كم احترقت القلوب الحية، ودميت العيون الخاشعة، واعتصرت الصدور حسرةً على أحباء غابوا عن الأنظار!

– غابوا غرقى في دمائهم الزكية، سالت على الأرض أنهارا تجري، سفكتها يد آثمة في ساعات غدر لن يغفر لها أولياؤها أبدا
.
– أو أكلت أجسادهم الشريفة نار حقدٍ وكرهٍ وبغض، لكنها لم تمس أرواحهم بسوء، فما لها إلى أرواحهم سبيل.

– أو احتبستهم أسوار الظلم والقهر، هي أسوار الخوف منهم، وخشيتهم والحقد عليهم، لا أسوار متملك قادر متمكن منهم وإن بدا ظاهره أمام أعين المخدوعين كذلك.

– أو غابوا عن أحبائهم وفلذات أكبادهم فارين بدينهم ودعوتهم وقضيتهم من بطش ظالمين مجرمين، ليسوا هاربين منسحبين فارين من الزحف، حاشاهم أن يكونوا كذلك! إنما هم متحرفون لقتال، أو متحيزون إلى فئة تنصرهم، وتعاونهم على إعداد العدة، والتقاط الأنفاس، وترتيب الصفوف، وتنقية النفوس، ومراجعة الخطوات، ومدارسة الإمكانيات، والتزود بما يلزم من زاد، ثم إعادة الكرة مرة أخرى يوم أن يأذن لهم ربهم.

وكأن حال كل واحدٍ من هؤلاء يتغنى بما تغنى به من قبله شيخ الإسلام: “ماذا يفعل بي أعدائي؟! إن سجنوني ف”خلوة”، وإن نفوني ف”سياحة”، وإن قتلوني ف”شهادة”. رحمك الله يا مرشد المجاهدين وفارس العلماء.
كم تألمت الأنفس الشريفة الحرة من هول تجبر الطغاة، وقلة حيلة أصحاب الحق، وغفلة المستعبدين، بل وتلذذهم بقيود العبودية حول رقابهم! وكم زاد من هذا الألم، كثرة الغافلين من حولنا، هم أهلنا وذوونا، هم رفقاء الدرب طول العمر، هم أهل الجوار والصحبة، بل منهم هؤلاء الذين كانوا يوما أحرارا، ثم اثّاقلوا إلى الأرض!

كم عايشنا لمسات من حياة الأنبياء والمرسلين! نعم لا سبيل إلى مكانتهم كمًّا ولا كيفًا ولا قدرًا ولا مكانة، فأين نحن منهم؟! لكنها نفس الطريق ونفس السنن، “أكثر الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل”، نسير على نهجهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، فلا عجب إن أصابنا بعض ما أصابهم.

* كذبوا وأوذوا في سبيل الله، وكذبنا وأوذينا، نسأل الله أن يكون كل ذلك في سبيله وحده، وهذه سنة الدعوات والرسالات، ومصير الرسل والدعاة في كل عصر ومصر، “ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا”.

* منهم من قتل ومنهم من سجن، وقتل منا وسجن منا، “ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين”، وما أصحاب الأخدود من ذاكرتنا ببعيد! ألم تروا أحفادهم أمام أعينكم يحرقون أحياء، ما صدهم ذلك ولا زحزحهم عن مكانهم خطوة واحدة؟! “وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد”.

* منهم من سفهت كلماته وسخر من عقله وفكره واتهم بالجنون والسحر، وسفهت كلماتنا وكنا موضع سخرية الساخرين واستهزاء المستهزئين، واتهمنا بالجنون والخبل والعته، وكل عيب ونقص في العقل والفهم، “إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون. وإذا مروا بهم يتغامزون. وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين، وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون”.

* منهم من كفر بدعوته أقرب الأقربين، وحاربه من هو أعز الناس عليه، وقد كفر بقضيتنا أهلنا وأرحامنا، وأيد ظلمنا ودعم ظالمنا وساند قاتلنا من هو أحق الناس بالذود عنا، ليشتد يقيننا يوما بعد يوم بقول ربنا: “إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء”.

* منهم من اتهم في عرضه وشرفه وكرامته، وقد اتهمنا بأفظع التهم، وكان الخوض في أعراضنا زورا وبهتانا، مباحا لكل خسيس رخيص، وزاد من هول المصيبة أن صدَّق هذا البهتان والافتراء من هم أعرف الناس بشرفنا وعفتنا، بل ولاكت ألسنتهم الكذب وخاضوا مع الخائضين، “إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم”.

* منهم من كذبه قومه رغم توالي الآيات والمعجزات والدروس والعبر، وكذبنا قومنا رغم الدلائل والبراهين التي لا يعمى بصره عنها إلا كل أعمى البصيرة ومظلم القلب أسوده، “إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”.

* منهم من قتل ولم ير بشائر نصرة دعوته ورسالته بعد، ومات وقتل منا من هم أطهرنا قلبا وأنقانا سريرة وأعرفنا بالطريق، مات ولم يعش عمره في دعوته إلا مظلوما مستضعفا مستباح الدم والعرض والمال، مات ليلقى ربه في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، مات وقد صدق ما عاهد الله عليه، ومنا من بعده من ينتظر وما بدل تبديلا، نعوذ بالله أن نبدل أو نغير أو نذل أو نضل.

* منهم ومنا، ومنهم منا، والأمثلة لا تنتهي، نزعم أنا أصحاب رسالة ودعوة، نزعم أننا أصحاب الحق المتمسكون به، نزعم أننا خلف لسلف، ملك الدنيا قرونا، ونسعى – كما سعوا – إلى تعبيد الأرض لله وحده، نزعم أننا مستخلفون من قبل الله في أرضه، ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، نزعم كل هذا والله حسيبنا وهو أعلم بسرائرنا، وهذه عقيدتنا.

إذا كنا كذلك، ونرجو الله أن نكون، فليعلم كل منا:

أولا: لنعلم أننا على الحق المبين؛ على الحق، فأصول ديننا وثقها رب العالمين فلا يقبل عمل من غير أهل ملتنا. على الحق، فدعوتنا ربانية المصدر والوجهة. على الحق، فشريعتنا تنزيل من رب العالمين ومن أحسن من الله قيلا؟! على الحق، فقضيتنا عادلة لا شك فيها. على الحق، واستحقاق دعوتنا وشريعتنا لريادة العالم كله لا يشكك فيه إلا كل ضعيف الإيمان مهتز العقيدة. على الحق، ونشر دعوتنا ورسالتنا بين الناس واجب ديني وضرورة إنسانية.

ثانيا: لنعلم أن كل حملة راية الحق منذ آدم عليه السلام وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، لا بد أن يلقوا عنتا وظلما وهضما وتعذيبا وتشريدا وقتلا وسجنا وترهيبا وتخويفا وشتما وسبا وقذفا، بعض ذلك أو كله، وما يفعل أعداؤهم ذلك إلا بالباطل، “وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد”، لم ولن يحمل أحد هذه الراية إلا وتسري عليه سنن الله في خلقه، وأمام أعيننا وفي وجداننا حوار خالد، لا يغيب:

– “ليتني معك إذ يخرجك قومك!
– أومخرجي هم؟!
– ما أرسل أحد بمثل ما أرسلت به إلا أخرجه قومه”.

إلا أوذي وحورب وطرد وطورد واضطهد، وتلك سنة لا تتبدل ولا تتغير، مع الأنبياء كانت أو مع ورثتهم من الدعاة وحملة راية التوحيد وحرية العبودية لله وحده.

ثالثا: لنعلم أن العاقبة للمتقين، وأن تلك الأيام يداولها الله بين الناس، فلن تستقر حالٌ لأحد، وأن الأرض يرثها عباد الله الصالحون، وأن الله ينصر من ينصره، وأن وعد الله حق، كما أن وعد رسوله حق، فهو لا ينطق عن الهوى، وموعدنا “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”.

رابعا: لنعلم أن الله يمهل ولا يهمل، وأنه تعالى يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وأنه عز وجل لا يصلح عمل المفسدين، وأنه لا يترك عباده ولا يتخلى عنهم، وإنما يؤخر نصرهم لحكمة يعلمها:

– قد يكون تأخير النصر بذنوبهم.
– وقد يكون بعدم استحقاق من حولهم لنتائج النصر بعد.
– وربما يكون اصطفاءً لهم ورفعة لشأنهم واتخاذ الشهداء منهم.

– وقد يكون لتربيتهم وتأديبهم وتنقية صفوفهم من كل زبد، وإعدادهم ليكونوا جنده في معركة فاصلة حاسمة.

– وقد يكون لغير ذلك كله، مما اختص به نفسه من علم وحكمة.
خامسا: لنعلم أننا بشر نصيب ونخطئ، يعترينا ما يعتري كل الناس من تقصير وزلل، ومن ذلك:

– لنا العذر كبشر أن نحزن ونأسى، لكننا – دون سوانا – لا نيأس ولا نقنط.
– لنا العذر أن نرى السواد يلف عالمنا، لكننا نرى بقلوبنا من وراء هذا السواد الكالح نورا عظيما، وعدنا به الله ورسوله.

– لنا العذر أن نشعر بضعفنا وهواننا على الناس، لكننا نتبع ذلك بالركون إلى مدبر الكون القوي المتين العزيز الجبار القهار، فتهدأ نفوسنا وتقوى عزائمنا من جديد.

– لنا العذر أن يغيب عن أعيننا كل أمل في النصر، وأن تعظم في عيوننا سطوة الباطل وجبروت الطغيان، لكننا نرى ببصيرتنا ونور قلوبنا المتوكلة على صاحب الأمر كله فرجا قريبا، نعم لا نعلم مصدره ولا وقته ولا كيفيته، لكن يقيننا به راسخ رسوخ الجبال الشم الرواسي.

– لنا العذر أن نبيت ليلنا باكين منتحبين من ظلم أحب الناس لنا وانغماسهم في عبودية باطلة، لكننا نتوجه بهذه الدموع إلى خالقنا وبارئنا، نادمين على قلة ثقتنا وضعف همتنا ووهن عزائمنا، فيزيدنا ثباتا من عنده، ثباتا يعجب كل من حولنا كيف لنا به رغم كل تلك التحديات والأهوال!

– لنا العذر أن نستصغر أنفسنا ونستحقر أعمالنا ونفتقد شعورنا باستحقاقنا الانضواء تحت لواء جند الله المنصورين، ثم نتذكر أن الله لا يدخل أحدنا الجنة بعمله، وإنما برحمته جل وعلا، وأنه تعالى إنما يهدينا على ضعفنا ويسير عملنا إلى النصر بثبات قلوبنا على الحق، “ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، وإنما بشيء وقر في صدره”.

– لنا العذر أن تنفذ إلى قلوبنا – عبر ثغرات الغفلة أو خلل الذنوب والمعاصي – بعض مشاعر اليأس والإحباط، لكننا نسرع بالتوبة إلى قابل التوب وغافر الذنب، مقرين بضعفنا، وسائلين إياه العفو والعافية، ومجددين العهد على الثبات.

هيا نجدد العهد معا، اللهم إنا نجدد عهدنا معك على الثبات على دينك ودعوتك، اللهم ثبتنا عليهما برحمتك، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة وعند الموت شهادة وبعد الموت جنة ونعيما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد