرن العشرين للنموذج المعياري لفيزياء الجسيمات، والذي يضم حاليًّا الليبتونات، الكواركات، بوزونات جوج وبوزون هيجز، أنه ما زال هناك شيئًا مفقودًا. لا يمكن أن يكون النموذج القياسي كاملاً. هناك فيزياء جديدة متبقية يمكن اكتشافها، ربما في مصادم هادرون الكبير، أو عن طريق آلة أخرى لم يتم بناؤها بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد