نجد كثيرًا من الناس لا يكاد يفرق بين الإلحاد الشيوعي والإلحاد المعاصر؛ لأنه استقر في أذهان الغالبية العظمى من المثقفين والمفكرين في عالمنا الإسلامي ارتباط الإلحاد والدعوة إليه بالشيوعية، وأنه ما دامت الشيوعية في احتضار فالمتوقع أن الإلحاد على المنوال نفسه، وهذا تشخيص غير سليم لحقيقة الإلحاد وخطورته على الأفراد والمجتمعات، وكذلك يجب التمييز بين الإلحاد الجديد وإلحاد عصر التنوير الذي يتميز بالغزارة الفلسفية، بخلاف الإلحاد الجديد الذي يتجاهل الفلسفة ويركز على الأطروحات العلموية.

يقول الدكتور هشام عزمي في كتابه «الإلحاد للمبتدئين» ص24: «فالإلحاد الجديد الآن لا يمكن تناوله كأحد أعراض المذهب الشيوعي، أو كرد فعل لاضطهاد الكنيسة وصراعها مع العلم، بل هو ظاهرة ذات ظروف تاريخية مختلفة تمامًا عن الظواهر الإلحادية السابقة». ويقصد هنا بالظواهر الإلحادية السابقة الإلحاد الشيوعي وإلحاد عصر التنوير، وكذلك مما ينبغي التنبه له هو أن الإلحاد المعاصر لا يقتصر على نخبة صغيرة من الفلاسفة والمفكرين، بل أصبح منتشرًا على نطاق واسع بين عوام الناس، والإحصائيات تشير إلى أن هناك دولًا وأممًا كاملة تدين بإنكار وجود الله أو تشكك في وجوده، ومن هذه الدول «كوريا الشمالية- الدول الإسكندنافية- وفي فرنسا %40 من السكان ملاحدة»، فلم يعد الإلحاد ظاهرة نخبوية مخصوصة بمجموعة من الفلاسفة، بل صارت له قاعدة جماهيرية لا يستهان بها على مستوى العالم، ونحن نبصر ما يفعله كهنة الإلحاد الجديد في مواقع التواصل الاجتماعي من تشكيك وتدليس واستهزاء .

ما عليه أغلب المؤرخين والباحثين في الملف الإلحادي أن الإلحاد الجديد New Atheism بدأت تظهر معالمه بوضوح بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، إذ وجهت سهام الاتهام إلى الإسلام وتعاليمه، وكان ردة فعل على هاته الأحداث غزو العراق وأفغانستان؛ فشعر الملحدون أن الأديان سوف تؤدي إلى حرب عالمية ثالثة تنهي الحضارة الحالية، وتقضي على الوجود البشري، وأن هذه الأديان في نظرهم صارت تشكل خطرًا يهدد الإنسانية، واعتقدوا أن الخلاص البشري يكون بالتخلص من الأديان جملة، فبعد هذه الأحداث ظهر جليًّا الهجوم الشرس على الأديان عامة، والإسلام خاصة، فقد صدرت عدة كتب تهاجم الأديان بطريقة شرسة تنم عن عدائية مقيتة، ومن أبرز هذه المؤلفات وأشهرها كتاب الكاهن الأكبر للإلحاد المعاصر ريتشارد دوكينز «وهم الإله» وكتاب سام هاريس «نهاية الإيمان»، اللذان حققا نسبة مبيعات كبيرة في أمريكا والعالم، وكانت فاتحة لسلسلة من كتب الإلحاد الأكثر مبيعًا في العالم.

يقول بخيت الزهراني: «وقد دخل الإلحاد والشك عن طريق الأوروبيين والغربيين أولًا، سواء أكانوا مدنيين باسم العلمانية والعلم وتحت ستارهما أم كانوا مبشرين بالمسيحية» انظر: الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، ص87.

الإلحاد لغويًّا هو الانحراف والعدول عن الطريق المستقيم، والاصطلاح المتعارف عليه أن الإلحاد هو إنكار وجود الله تعالى، والملحد هو المنكر وجود الله تعالى، لكن عند معالجة ظاهرة الإلحاد الجديد لا بد من الانتباه إلى وجود ألوان متعددة وأصناف متنوعة داخلها لا بد من التمييز بينها مراعاة للدقة والموضوعية في كشف واقع الإلحاد المعاصر.

من أشهر صنوف الإلحاد المعاصر الموجودة بكثرة على الساحة أربعة أصناف، وهي كالتالي:

– الملحد Atheist: هو المنكر وجود الله عز وجل، سواء بالاعتقاد الجازم باستحالة وجود خالق، ويسمى Strong Atheist، أو أن وجوده أمر ضعيف الاحتمال ويسمى Defacto Atheis.

– اللاأدري Agnostic: وهو المتوقف في مسألة وجود الله، ويرى أن أدلة إثبات وجوده متكافئة مع أدلة نفي وجوده، وبالتالي لا يمكن بلوغ حكم عقلي في هذه القضية.

– الربوي Diest: هو الذي يقر بوجود خالق للكون، لكنه يرى أن هذا الإله خلق الكون ثم تركه يعمل كالساعة الزنبركية التي أدير مفتاحها ثم تركت لتعمل وحدها، بدون توجيه ولا تدبير، والربوبي له معتقد مشركي قريش نفسه لكن بنزعة مادية طبيعية .

– اللاديني Irreligious: هو المنكر للأديان عامة، وقد يكون ملحدًا أو ربوبيًا أو لا أدريًا، وعلى النقيض منه الديني الذي يؤمن بدين منظم له كتاب موحى وعقيدة وشعائر .

إذن فبعد اطلاعنا على سمات الإلحاد الجديد، يظهر جليًّا أن العلموية هي عقيدة الإلحاد المعاصر، وهو يهدف إلى استغلال العلم التجريبي في نقد الأديان عامة والإسلام خاصة ومهاجمتها، ومن الأمثلة الحية نظرية التطور في العلم الطبيعي الغنية عن التعريف ويقصد بالعلموية «Scientism»هنا تقديس صنم العلم النسبي حتى لو لم يكن عليه أدنى دليل، وعده حقيقة مطلقة لا جدال فيها ولا نقاش، يمكن تعريف النزعة العلموية كما يورده الدكتور سلطان العميري في بحثه ظاهرة نقد الدين:

«هو الاعتقاد بأن العلم التجريبي قادر على الإحاطة بكل الحقائق الكونية، وأن البشر لم يعودوا في حاجة إلى أي مصدر آخر للمعرفة أو الأنظمة مع وجود العلم، فقد أغناهم العلم التجريبي عن كل المصادر الفلسفية والدينية وغيرها، التي كانوا يعتمدون عليها»، فمن هذا المنطلق أضحت قضية الإلحاد المعاصر قضية صعبة وجب التعامل معها بدقة، خصوصًا مع المد الإلحادي المتصاعد في صفوف الشباب، خاصة الذين لا يجدون أجوبة شافية عما يتلقونه من شبهات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الالحاد للمبتدئين -هشام عزمي -
الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين 13 و14 الهجريين -بخيت الزهراني-
العودة الى الايمان -هيثم طلعت-
ميليشيا الإلحاد -عبد الله العجيري-
عرض التعليقات
تحميل المزيد