في طريق النجاح لا بد من وجود مطبات صناعية، يصنعها الآخرون لأهدافٍ متباينة باختلاف نظرة كل منهم للحياة. من بين تلك المطبات ما يضعك على الطريق الصحيح إذا ضللت عنه، ومنها ما يبعدك عن الطريق المفترض جملةً وتفصيلًا، يمكنك اعتبار الفئة الأخيرة من المطبات بمثابة إعلان عن طريق مسدود! فإما أن تسلك طريقًا مغايرًا يقودك لهدفك، وإما أن تقف مكانك وتجتر الذكريات المؤلمة دون جدوى، وقد تبكي دون طائلٍ على اللبن المسكوب، وأنت في هذه الحالة على يقين بعبثية الخيار الأخير.

أثناء المرور بطريق غير ممهد يشعر المرء بضيق الصدر، أحيانًا يخرج عن شعوره وقد يرتكب حماقات، تتشوه الصور الجميلة في مخيلته، ويصبح أبعد ما يمكن عن الاتصال بشبكة التفاؤل والنجاح! تنهال عليه اللحظات الكئيبة كالتي فارق فيها حبيبة عمره، ولحظة رسوبه في امتحان قبل أعوامٍ خلت، أو عدم قبوله في وظيفةٍ كان يتحرق قلبه لها شوقًا، وتجلده سياط الذكريات المؤلمة، ولربما جنح للاستماع لأغاني الكآبة والدموع.

هناك من يرتمي في أحضان الكتب، والقراءة تنقلنا لعوالم الحياة بأطيافها المختلفة، بيد أن الذين أصروا على التشاؤم ينتقون مجموعة من الكتب تعزز جو الكآبة؛ يهرولون لكتبٍ تنضح باليأس فيعايشون أحداثها بكل التفاصيل، ويستعيرون بؤس الأحداث ويسمحون لها بمشاركتهم حياتهم! من مطالع شبابي وأنا أهوى الشعر، وذات صباح قرأت بعض قصائد نازك الملائكة؛ إلا أنني وعلى غير عادتي أغلقت الكتاب قبل أن أنتهي منه.

استولى علي تفكير غريب حين قرأت لنازك الملائكة، وتوالت أسئلة لا حصر لها علي؛ فلم أفهم مبرر النظرة التشاؤمية الصرف التي كُتِبت بها تلك الأبيات، وبعد فترة ليست بالقصيرة عاودتني الأسئلة نفسها، ولكن أحاديث بعض الأصدقاء عن النكد الذي يغلف حياتهم! وحسدهم الشنيع لي على أنني بفضل الله ورحمته في راحة منه! كان يوهمني بأن الأمر له علاقة بطبيعة الأنثى التي تعشق النكد عشقًا أزليًا، كما أن هذا المبرر السخيف عززه في مخيلتي عداء توفيق الحكيم للمرأة. وكيف لامرأةٍ لها بصمة قوية في الشعر العربي، وتعد من رواد الشعر الحر – بالإضافة إلى بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري – أن تسيطر عليها النزعة العدمية لهذا الحد وبهذه الصورة!

قرأت في علم النفس ولم أستبعد الأبيات التي طفحت مقتًا لكل أشكال الحياة؛ فعدت أدراجي لديوان نازك الملائكة لأقف على بعض الومضات الشاحبة، وأدركت أن السعادة تنبع من الداخل لتنطلق في كل أرجاء الكون من حولنا، وأن المرء يصنعُ جنته بنفسه بغض الطرف عن المكان الذي يحتويه. لمع في ذهني الإمام ابن تيمية حين أودِع سجن القلعة بدمشق وكلماته الزاكية: «ما يصنعُ بي أعدائي؟ إنَّ جنَّتي وبستاني في صدري، أين رحت فجنَّتي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وإخراجي من بلدي سياحة، وقتلي شهادة».

السعادة كرة من الثلج يزداد حجمها بالحركة، وهي فيروس يُعدي كل من حولك بدرجاتٍ متباينة، فلا تبحث عن السعادة بين أكوام الوهم وموسيقى الشجن، ولا تبحث في الظلام عن سر إكسير السعادة. السعادة تشرق كالشمس من داخلك لتبدد أوهام اليأس والفشل والاكتئاب، لقد أوسعت نازك الملائكة نفسها قلقًا وبؤسًا وهي تبحث عن السعادة! وتتساءل من أين يأتي الألم؟ فالحياة دار الشرور وزارعة الأشواك، ولا مكان للسعادة في قصور الأغنياء ولا ديار الكادحين الفقراء، لا مكان للسعادة تحت الشمس!

اعلم صديقي أن النظرة التشاؤمية للحياة يعقبها واقع مؤسف، وقد كان من لطف الله بنازك الملائكة أن حياتها قد تحولت من التشاؤم الصِرف المركز إلى نظرة تشاؤمية أقل حدة. صحيح أنها لم تلقَ ما تستحقه من تكريمٍ يليق بها، كما أنها عانت من المرض الذي صبغ حياتها بالنظرة السوداوية للحياة، لكنها تمكنت من الانتقال لدرجة أقل حدة وأخف تأثيرًا. إن كنت تصدق قانون التوقع: «بأن ما نتوقعه هو ما نحصل عليه»؛ فعليك التفكير بشكل إيجابي فورًا، افعل ذلك مهما كانت الأحداث مؤلمة والواقع مزريًا، فكر بإيجابية حتى وإن كانت غرفتك أنموذجًا في الفوضى والإهمال، فكر بإيجابية وإن كانت حبيبتك قد صمت أذنيك بسيمفونية من التأنيب والتقريع، فكر بإيجابية وإن لم يكن مديرك يرى فيك أي فرصة للتقدم أو التحسن، فكر بإيجابية مهما يكن الأمر.

لقد توقع شكسبير أن يسرق جثمانه من قبره بعد وفاته؛ فكان له ما توقعه! كتب على قبره رسالة يقول فيها: «مباركٌ الرجل الذي يحفظ هذه الأحجار، ولتحل اللعنة على من يحرِّكُ عظامي». سُرق جثمانه مرتين رغم الكلمات التي كتبها؛ لأنه توقع أن يُنبشَ قبره وما توقعه قد وقع بالفعل. هل تتوقع أن تكون ضحية؟! لا أنصحك بذلك؛ فاطرد الأفكار السلبية واستعن بالله ولا تعجز؛ فكلُّ متوقعٍ آت، وإن غدًا لناظرهِ قريب.

تَفَاءَلْ بِمَا تَهْوَى يَكُنْ فلقلما *** يُقَالُ لِشَيْءٍ كَانَ إِلا تَحَقَّقَ

في حادث الإفك أنزل الله على المصطفى قرآنًا يتلى: «لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ»؛ فلعلَّ الشرَّ أن يكون كامنًا في الخير وأنت لا تدري، لذلك لا تبتئس وانهض فإن الحياة تستحق أن تعيشها بتفاؤل. هل سمعت بمن قطع يده لينجح؟ هو لم يفعل ذلك بناءً على نصيحة الطبيب، ولم يفعلها ليتخلص من التزامات فُرضت عليه. ما أقسى أن يلمس المرء خدشًا بجسده! فما بالك بمن يقطعُ يده بنفسه! إنه متسلق الجبال الأمريكي «آرون رالستون».

صورة آرون رالستون.

خرج يومًا لممارسة هوايته المفضلة، ولأن الأمور لا تسير وفق أجندتنا الشخصية؛ فقد هوى بين الصخور ولكن ليس هذا هو المأزق، أبت إحدى الصخور الصماء إلا أن تقبض في غير رحمة على ذراعه اليسرى لأجلٍ غير مسمى. كان وحيدًا في هذه المغامرة الكئيبة، ويذكرنا ذلك بالأعرابي الذي ضل طريقه في الصحراء، وقد نفد زاده وأشرف على الهلاك؛ فأنشأ يقول:

إذا شابَ الغرابُ أتيتُ أهلي *** وصارَ القارُ كاللبنِ الحليبِ

والغراب لا يشيب، واللبن لا يستحيل أسود بطبيعته! ظل أرلستون يكافح شبح الموت المحقق، ويحاول جاهدًا أن يدفع الصخرة دفاع اليائس، استمر على حاله خمسة أيامٍ وأربع ليالٍ مرت عليه مرور الكراسي تحت الحكام العرب! لم يجد أي فرصة للنجاة، فالصخرة ترفض التفاوض، وذراعه استكانت لمصيرها وتطالبه بالموت، إلا أن رالستون كان محبًا للحياة؛ فقرر بتر ذراعه لينْعَتِقَ من هذا الأسر المهلك.

جاءت فكرة بتر الذراع على بشاعتها طوق نجاة رالستون، تمامًا كما سمع الأعرابي طوق النجاة من هاتفٍ لم يره رَدَّدَ على مسمعه قول هدبة بن الخشرم:

عَسى الكَربُ الَّذي أَمسَيت فيهِ *** يَكونُ وَراءَهُ فَرَجٌ قَريبُ

أقبل رالستون على قطع ذراعه كحيلة أخيرة للنجاة، ونجح في مهمته القاسية، ولم يجلس حبيس الموقف الرهيب ليجتر الأسى والأسف، بل إنه اليوم متحدثٌ تحفيزي يجوب العالم؛ ليصرخ في كل من يدوزن على أوتار اليأس، وينتزع من قلبه الأفكار القاتلة، فالحياة تطلَّبُ أن تتعامل معها بمرونة وإيجابية باستمرار. إن كنت تبحث عن النجاح فإنه سيبحث عنك ريثما تلفظ السلبية، وسيصحبك ما تعمقت في طرد اليأس من قاموسك. فقدَ رالستون ذراعه ولكنه اكتسب حياةً بأسرها، وسعى لنقل تجربته الفريدة للآخرين، وأنت يمكنك أن تكون محفزًا لمن حولك بتفكيرك الإيجابي والتفاؤل المشرق؛ فابتسم وقل للصعاب: أنا أقوى من الهزيمة.

معاناة رالستون بتفاصيلها يمكنك الوقوف عليها عبر مشاهدة فيلم (127Hours) ولست بحاجة لأن توضع في الموقف ذاته لتتذكر ما تملكه من نِعمٍ تطرد بها اليأس والهزيمة من داخلك.

شاهد الفيلم. 

بإمكانك خوض الحياة على النحو الذي ترغبه؛ فقاتل ولا تستسلم مطلقًا، يأتي الاستسلام سريعًا إلا أن الفاتورة المترتبة عليه قاسية، وإن كان التحدي مريرًا في بعض المواقف، لكن نتيجته الرائعة تمتد لأبعد مما نتخيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد