مرة أخرى تعود للواجهة قضية المغدورة نيفين عواودة، قضية الرأي العام الأولى في الشارع الفلسطيني 2017، قضية القتل الأخطر التي حاطها كثير من التساؤلات والشكوك والاتهامات،القضية التي أشعلت وسائل التواصل الاجتماعي منهم المتضامن ومنهم المصطاد بالمياه العكرة، من استغلها سياسيًا وإعلاميا لأسباب غير نبيلة ومنهم من استغلها لهدف نصرة الحق والعدالة.

بجميع الأحوال قضية نيفين سلطت الضوء بقوة، بقصد أو بغير قصد، وأعادت الحديث بقوة في الشارع الفلسطيني عن الفساد الحكومي وغير الحكومي الذي يعتبر الوجه الآخر للاحتلال وحليفه الضمني، بقصد أحيانًا وبغير قصد أحيانًا أخرى، بل يعتبر البعض أن الفساد سبب جوهري وأحد الموانع لفشلنا السياسي الذريع بعدم إقناع العالم أننا شعب يستحق دولة ويستحق استقلالًا بعدم وضع الرجل المناسب في مكانه المناسب.

قضية نيفين سلطت الضوء على التعليم، أحد أهم أسس وأركان الشعوب التي تحترم نفسها، التعليم الذي نقل شعوبًا مهزومة ومدمرة ومنكوبة من الدرك الأسفل إلى أرقى وأغنى الأمم، عادت هذه القضية هذه المرة على شكل عطوة عشائرية وحكم عشائري، الأمر الذي شخصيًا لا أفهم فيه ولا أفتي فيه بتاتًا، لكن رأيي المتواضع أن نيفين لم تقتل يوم فارقت الحياة، نيفين كانت تقتل كل يوم عبر عمليات تهديد وتشويه وابتزاز، اعتقد أن القاتل المعلن عنه سواء كان صحيحا أم غير صحيح هو الحلقة الأخيرة في الجريمة، حيث صرح ما يعرف بالمنشد وهو القاضي العشائري البدوي الذي احتكم إليه أهل المغدورة ما يلي (وأنا من اطّلع على الاعترافات التي قدمتها الأجهزة المختصة وخاصة ما قاله الضميري المتحدث باسم (الضابطة العدلية)).

هذا الاعتراف عجزت عنه كافة الدراما التركية والافلام الهندية، عجز الاثنان ( التركي والهندي ) عن كتابة دراما بهذه القدرة وبهذه السيطرة ولكن بما أن ابن حسونة (المتهم) جلس في هذا المجلس وأخذ عطوة اعترافًا فإنه يتحمل ما يصدر عنا من حكم، هناك حلقات سابقة أوصلت المغدورة إلى هذه الحال لكي تكون فريسة سهلة للقتل، برأيي أن تحقيقًا شفافًا ونزيها وعادلا من بداية قضية المغدورة حتى مقتلها بات ضروريًا، التحقيق الذي لن يعيد نيفين للحياة لكنه ينصر العدالة وينصف المغدورة في قبرها وأهم شيء يعتبر ضامنا وحاميا لأبنائنا في المؤسسات حتى نخلق منهم جيلا مستقيما صادقا لا يخاف في الحق لومة لائم، وحتى لا يتحول أبناؤنا إلى فريسة لكل لص وفاسد.

لقد أنشأت السلطة الفلسطينية هيئة تسمى (هيئة مكافحة الفساد الفلسطينية) بموجب قانون مكافحة الفساد المعدل رقم 1 لسنة 2005 وترأسها أحد مناضلي حركة فتح القدامى السيد رفيق شاكر النتشة، وتم عمل دعايات إعلانية وإعلامية بالتعاون أيضا مع جهات تمويل أجنبية أوروبية عبر وضع إعلانات ولافتات في الشوارع ونشرات توعية مع أرقام هواتف وإيميلات…، وتم الحديث عن إنجازات هنا وهناك مثل استعادة بعض الأموال المسروقة ومحاكمة بعض الأشخاص المتهمين بالفساد، وفرار بعضهم من البلد بعد أن سرقوا ما سرقوه ونهبوا ما نهبوه ليستثمروا تلك الأموال المسروقة من أموال الشعب الفلسطيني في مشاريع استثمار خاصة بعضها في دول عربية شقيقة وجارة لفلسطين، وراود الفلسطينييين مؤخرا آمال من قدرة السلطة الفلسطينية بعد قبول انضمامها إلى الإنتربول الدولي على جلب عدد من هؤلاء عبر تقديم طلبات لاعتقالهم من الدول المنضمة للمنظمة الدولية (الإنتربول)،لكن لاحظ المراقبون أيضًا أن هذا الجهاز المسمى هيئة مكافحة الفساد قد تكون مصروفاته وتكلفة إنشائه باهظة، فبالرغم من تمويل برامجه الدعائية إلا أنه كلف خزينة السلطة الفلسطينية أكثر بكثير مما جلبه لها من أموال.

جريمة مقتل نيفين ليست جريمة قتل عادية جنائية بقدر ما هي جريمة اغتيال سياسية مقصودة، أراد فاعلها ومن يقف خلفها إيصال رسالة للكل الفلسطيني مفادها (لا تعبثوا معنا) إن من يفكر أن يقف في طريقنا مصيره الموت، وهناك من سيعترف وستأخذ العدالة مجراها وسيغلق الملف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد