من خلال غبار أتون معركة احتدمت أوزارها بين الإلحاد الجديد والمؤمنين يلوح ضوء العقل والتعقل، ومن بين صليل قرع سيوفها الذي يصك الآذان يمتاز صوت هادئ يبشر بهدنة قريبة تلوح في الأفق.

قبل بضعة أشهر نشرت صحيفة نيويورك تايمز حوارًا مثيرًا تم عبر البريد الإلكتروني بين الأمريكي جاري جاتينج (أستاذ الفلسفة بجامعة نوتردام) ونظيره الإنجليزي فيليب كيتشر (أستاذ الفلسفة في جامعة كولومبيا وأحد أفراد كتيبة العلماء الملحدين إلى جوار ريتشارد دوكينز ودانيل دينيت) بدأ باستفسار جاري جاتينج عن تصريح مفاجئ أدلى به فيليب كيتشر مفاده “إني أرى العقائد الدينية عمومًا عظيمة ومدهشة”.

في الحوار عرّف كيتشر نفسه كداعية لتوجه جديد أو فكر جديد أسماه هو “الإلحاد الناعم” والذي يدعو إلى التعايش مع الأديان وإعادة النظر في عقائدها التي يراها هو (كملحد إيجابي) غير عقلانية ولكن وفي ذات الوقت عظيمة إذا لم تؤخذ بسطحية مخلة للمعاني العميقة التي تنطلي عليها خاصة أنه من غير المنصف (على حد تعبيره) فحص محتوى تلك العقائد والحكم ببطلانها ومن ثم الإلقاء بها في سلة المهملات بل ومحاربتها أيضًا نفسيًا وفكريًا وربما عسكريًا من دون الالتفات إلى تاريخ تلك الأمم والنظر في تطور العقائد التي اختلفت عبر عصور من الفقر والجهل وطغيان الحكام وضيم الحروب وغير ذلك من شظف العيش الذي كان له قلم وحبارة في تحويل الأديان من عقائد عظيمة (شأنها شأن أية قصة أسطورية نعجب بها ولا نصدقها بالضرورة ولكن بلا شك نأخذ منها الدروس والعبر وتؤثر في حياتنا ومعايشنا).

 

وباعتبار وجود هذا العدد الكبير من الديانات في العالم ولأنهم جميعًا مختلفون فإنه لا يمكن أن يكونوا جميعًا على صواب وعليه فيمكن القول بأن السبب الوحيد الذي يجعل شخصًا ما مسيحيًا هو أن يولد في بيئة مسيحية لأبوين مسيحيين وهكذا شأن اليهودي أو المسلم أو غيرهم. ولأن جميع هذه العقائد غير عقلانية فإن انتقال أحدهم من المسيحية إلى الإسلام أو العكس غالبًا ما يكون بالصعوبة القصوى. والكلام ما يزال لكيتشر.

وعلى عكس ما أصبح يعرف بالإلحاد الجديد والمبني على احتقار وازدراء كل الأديان بلا استثناء واعتبارها وباءً قاتلًا للبشر والحضارة واجب التخلص منه بتسفيه أحلام المؤمنين أولًا ثم قهرهم ذهنيًا وفكريًا وربما أخيرًا في مرحلة لاحقة إقناع بعض القوى العظمى بالقضاء عليهم فربما اعتبرت كيتشر قد “اعتزل” هذا المنهج أو ربما “خرج” عنه فعلى النقيض ذلك يؤصل للقواعد التالية في التعاطي مع القضية:

 

– كل الأديان لها عقيدة واحدة تقريبًا من حيث الأصل، وهي الخلق والإيجاد والخالق والعبادة، وما اختلفت فيه الديانات مجرد تحريفات مجتمعية وثقافية.

 

– التعاطف مع الأديان والمتدينين وعدم احتقار معتقداتهم حتى ولو رفضناها كلها.

 

– إنهاء الحرب الدائرة فورًا على صفحات الجرائد وألواح الإعلانات ومواقع التواصل الاجتماعي ومناظرات التليفزيون.

 

– التفريق بين المعتقدات الدينية وتطبيقاتها والتعامل مع المتدينين كمرضى نفسيين مصابين “بالذهان” تسببت مجتمعاتهم وموروثاتهم الثقافية والمجتمعية في التصرف على النحو الذي هم فيه.

 

– مد يد العون للمتدينين المتفتحين وإشراكهم في العمل معًا في قضايا دولية إنسانية.

 

– استقاء القيم الأخلاقية العظيمة التي تدعو لها الاديان بدلًا من محاولات ترجمة عقائد الأديان بشكل حرفي وتلقيها على أنها حزمة من الخرافات المحضة.

 

ويختم كيتشر حديثه بأن قائمة أولوياته تأتي في مقدمتها “الإنسانية” أولًا ومن ثم يأتي الإلحاد وذلك هو الوازع لما سبق، مع وعد ببدء حملة توعية بين الملحدين لنشر هذا التوجه الجديد.

 

ويمكن تلخيص ما يصبو إليه كيتشر هنا باختصار (أرجو ألا يكون مخلًا) في اعتبار المتدينين ذوي المعتقدات المثيرة في عالم اكتسى بالعلمانية وتغلغلت المادية في كل مفاصله الفكرية مجرد حيوانات أليفة قد تضطر أن تعقر أحيانًا كجزء من طبيعتها الحيوانية أو مرضى نفسيين غير مسؤولين تمامًا عن تصرفاتهم ولا بد من علاجهم بدلًا من عقابهم لأن هذا قد يزيد الأمر سوءًا ولن يقدم أي حل للأزمة.

 

فبدلًا من أن نقتل تلك الحيوانات أو نحاول (أي الملحدون) أن نزدري طبيعتها فإن الحكمة تقتضي أن نستعين بهم في قضاء حوائجنا. وربما تنقرض تلك الحيوانات البائسة شيئًا فشيئًا حتى يأتي على ما تبقى منها حين من الدهر يؤول فيه حالها إلى حديقة للحيوان يرتادها سكان العالم من الملحدين لمشاهدة بعض المخلوقات العجيبة.

 

وبمقارنة بسيطة بين الإلحاد الصامت الذي كان سائدًا في مصر والمنطقة العربية منذ أربعينيات القرن الماضي والذي كان على الأرجح وسيلة لتحقيق نتائج مجتمعية كالشيوعية وغيرها وليس غاية في ذاته وبين الإلحاد الجديد الذي انطلقت شرارته بعد أحداث سبتمير (أيلول) 2001 أو لنقُل أنه وجد تربة خصبة بعد تلك الأحداث فإنني بلا شك أرجح أن ما يبدأه كيتشر الآن هو نواة لتوجه حديث يمكن اعتباره منزلة بين منزلتين وهو بلا شك أفضل من الإلحاد الصامت و أفضل بكثير من الإلحاد الجديد.

 

نعم، لا تتعجب، هو في رأيي أفضل من الإلحاد الصامت، لأنه ليس أضر على المجتمعات وثقافاتها من فكرة تنمو في الظلام أو تحت الأرض. أي فكر أو أيديولوجية لا بد أن تتوفر لها الظروف الملائمة للطرح والحوار والتواصل مع غيرها من الأفكار والآراء المعارضة ليحيى من حيّ عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.

وكما أوضحت في مقالة سابقة فإن الإلحاد كفكرة معارضة لفكرة الإيمان لا بد أن تظل دائمًا قائمة وموجودة سواء تبناها بعض الناس أو لم يتبناها أحد فبعكسها تدرك الأشياء.

 

إن الإلحاد (سواء ناعم أو خشن) لا يمثل خطرًا على الدين ولا الإيمان فالدين له رب يحميه والتعقل هو فرض عين على كل من له عقل وكل نفس بما كسبت رهينة، ولكن الاحتقان السائد حاليًا بين المؤمنين والملحدين الجدد هو مقبرة الموضوعية ورصاصة الرحمة في رأس أي محاولة للتفاهم أو الفهم، وربما يكون الإلحاد الناعم هو الحل (ولو مؤقتًا) لفض هذا النزاع الذي لا منتصر فيه. هذا المناخ لا يوفر مساحة للعقل والتفكر ودراسة الرأي والرأي الآخر فلا يستقيم التعاطي العاقل المتحضر المستنير مع أي طرح بهذا الكم المبالغ فيه من القبح والازدراء والإسفاف.

أصدقائي الملحدين لكل أيديولوجية دواعشها، أما آن الأوان أن ننبذ التطرف والمتطرفين من معسكرينا ونعود مرة أخرى إلى طاولة التفاوض الفكري؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات