قبل أعوامٍ سابقة، كان يشغلنا نقاش طويل عن “أضرار الشهرة التي تصيب الناجحين” وكنّا ننصح هنا وهناك، أما اليوم فقد أصبحت الشهرة شيئًا أساسيًا ومطاف الملايين حول العالم وتغيّر النقاش تمامًا، فلم تعد الشهرة في حد ذاتها هي المشكلة ولكن أصبحت “الشهرة بدون إنجاز” هي الشغل الشاغل في مجتمعنا العزيز.

في البداية علينا أن نميّز بين مفهومين؛ الشهرة هي تميُّز الإنسان من بين آلاف لا يعرفهم بسبب صفة أو موهبة أو منصب غير اعتيادي يعطي للشخص انتشارًا معنويًا يعفيه من تعريف نفسه للناس. أما غريزة حب الشهرة فهي غريزة وجدت لإشباع غريزة حب المديح والثناء، وغريزة حب التميز فوق الآخرين.

كانت هذه التعاريف دقيقة في العصور السابقة حتي جاء عصرنا الحالي، حيث تغيّر معيار الإنجاز الذي يعطي للإنسان الأهلية للشهرة والانتشار ليطغى عليه الكثير من المعايير الأخرى التي بُني أساسها علي التمكين وإتاحة الوسائل.

فبعد أن كانت الشهرة والمكانة الاجتماعية الرفيعة تتحقق بجهود حقيقية وإنجازات علمية وعملية تخدم المجتمعات الإنسانية، أصبحت تتحقق بالكلام أو باللباس أو بالتصرفات الغريبة أو بالألقاب، أصبحت الشهرة غاية وليست نتاجا لإنجازٍ ما أو مكانة اجتماعية مميزة بين البشر، مما فرّغ ذلك الأمر من محتواه وقضى تمامًا على قيم الشهرة التي تساعد صاحبها على الوصول للناس وتوصيل النفع لهم.

وتطوّر مفهوم الشهرة عن “لماذا يجب عليّ أن أكون مشهورًا؟” إلى “كيف لي أن أكون مشهورًا؟” وتسابق المتسابقون في التفنن وإيجاد مجالات غريبة لطرح أنفسهم كبدائل فيها، فأصبحنا نرى قادة مجتمعيين بدون أي مقومات أو إنجازات تذكر إلا أنه “ابن فلان”، أصبحنا نجد كاتبًا لا نعلم مصدرًا لكتاباته، ومفكرًا لا يفكر، وعالما لا يعلم من العلم إلا “صباع الكفتة” وكيفية إعطائه للمريض، وباحثا لم يبحث إلا عن وسائل الإعلام ليظهر فيها، ومحللا يحتاج للتحليل والكشف عن حالته العقلية.

أصبحنا حقًا نرى ألقابًا ونسمع ألفاظًا عظيمة لأناسٍ ليس فيهم من الأمر شيء.. غزت الشهرة السلوك الإنساني حتى جعلته يبحث عن الألقاب والمكانات الاجتماعية حتى وإن كانت بدون إنجازات مستحقة.

وليس على مستوى الإعلام فقط فهذه الأيام نجد مثلًا أن ظاهرة الاندفاع نحو لقب (دكتور) زاد بشكل عنيف في السنوات الأخيرة، وكثرت هذة الألقاب وزيفها حتى فقدنا القدوة والثقة في كل المجالات المختلفة.

أما عن مواقع التواصل الاجتماعي “تويتر” و”فيس بوك” فقد أصبحت الشهرة هاجسًا يؤرق كل المستخدمين. فبهذا الإعلام الجديد الذي لا يلزمه منتج ولا سيناريو ولا مصورون محترفون صار لدينا الكثير من المشاهير.

فقد جعلت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الأمر هيّنًا علي الجميع للدخول في موجة الشهرة البديلة، لنجد يوميًا المئات من المشاهير على هذه المواقع بلا أي إنجاز يذكر سوى تقليد أصوات المذيعين أو أنه يكتب النِكات الممزوجة ببعض الإيحاءات الجنسية والألفاظ الخارجة.

أما إذا أردت الوسيلة الأسرع، فما عليك إلا الخروج عن المألوف ومخالفة قيم وعادات المجتمع والدين لتجد أنك أصبحت قضية محورية في المجتمع وتستمع بآلاف سوف يتابعونك ويهتمون بمخالفاتك.

وذلك لأن هذه المعايير الجديدة جعلت الشهرة سهلة المنال، فيكفيك اليوم أن تغرد بكلام غير منطقي أو تطلق الاتهامات أو الإشاعات أو تصدر فتاوى دينية منافية لثوابت الدين، لتحقيق الشهرة المنشودة.

وللأسف نجد على الجانب الآخر النسبة الحقيقية من الكُتاب والقادة والمفكريين بعيدين كل البعد عن مواقع التواصل إلا قله قليلة منهم ولا تأخذ حقها ولو في الوصول إلا لقليل من الناس.

يقول سفيان الثوري ”إياك أن تكون ممن يحب أن يعمل بقوله أو ينشر قوله أو يسمع قوله، وإياك وحب الشهرة؛ فإن الرجل يكون حب الشهرة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو بابٌ غامضٌ لا يبصره إلا البصير من العلماء”.

نحن هنا لا نتحدث عن قضية عويصة تختفي بقرار من مسئول أو مبادرة من مُبادر، وإنما هي تعاقب ثقافات فاسدة رسِّخَت في عقول الناس فكرة مغايرة هدمت مفهوم الغاية من الشهرة وأصبحت وسيلة تجذب الكثيرين.

فعاشق الشهرة لا ينظر إلا إلى رضا البشر، ومن تتبع رضا الناس فقد تتبع شططا، وبذلك ننسى كل قيم الإسلام من الزهد والتواضع والإخلاص ورفض أهواء النفس ومحاربة غرائزها، وكان السلف دائمًا ما يحذرون من الشهرة وحب الظهور، فـعن الحسن أنه قَالَ: لقد صحبت أقواماً إن كان أحدهم لتعرض له الحكمة لو نطق بها نفعته ونفعت أصحابه فما يمنعه منها إلاَّ مخافة الشهرة.

أما اليوم فكلنا صرنا نجوم شاشات الفيسبوك وتويتر، فتارةً نتمدد أمام الكاميرات كي ننافس الآخرين في وضع الصور والحصول على الكثير من الإعجابات والمتابعات، وتارةً نخوض في نفخ الكلام وتجويده من خلال الاقتراحات وإرشاد الناس كيف يعيشون حياة أفضل أو كيف يصبحون صالحين ونحن لسنا كذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد