عاد من المدرسة محبطا سئما، مكسور الظهر من ثقل ما يحمله من كتب فوق ظهره طول الطريق، وقال لأمه معترضا “لم يتوجب علي إهدار الوقت في دراسة أشياء لن أستخدها في حياتي العملية؟” فقالت له: “لأنك إن لم تحصل على درجات مرتفعة فلن تستطيع أن تلتحق بالجامعة، وقد لا يتوفر لك وظيفة مناسبة، وتفوت عليك فرصة الحصول على مصدر دخل مادي آمن ومستقر، تحقق منه وفرة مالية لمستقبلك ومستقبل أبنائك، وكانت جل ما تحلم به الأم أن يكون له مستقبل أفضل، وأن يحفظ مكانه في سباق الحياة فيحصل على تعليم جامعي مناسب، فيتوفر له فرصة في وظيفة جيدة، ويتخذ زوجة ويكون لهم أبناء، لم يستطع الابن أن يخفي امتعاضه وأومأ برأسه مللا وقال لها: أمي انظري حولك واكبي التقدم فمعظم الناجحين أو الأثرياء لم يحققوا أي نجاح بتعلمهم، لقد تغير العالم ولم تتغير نظرتك للأمور.

هل يضمن التفوق الدراسي النجاح في الحياة؟
أصبحنا نعاصر فجوةً كبيرةً بين مُخرجات العملية التعليمية، وبين سوق العمل وما يتطلبه من مواصفات وكفاءات، لقد تغيرت الطريقة التى يمارس بها العالم العمل بشكل جذري في العقدين الآخرين، وتسارعت وتيرة التطور التكنولوجي، والنمو الاقتصادي، وما زلنا نلتزم بالنصيحة الأبدية العتيقة البالية “ذاكر جيدا حتى تدخل الكلية التي تريدها”، وما إن تدخل الكلية التي يختارها لك مكتب التنسيق حتى تجد نفس الجملة تلاحقك” لا بد أن تحصل على تقدير عالٍ حتى تضمن وظيفة جيدة”، وما إن تتخرج من رحلة التعليم المكوكية، حتي تجد نفسك في رحلة أزلية للبحث عن الوظيفة المناسبة.

إن أخطر نصيحة قد تقولها لابنك هي أن يذهب للمدرسة ويحصل على درجات عالية، ويبحث عن وظيفة آمنة مستقرة. فتلك نصيحة عقيمة ومضرة فإن أردت أن يحقق ابنك مستقبلا آمنا، فلن يستطيع اللعب بالقواعد القديمة فذلك أمر بالغ التعقيد، قد تكون هذه النصيحة جيده لمن ولدوا قبل عام 1950، لكنها تصبح ضررا على أولئك الذين ولدوا في عالم سريع التغير، تغير العالم واهتمامه وأيضا احتياجاته، فلم يعد يكفي مجرد الحصول على شهادة جامعية حتى ولو كانت جيدة لتحقيق الاستقرار والأمان.

عندما تجد نفسك تسدي هذه النصيحة لأبنائك، فاعلم أنك تفعل ذلك اتباعا للعادات والتقاليد الثقافية، ظنا أنها الأفضل، وأنها مسلك للطريق والجانب الآمن، ولكنها أصبحت النصيحة الأكثر حمقا وسخافة الآن، وقد تخشى أن تتبنى دعوة للتخلي عن التعليم التقليدي كليا، وتتجه نحو التعليم البديل الذي يأخذ أشكالًا عدّة ويختلف كلّ الاختلاف عن التعليم العام. ويشمل التعليم البديل على سبيل المثال، والمدارس الصديقة، ومدارس مونتيسوري، والتعليم المنزلي، الذي يعتمد على استبدال المعلّم في المدرسة بالأمّ والأب في البيت، حيث يكون ابني هو مركز العمليّة التعليميّة، وليس المنهج والامتحان هما الأساس، رغم ظهور هذه التجارب الجيدة والرائدة في هذا المجال، وقد يبقى أمامك تحديات قوية بالخوف من الفشل في هذه التجارب أو خوف من المغامرة بمستقبل أبنائك، أو أنك ما زلت تؤمن بأن التعليم التقليدي بها مواد علمية مفيدة وضرورية للمعرفة.

والمشكلة في عدم القدرة على شرح كيف نستفيد من هذه العلوم والمعلومات، وكيف يمكن أن نستخدمها في حياتنا اليومية، والتي وإن اتفقت معك تبقى خارج المنافسة لسوق العمل.. ولكن على الأقل حاول أن تكون واقعيا، لا تقسُ على أبنائك من أجل أن يتفوقوا في الدراسة، وأنت تعلم حقيقتها جيدا. ولا تصب مفهوم كليات القمة في نفوسهم وإرعابهم من ضياع مستقبلهم إن لم يدخلوا أحد هذه الكليات.

فنحن بحاجة إلى نصيحة أكثر عمقا وأكثر صدقا، بحاجة إلى أفكار جديدة وتعليم مختلف يتناسب مع واقعنا واحتياجتنا العملية، نحتاج منظومة متطورة ترفع من كفاءات المعلمين والبرامج التعليمة، وتكتشف قدرات الطلاب ومواهبهم وكيفية حسن استغلالها وتوظيفها في خدمة المجتمع وتحقيق الأمان والاستقرار المالي، وتعليم خاص بثقافة المال وإدارته أو استثماره لمواجهة عالم يقظ مترقب لهم، عالم يحتل فيه ثقافة الإنفاق أهمية تتجاوز أهمية الادخار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد