جماعة المرابطين بدأت عند مصب نهر السنغال، حيث قام الفقيه عبد الله بن يس بتعليم الشباب أصول الدين، مما ساهم في نشر الإسلام في إفريقيا وتحديدًا في غربها، وقد أطلق عليهم ذلك الاسم لأنهم رابطوا أي اجتمعوا لطلب العلم على يد هذا الفقيه العابد رحمه الله.

هذا ما تعلمناه من كتاب التاريخ في الثانوية العامة، وقد شغفني هذا العالم الفقيه فأحببت أن أستزيد في البحث عنه، ولكني لم أستطع إرواء ظمئي إما لشح المعلومات المتوفرة عنه، أو لتخاذلي في البحث.

وقد صار البحث في تاريخ تلك الجماعة ضرورة ملحة في وقتنا الحاضر، في ظل هذا الجو الخانق الذي يحيط بنا من انتشار للإرهاب والعنف باسم الإسلام، فكيف استطاع هذا العابد أن يجمع حوله هذا الكم من الأنصار مع الوضع في الاعتبار طبيعة الحياة في إفريقيا في ذلك الوقت، كيف استطاع هذا الرجل وضع بذور الإسلام السمحة في تربة إفريقيا الصلبة التي اعتادت أن تروى بالدماء.

إننا وإن كنا أمام قضية ناجحة وهي قضية الإسلام، فنحن أيضًا أمام محامٍ ناجح استطاع أن يحمل عبء القضية ويتولى مسئوليتها بنجاح كبير، خصوصًا إذا ما تمت مقارنته بالمحامين الجدد لهذا العصر الذين عجزوا عن المرافعة في القضية فقتلوا القاضي ومحامي الخصم، وظنوا أنهم بذلك قد حققوا النصر المبين.

وكما يوجد محامون جدد يوجد أيضًا مرابطون جدد، ولعل الحالة التي وصل إليها المرابطون الجدد قد تفسر لنا ولو بعض الشيء الأسباب التي أدت إلى تحول من هم على شاكلة عبد الله بن يس إلى من هم على شاكلة أبي بكر البغدادي.

والمرابطون الجدد تستطيع أن تتبينهم في مواضع عدة، ولكني سأحدد لك موضع بعينه لأنه -باختصار- قد عايشته بنفسي، قد لا يكون المثال الأوضح، ولكنه الأجدر بالحديث عنه لإلمامي بتفاصيله.

كنت وقتها طالبًا في الفرقة الأولى بكلية تجارة إنجليزي، مثلي مثل الكثير من الطلبة في ذلك الوقت، أداوم على الحضور والالتزام بالمحاضرات، ولا أترك مقعدي إلا لتناول ما تيسر من طعام أو شراب، لم نكن قد تأقلمنا بعد على النظام داخل الجامعة، ولا أستوعبنا ما لنا من حقوق وما علينا من التزامات، وإنما كنا نسير بعقلية طالب المدرسة الذي يحضر كل حصصه في الفصل التابع له، وينصرف في نهاية اليوم الدراسي، ويخالط هذا الأمر بعض الفترات التي نطيع فيها الشيطان (في ظل غياب الرقابة التي كانت تفرضها علينا المدرسة، والحرية التي أعتطها لنا الجامعة) في عدم حضور بعض المحاضرات، أو على حد التعبير الشعبي التزويغ من المحاضرات، وكنا نفعل تلك الأفاعيل ونحن نضحك ضحكات شيطانية فرحين بما أحرزناه من نصر، ظاننين أننا فعلنا ما لا يفعل، وكنا بالسذاجة وقتها لنتفاخر بتزويغنا من المحاضرات.

وفي إحدى المرات التي طاوعت فيها الشيطان ولم أحضر محاضرة ـmanagement (مبادئ الإدارة) حدث حدث فريد، ظل حديث الطلبة طيلة اليوم الذي يليه، كانت محاضرة تلقيها معيدة في الجامعة وبحكم الأدب نناديها (دكتورة) رغم أنك لا تكاد تلاحظ أنها تكبرنا في السن، ولأنها مادة نظرية لا أفقه فيها شيئًا وتقع في نهاية اليوم وتلقيها معيدة حديثة التخرج، بالإضافة إلى أنها المحاضرة الأولى لها معنا فلم نرها قبل ذلك رغم مرور أسبوعين على بدء الدراسة، كل ذلك جعلني لم أجادل الشيطان كثيرًا في شأن التزويغ، ولم يكن ذلك قراري وحدي بل قرار معظم زملائي؛ مما خفف من وطأة الإحساس بالذنب، لكن ما رواه لنا من حضروا المحاضرة جعلنا نعض أناملنا من الندم على ما فعلناه، فلقد فاتنا رؤية المعيدة، وما أدراك ما المعيدة.

والمعيدة لمن لا يعرفها آية في الجمال، فإذا ذكر الجمال ذكر اسمها، وإذا أردنا المبالغة في وصف جمال فتاة قلنا إنها أجمل من المعيدة، وإذا قيل لنا صفوا القمر فسنذكر المعيدة على سبيل التشبيه، لن أسترسل في وصف جمالها فإني أغار عليها من خيال القارئ.

وصف زملائنا لها جعلنا ننتظر محاضرتها بفارغ الصبر، وأصبحنا نمني النفس بلقاء قد تجود به الصدفة وتجمعنا بالمعيدة في أروقة الجامعة، وجاء يوم الثلاثاء الموعود، ما زلت أذكر هذا اليوم جيدًا، وإنه قد تم إلغاء المحاضرة التي تسبق محاضرتها مما يعني إننا سوف ننتظر ما يقرب من ثلاث ساعات بلا عمل، البعض استسلم لنداء الشر ورحل، والبعض الآخر استسلم لنداء ما هو أشر منه وقرر البقاء، وكنت قد عزمت على ألا أبرح مكاني قبل أن أظفر برؤيتها، ورابطت أنا وزملائي في قاعة المحاضرات منتظرين قدومها.

وظهرت الرؤية وهبط القمر من سمائه ليهدهد قلوب العاشقين الذين أتعبهم الانتظار، وكشفت ابتسامتها عن صفين من اللولي يقومان مقام الأسنان عند الناس العادية، والتمعت عيناها بضياء هو قبس من ضياء القمر، كانت ترتدي ملابس مما يرتديها بنو جنسها ممن هن في مثل عمرها، بنطلون جينز وقميص، قد لا يكون هذا الزي مناسبًا لمعيدة في الجامعة، إلا أنه لا يلفت النظر، ولكن بالنسبة لمراهقين مثلنا كان كفيلًا بإثارتنا.

جدير بالذكر أنني حصلت على تقدير امتياز في تلك المادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد