تقي الدين مدُّور
تقي الدين مدُّور

الولادة الأولى هي الولادة التي يعرفها الجميع، وهي المخاض الذي يمرُّ به الطفل للخروج إلى هذا العالم لأول مرة، ثم تساهم عائلته وبيئته في تشكيله أفكاره وقناعاته، فيتشرّب منها الأخلاق والصفات والسلوكيات، إيجابية كانت أم سلبية.

ثم ما يلبثُ أن يبلُغ سنّ الرشد، حتى يبدأ الإنسان رحلة البحث عن الحقيقة، حقيقة وجوده بعد أن لم يكن شيئا مذكورًا، فالفطرة التي جبلنا الله عليها هي التي تنادي من أجل إيجاد تلك الحقيقة، ومن عدل الله أيضًا أنه يرسل لنا رسائل يومية علّنا نفيق، ولكن هاهنا يتفاوت السباق بين الناس، فهناك من يركن للشهوات والدّنية؛ فيكون في أسفل سافلين، (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)، وهناك من يأبى إلا أن يسمو ويرتقي إلى الإنسان الذي أسجد الله له الملائكة، وخلقه في أحسن تقويم، وهنا نصل إلى الولادة الثانية.. فما هي؟

الولادة الثانية تعني تعرِّيك عن قشرتك التي تغطّيك في لحظةٍ ما، وانكشاف حقيقتك، وزوال أقنعتك (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ).

فمعرفة حقائق النفس ومعرفة الإنسان لخالقه تتطلّب ثمنًا من نوع خاص، وما كانت تلك الإفاقة والمعرفة لتتمَّ إلاَّ بالألم والدم؛ لأنَّ النفوس ما كانت لتبوح بأسرارها وحقائقها إلا بدفع ثمنٍ باهظ.

كما يقول مصطفى محمود: ولأن كلا منا يخفي حقيقته وراء أقنعة غليظة من الشِّعارات والأكاذيب، وهو يسدل على وجهه حجابًا من الافتعال والتمثيل وبسمات النفاق والملاطفة والمجاملة. فكان لا بد من حادثٍ عنيف ليخترقَ هذه الحجب.

الإفاقة وحدها هي البداية.. فالتغيير الحقيقي مؤلم؛ لأنه هذه المرة سينبع من الداخل العميق، ولن يكون سطحيًا أو قناعًا، أو بعض التغيير.. عليك أن تمر بالمخاض من جديد، نعم كما في أول مرة بالضّبط ستشعر بألم عميق وشعور يشبه الاختناق، وكأنه في تلك الأثناء تجري إعادة هيكلة للمشاعر والأفكار.

وهذا المخاض يبدو أنّه لا يشمل جميع البشر، فحتى الرسل اختبروا هذا المخاض، فهذا خليل الله إبراهيم يبدو أنّه مر بفترة صعبة، وهو فتى حيث كان الصراع بين ما وجد عليه قومه، وبين ما أوصله إليه عقله من خلال التفكر والتدبر، (فَلَمّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأى كَوكَبًا قالَ هـذا رَبّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلينَ. فَلَمّا رَأَى القَمَرَ بازِغًا قالَ هـذا رَبّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِن لَم يَهدِني رَبّي لَأَكونَنَّ مِنَ القَومِ الضّالّينَ. فَلَمّا رَأَى الشَّمسَ بازِغَةً قالَ هـذا رَبّي هـذا أَكبَرُ فَلَمّا أَفَلَت قالَ يا قَومِ إِنّي بَريءٌ مِمّا تُشرِكونَ) الأنعام، وهذا كليم الله موسى عليه السلام يطلب رؤية الله عز وجل، وذلك بعد أن احتدم الصراع النفسي (وَلَمّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، وهذا سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، كان قد مر بالمخاض حين نزل عليه الوحي ففزع إلى زوجته خديجة رضي الله عنها (دثروني دثروني).

صحيح أن الله عزو وجل يصطفي رسله من أفضل البشر، ولكنّهم يبقون بشرًا ولديهم قلوب وأنفس، فيهيّئهم الله عزوجل لحمل الرسالة ويتعرّضون للمخاض الذي يبلِّغهم منازلهم.

ويبدو أن المخاض الذي يتعرض له الأنبياء غير الذي يتعرص له سائر الناس، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله مرّ بالمخاض حينما صادفته آيات من سورة طه، فكانت كالصاعقة جعلته ينتقل من عمر القديم إلى عمر الجديد، نعم كانت لحظة كافية بأن تزلزل أركانه وتغير ما بنفسه تغييرًا شاملًا، وإعادة صياغته بالقرآن. (لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

وحين نلاحظ كُتَّابًا في القرن الأخير، أمثال: مصطفى محمود ، سيد قطب، أحمد خيري العمري، تشعر أنهم اختبروا هذا المخاض، فقد تغيّرت كتاباتهم تمامًا بين قبل تلك اللحظة وبعدها، فتلاحظ تغييرًا جذريًا، ليس فقط في أسلوب كتابتهم، وإنما في أسلوب تفكيرهم وحياتهم.. وطبعًا ذلك كلّه بفضل القرآن.

قبل المخاض وبعده

يقول الدكتور أحمد خيري العمري: قوالب المجتمع التي تقولبنا هي فخٌّ متقنٌ أحيانًا للتخلُّص من أعظم وأنبل ما فينا. يمكن لشخص يملك موهبة القيادة أن يقنع بقالب ضيق، فيقود مؤسسة ربحية، بدلًا عن أن يتّسع حجم طموحه إلى قالب يقود فيه مجتمعه وأمته، ويمكن لمن يملك ذكاءًا وقّادًا أن يقنع بمهنة توفر له متطلّبات لم تكن يومًا ضرورية، بدلًا عن أن يستخدم ذكاءه هذا في توفير متطلبات حقيقة.

قبل المخاض تكون عبارة عن قالب تمّت صياغته من قبل المجتمع، ولا تملك نفسك، ولست حرًا كما تظنّ، تقلِّد تقليد الأعمى، وتتسابق فيما يتسابق فيه الآخرون، وتتنافس فيما يتنافس فيه الآخرون.

ولكن بعد المخاض وعندما تملكُ الإرادة والوعي، فإنك تختار القالب الذي تكون فيه ما أرادك الله أن تكون.. القالب الذي تزدهر فيه صفاتك التي شاء الله أن تكون فيك.. فلكلٍّ منا قالبه الأنسب الذي يمكننا من خلاله أن نكون ما أرادنا الله أن نكونه.

والله لا يفعل ذلك إلا إذا طلبت النفس ذاتها أن تتغير وابتهلت من أجل ذلك؛ لأنه واثقنا جميعًا على الحرية التامة، وأن من شاء أن يكفر فليكفر ومن شاء أن يؤمن فليؤمن، وأنه لن يقهر نفسًا على غير هواها، وأنه لن يغير من نفس إلا إذا بادرت بالتغير وطلبت التغيير. وتلك هي التزكية. (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا).

كما يقول الدكتور مصطفى محمود في كتابه (القرآن كائن حي): وإذا كان في العمر لحظات أعتز بها فعلًا، فهي لحظات الصحو أمثال تلك اللحظة.. حينما تتراءى الحقيقة من خلف سراب الوهم وتلامس الروح السر من وراء لثام الواقع؛ فأرى النفوس على ما هي عليه حقًا، وليس كما تصفها بورصة الواقع بأسعارها الخادعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك