ما إن تسير في شوارع المدينة، حتى يلفُك ضجيجُ التعلقِ بالحياة، كل الأشياء هنا تخطّت حدود الموت، لا شيء ينبضُ أكثر من حُلمٍ صغير يبيتُ كل ليلةٍ على نافذةٍ تتكئُ على جدارٍ هش.

في حضن المدينة الصغيرة.. ينامُ الحصار شبحًا، ما إن ترحل ظُلمة الليل حتى تفيق ملامحه البشعة لتتمرد كما كل صباح على كرامةٍ ما جثت على رُكبتيها يومًا.

في غزة.. أنت على موعدٍ مع سيدة مدن العالم، تلقاك بحكايا الألم وقصص القهر التي صارت قلادةً ثمينة تُزين عُنق التاريخ، يُطل عليك وجه المخيم البائس في حبل غسيلٍ تعلقت عليه آمال جيل مسلوب الحاضر والمستقبل، تبتسمُ لك حبًّا، تأخذك إلى حدودٍ ما نكّست الراية يومًا، فترقُب قلاعًا من الصبر ما إن تنجو من حلقةٍ أرادت لها الإعدام جوعًا، حتى تراها من جديد على مقصلةِ الحرب والدمار.

في مدينة الظلام.. شموعُ الحبِ لم تعُد لغةً للجمال، استثناء وفي عتمةِ منزلٍ مُشوه الجدران، تلتهمُ بوحشيةِ المُحاصِر أجساد الطفولة حرقًا، عُلبة الحليب هنا باتت بيد الرضيع تُهمة، وحقيبةُ المسافر صارت خطرًا قوميًّا يهدد أمن الدول والشعوب.

في هذه البقعة التي حيرت أمُمًا وأذلت هامات.. يُصبُ الموت حممًا على أسطحِ صفيحٍ نخرته شظايا حرب لا تعرف للإنسانية سبيلًا، تُدفن فراشات الحياة تحت ركامٍ ما سقط إلا مُنتصب الهامةِ شامخ الجبين.

تُبترُ ساق زهرة ما كبُرت إلا انتصارًا على عُشبةِ تمنت لها الانحناء ذبولًا، تُحرق الأحلام، فتحُال رمادًا يحمله غيمُ السماء مطرًا، ترحلُ هذه البشعة.. بجُندها وخيبتها، تختبئ خلف الهزيمة وتسيرُ مُتثاقلة الخُطى لجحورٍ ما كانت إلا للصوصِ الحق سارقي الأرض مغتصبي الهوية.

غزة اليوم.. لم تعُد فصلًا صغيرًا في رواية تقرؤها الأجيال على عجل! هذه الجميلة، تعبُر اليوم التاريخ بأحلام طفلٍ يبتسمُ أملًا لحياةٍ لم تمنحُه أكثر من الموت.. يلونُ البحر برصاصة، يرسم ياسمين الصباح ببقايا قنبلة، بين بقايا غرفته الصغيرة، يحتضنُ الأمان ” دُمية “.

ممرُ التاريخ هذا لم يعد يتسع لأكثر من موكب تسير فيه غزة كفاتنةٍ لا يملك عاشقها ثمن وردةٍ حمراء، فيمنحها الروح رخيصة، ويرتقي إلى السماء رفيقًا للنجوم.

تحت شجرة الزيتون منتصبة الجذع والغصن، يترك لها رسالة كُتبت حروفها بأحمر القلب لا الورد: “أنت غالية.. وحدهُ الدم من سيحمي عهد الحب”، صباح كل يوم.. ستشرق حكاية المدينة التي أعشق على جبين الشمس، تنثر حروف الأمل فخرًا، لترسم بقلوبٍ تنبض للحق والأرض خارطةَ وطنٍ بات منارة لكل باحثٍ عن الحرية.

سيأتي الليل أيضًا مساء كل يوم، لتبقى “غزة ” وحدها قمرًا ينيرُ سماء مدن العالم، فالمدينة التي لا تموتُ انهزامًا، لا تنامُ حبًّا!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غزة
عرض التعليقات
تحميل المزيد