التطور التكنولوجي السريع للبشرية لم يواكبه للأسف تطور فكري من المنظور الفلسفي. بل إن الفلسفة عجزت حتى عن محاكمة التقدم العلمي لفرض الشق الأخلاقي على منحى تقدمه. وفسحت المجال أمام رأس المال ليضع يديه على براءات الاختراعات ومقالات العلوم، فلم تسلم من سطوته صناعة بما فيها ما يهم الإنسان في صحته ووجوده وتم إهمال توجيه التقدم العلمي نحو إنهاء الفقر والمجاعات وترميم العدل والديمقراطية وإنهاء الصراعات والحروب. ولنتأمل مثلًا موضوع الممارسة السياسية الذي يبدو أن الفكر الإنساني قد توقف عند الصيغ الحالية دون محاولة بسط عيوبها ولا اقتراح البديل.

الديمقراطية بالصيغة الحالية في البلدان التي تمارسها طبعًا تحمل قدرًا كبيرًا من العيوب. أولها أنها لا تحترم عشوائية التمثيل التي هي لب إنتاج ممثلين حقيقيين للأمة. ومبدأ العشوائية هذا أساسي في كل عمليات الإحصاء الرياضياتية لتحمل نتائجها معنى وقيمة. فواقع الحال اليوم، أننا أنتجنا صناعة سياسية أربابها محترفوها ونخبها لا يتغيّرون. وهم باحتراف السياسة يفقدون تلقائيًا شرعية تمثيل الناخب. بل ويضعون هذا الأخير أمام خيارات محدودة تتكرر نفسها ولا تختلف سوى في التفاصيل والتبعية لقوى تسيطر على التمويل وتتزعم لوبيات صناعة القرار الاقتصادي مثلًا.

ينادي البعض بضرورة إعادة اعتماد صيغةٍ اعتمدها الإغريق لمدة قرنين في ممارسة الديمقراطية، وهي الاقتراع العشوائي. يعني أن يتم اختيار البرلمانيين من بين المواطنين جميعًا عبر قرعة عشوائية تمامًا. والفكرة هذه تضمن على الأقل إنتاج تمثيلية نابعة من الأمة دون تدخل. كما أنها تكسر منطق الولاء لجهات بعينها وتقطع الطريق أمام صناعة برلمانات صورية تدين بالولاء للسلطة التنفيذية.

مصداقية الفكرة في ظل عدم قدرة السياسة في ممارستها الحالية على ترميم علاقتها بالناخبين دفعت مثلًا مونتبورغ مرشح الرئاسة في انتخابات الحزب الاشتراكي الفرنسي لسنة 2017 لاقتراح تكوين برلمان منتخب مع تخصيص جزء مهم لا يقل عن مائة مقعد للاختيار عبر القرعة من لوائح الناخبين، كما علت أصوات في برلمانات كبلجيكا تقترح الصيغة هذه امتعاضًا من ممارسات أحزاب تهيمن تقليديًا على الساحة. أما في الدول التي تعاني سَقمًا ديمقراطيًّا، فصيغة القرعة الديمقراطية هذه قد تكون حلًا لإعادة الحياة السياسية لملكية المواطنين وربما توفير تكاليف باهظة لانتخابات تأتي بنواب باتوا ينتجون مشاهد يرثى لها من كراسيهم وباتت معظم حواراتهم في هزلها تنافس أكثر الكوميديين موهبة.

تنال فكرة الاختيار العشوائي للسلطة التشريعية الكثير من النقد، من قبيل خطر أن تأتي بمن لا يمثلون أغلبية الأصوات ومن لا يملكون الموهبة والخبرة لممارسة الدور النيابي. ولذلك بات مهمًا التفكير في صيغ أخرى تعيد حكم الشعوب بالفعل لها. والحل في نظري يحمله الذكاء الاصطناعي والتقدم التكنولوجي، فهما قادران في زمننا هذا على إنهاء دور البرلمانات للمرور نحو ديمقراطية كاملة، توصل كل الأصوات بنفس القيمة بشكل فوري. فالأكيد أن الديمقراطية بصيغتها الغربية الحالية باتت متجاوزة والحل قد يحمله العلم بتطور الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الديمقراطي القائم على مشاركة الجميع في صياغة القرار بشكل آني ووفق شفافية لا قبل للبشر أن يعيب شفافيتها تمامًا كأرشيفات معاملات بيتكوين. إذ يمكننا اليوم من خلال تطبيق بسيط أن نضع بين يدي كل الناخبين إمكانية التصويت المباشر واليومي على مشاريع القرارات والقوانين. والحقيقة هذه تجعل البرلمانات خالية القيمة. بل وتجسد إمكانية حكم المواطن لنفسه عبر تقديم مشاريع قوانين وخلق حوار إلكتروني حولها. ومن خلال إمكانية توجيه النقد للأداء الحكومي وهو ما باتت تلعبه كدور وسائل التواصل الاجتماعي. فلمَ لا يُتّخذ واقع الحال صيغة رسمية للممارسة السياسية؟

الفكر البشري في شقه غير العلمي، يجب أن يرتقي على الأقل ليحاول التماشي مع التقدم العلمي. وإلا فسيصبح هو نفسه رهينة هذا التقدم. وبما أنّ سرعات التطوّر تختلف بين الطرفين، فالمنطلق نحو خلق التوازن يبدأ من استغلال كلّ ما يوفّره التّقدّم التكنولوجي للرقي بالممارسات الإنسانية نحو مثالية أسسها الفكريّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد