بداية إذا كنت تعتبر أن ما لدينا من تراث هو المتهم الوحيد بما وصلنا إليه من تخلّف، وأنه لا بد من نسفه جملة وتفصيلًا فلا أنصحك بقراءة هذا المقال، أما إن كنت تعتبر أن ما بين أيدينا من تراث لا يقل أهمية عن أي وثيقة لا بد من دراستها والاستفادة منها قدر الإمكان فأعدك بأن المقال سيقدم لك شيئًا جديدًا.

عندما نستمع لشيخ يحدثنا مثلًا عن حكم التعامل مع البنوك أو حكم تجاوز الميقات بالنسبة للحاج أو حتى حكم الخروج على الحاكم، فإن الحديث لا يخلو من ذكر عبارة : «في المذهب الحنفي كذا وعند الشافعي كذا وقال مالك هكذا أما أحمد بن حنبل فأفتى بكذا»، وأحيانًا يضم بعض المشايخ المذهب الجعفري، أما مذهب الظاهرية والإباضية والزيدية فقلة من يستندون إليها.

هذه الطريقة في التعامل مع القضايا المعاصرة تفرز العديد من التساؤلات حول دور فقهاء اليوم وأحقيتهم في تقديم فقه جديد يناسب زمانهم ومكانهم كما فعل الأئمة السابقون في زمانهم ومكانهم، وإلى أي درجة سنبقى نحتكم إلى مذاهب مضى على أحدثها أكثر من ألف عام؟

بدايةً يتطلب الموضوع إعادة قراءة للطريقة والظروف التي ولدت فيها المذاهب الفقهية خلال القرون الثلاثة الأولى لنتعرف كيف نشأت عشرات المذاهب الفقهية، ثم كيف تقلّصت هذه الظاهرة وانحسرت.

سأختار نشأة المذهب الحنفي – على سبيل المثال – وسأقدم قراءة لمراحل تطوره باختصار علمًا أن ما أذكره عن هذا المذهب ينطبق في معظمه على باقي المذاهب الفقهية.

بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانتشار الصحابة لم يكن بحوزتهم هذا الكم الهائل من العلوم الإسلامية حتى يعلموها للناس مثل التفسير والفقه والعقيدة، إنما فقط كان القرآن الكريم وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه، وكذلك فإن حياة الناس كانت بسيطة ولم تكن تختلف عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا؛ وبالتالي لم تحدث فيها قضايا تستدعي أحكامًا جديدة، بالإضافة إلى نقطة مهمة وهي أن الناس في الشام – مثلًا – كانوا يُنظّمون تعاملاتهم الإدارية وفقًا للقوانين الرومانية.

مع بداية القرن الهجري الثاني وحصول نقلة نوعية في حياة الناس وطرق معيشتهم، ومع الحاجة لوضع قانون جديد يتم تعميمه على مختلف مدن الدولة بحيث يتوافق مع الشريعة ويحقق مصالح الناس ومع (انتشار ظاهرة العلوم المختلفة والثقافات المتنوعة وتدوين العلوم وحرية الرأي وكثرة الجدل وعناية الخلفاء العباسيين بالفقه والفقهاء ازدادت الحاجة إلى المذاهب)[1].

في هذه الأجواء ظهر النعمان بن ثابت الذي يكنى بأبي حنيفة (80-150 هـ/ 699-767م) وإليه يُنسب المذهب الحنفي.

من المعلوم أن تلك الفترة كانت بداية التدوين، وبالتالي لم يكن ثمّة مناهج تعليمية محددة، ولا كتب معروفة ينبغي على طالب العلم أن يقرأها ويدرسها باستثناء القرآن الكريم، أما الحديث الشريف فلم يكن مجموعًا بالطريقة التي هي بين أيدينا اليوم.

إذًا من حيث المنهاج يمكننا القول بأن التعليم الشرعي كان يعتمد على :

1- القرآن الكريم من حيث الحفظ.

2- ما وصل إلى أيديهم من أحاديث شريفة من حيث دراسة الأسانيد وفهم النص.

3- أقوال السابقين من العلماء والتابعين والصحابة في تفسير القرآن الكريم وما جاء فيه من أحكام.

4- مبادئ العلوم الموجودة في ذلك الوقت مثل المنطق والفلسفة.

أما من حيث طريقة التعليم فكانت تقوم على مبدأين اثنين:

1- السماع: حيث يتلقى التلميذ الجزء الأكبر من علومه عن طريق سماعه من الشيوخ، وقد ورد عن أبي حنيفة أنه سمع من 30 شخصًا[2] مختلفين؛ بمعنى أنهم لم يكونوا من أتباع مذهب فقهي واحد.

2- النقاش: إذ كان الشيخ يجلس وتعرض عليه المسألة فيناقشها مع الحاضرين والذين كان فيهم العالم وطالب العلم والشخص العادي؛ ليستمع إليهم ثم يعطي هو الحكم الفقهي الذي وصل إليه.

بالطبع لم يكن المنهج وطريقة التعليم كافيين لصناعة فقيه صاحب مدرسة فقهية؛ إنما هناك ثلاثة شروط تبدو واضحة بشدة خلال قراءة سيرة وحياة معظم الفقهاء أصحاب المدارس ومن بينهم أبي حنيفة :

الأول: أن يمارس الفقيه عملًا حياتيًا، بمعنى أن يحتك الفقيه بنفسه بمشاكل الناس بشكل فعلي وواقعي؛ حتى لا تأتي الفتاوى منفصلة عن الواقع، أما أن يجلس الفقيه في دار الإفتاء ويأتيه الناس يسألونه فهذا لم يكن موجودًا، لقد كان أبو حنيفة تاجرًا ولم ينقطع عن عمله حتى مات، إن انخراط الفقيه بنشاط تجاري شرط ضروري جدًا لا يقل أبدًا عن شرط العلم.

الثاني: ألا يرتبط الفقيه بجهة قد تمارس عليه ضغطًا، بمعنى أن يكون حرًا في طرح رأيه، فلقد طُلب من أبي حنيفة أن يتولى القضاء مرتين ولكنه رفض، وعلى الرغم من أنه عُوقب وحُبس على رفضه إلا أن هذا لا يعني أنه لم يكن يتمتع بقدر كبير من الحرية.

الثالث: أن يقدم الفقيه طريقة خاصة في استنباط الأحكام، وبالنسبة لأبي حنيفة كان اعتماده على القياس هو الطريقة التي ميزته عن باقي الفقهاء وجعلت مدرسته تأخذ اسم: مدرسة الرأي.

بعد هذا العرض يمكننا الآن أن نتخيل كيف تطور الموضوع من مرحلة الفتوى (وهي مواءمة الحياة الجديدة مع الشريعة الإسلامية) ثم مرحلة المدرسة الفقهية ثم مرحلة المذهب الذي صار يتبعه ملايين من البشر:

كان أبو حنيفة رجلًا متمكّنًا من المعارف الإسلامية وشيء من المعارف غير الإسلامية الموجودة في زمانه، يمارس عملًا تجاريًا يوميًا، لا يقبل بأي ضغط يمارس عليه، يجلس في حلقة في المسجد يومًا أو يومين مثلًا، فيأتيه شخص يسأله عن حكم مسألة فيعرض المسألة على من حضر معه في الحلقة، ثم يعطي رأيه على ضوء ما وصله من حديث معتمدًا على طريقته في فهم النصوص والواقع معًا.

إلى هنا لم تكتمل صورة المذهب بعد، فالإمام أبو حنيفة بالطبع لم يقدم رأيه في جميع القضايا والمسائل، إنما جاء بعده أشخاص مثل القاضي أبو يوسف ومحمد بن حسن الشيباني ، واستعملوا طريقته وطبقوها على باقي المسائل، ومع مرور الوقت تم مناقشة مختلف الأنشطة التي يقوم بها الإنسان في حياته اليومية وفق ما جاء في القرآن الكريم والسنة ضمن فهم ورأي أولئك الفقهاء، بدءًا من العبادات مرورًا بالبيع والشراء وأحكام الرهن والشركات وانتهاءً بما يتعلق بشؤون الحكم وجني الضرائب وأخيرًا العتق، وتم جمع كل هذه الموضوعات بكل تفاصيلها في كتب سميت بكتب الفقه.

حتى تلك اللحظة لا يمكننا اعتبار هذه الظاهرة أكثر من كونها مدارس فقهية قدّمت رؤيتها، و(لا شك أن ميلاد هذه المذاهب هو ميلاد طبيعي، والمذهب الفقهي شأنه شأن أي مذهب يأتي في الحقل المعرفي ليصنف الناس حسب الأصول التي يعتمدونها إلى أطياف تسمى مذاهب وقد تسمى مدارس، وهذا أمر ليس خاصًا بالفقه ففي كل الحقول المعرفية مذاهب سواء في الإنسانيات أو في الأدب) [3].

بدأت مرحلة المذهب الفقهي في الوقت الذي تبنّى فيه الخلفاء إحدى المدارس الفقهية الموجودة في زمانهم لتكون مرجعًا لقوانين الدولة، ( لأن القانون في كل بلد ينبغي أن يكون موحدًا والفقه يمثل القانون في هذه الشريعة ونظرًا لتعدد المدارس الفقهية اضطربت أحكام القضاة، وكانت كل بلد يحكم فيها قاض بحسب ما يجتهد فوقعت مشكلات كثيرة وأحكام متغايرة ومتناقضة؛ مما دفع الدولة لأن تصدر نظامًا موحدًا وهو اتباع مذهب معين) [4].

لم يكن بنية الفقهاء المؤسسين مثل أبي حنيفة، ولا تلامذته من بعده أن يُلزِموا جميع الناس بمذهب واحد يصلح لكل زمان ومكان، حتى مجرد فكرة أن يكون هناك رأي فقهي واحد لم تكن واردة مطلقًا، وكان الجميع يتقبل الاختلاف الفقهي ويراه شأنًا طبيعيًا جدًا وليس تلاعبًا بالدين؛ ولا أدلّ على ذلك من كون أبي حنيفة – مثلًا – درس على سبعة فقهاء مختلفين[5] ولو كان هؤلاء السبعة على رأي واحد ما الحاجة إذًا ليسمع لهم جميعًا؟!

كيف إذًا توقفت حركة ولادة المدارس الفقهية؟

أعتقد أن التزام الحكومات الإسلامية بمذهب معين يعتبر من أبرز الأسباب التي أدّت إلى موت العديد من المدارس الفقهية بالإضافة إلى توقف حركة الاجتهاد بمفهومها الواسع الذي يعني ولادة مدارس فقهية بشكل مستمر، وظل الاجتهاد محصورًا في المذهب الواحد أو بتعبير آخر تم حصر استنباط الأحكام بطريقة واحدة، فقد ( التزمت الخلافة العثمانية طيلة فترتها بالمذهب الحنفي، أما الخلافة الأيوبية فقد التزمت بالمذهب الشافعي، وظل الفقه المالكي مطبقًا في الأندلس عدة قرون) [6].

نتيجة وجود عدة أقوال في المسألة الواحدة جعل الناس يحتارون ويتساءلون: «أي مذهب ينبغي أن أتبع؟»، وهكذا نشأت حركة الترجيح بين المذاهب في محاولة للتخلص من تعدد الأقوال وتقديم قول واحد تحت اسم «الراجح في المسألة».

إن خوف بعض الفقهاء والمجالس الفقهية اليوم من أن يتكلم في الدين شخص جاهل جعلهم يبالغون جدًا في وضع ضوابط وشروط الاجتهاد التي قد يستحيل تحقيقها، وربما لم تكن موجودة في الفقهاء القدماء أنفسهم، وهكذا سرعان ما تتحول أي مبادرة لتقديم طريقة جديدة في استنباط الأحكام – حتى لو كانت بالاعتماد على القرآن والسنة – إلى خروج عما اجتمعت عليه الأمة!

ربما يقول سائل هل تريد إعادة اختراع العجلة؟ أليس هناك قضايا فقهية قُتلت بحثًا؟، هل تريد أن تنكر وجود جهود كبيرة في مجال تقديم دراسات فقهية حول قضايا معاصرة؟

ما أريده باختصار قبل كل شيء هو فتح المجال وتشجيع طلاب العلم بشكل خاص على محاولة تقديم طرائق جديدة في المواءمة بين الشريعة وبين الواقع الذي نعيشه، وسأخصص المقال القادم للحديث عن مثال ربما يقدم لنا شيئًا جديدًا ومهمًا يسهم بطريقة ما في سد بعض الثغرات التي نجمت عن التعصب للمذاهب القديمة وعن سد باب الاجتهاد.


[1] – د.وهبة الزحيلي، برنامج : الشريعة والحياة، حلقة بعنوان: المذاهب الفقهية، قناة الجزيرة .

[2] – الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 6، ص392.

[3] – د.وهبة الزحيلي، برنامج : الشريعة والحياة، حلقة بعنوان: المذاهب الفقهية، قناة الجزيرة .

[4] – د.مصطفى بن حمزة، برنامج : الشريعة والحياة، حلقة بعنوان: المذاهب الفقهية، قناة الجزيرة .

[5] – ذكرنا في بداية المقال أن أبا حنيفة أخذ عن 30 شخصًا، ومع أن العلوم وقتها لم تكن متمايزة، إلا أن هؤلاء الثلاثين لم يكونوا جميعًا مشتغلين بالفقه، فهناك عدد منهم كان يشتغل بالحديث الشريف فقط، والبعض الآخر في القرآن الكريم وتفسيره، ولو راجعنا شيوخ أبي حنيفة حسب ما وصفهم الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء» لوجدنا فيهم على الأقل سبعة فقهاء وهم : عطاء بن أبي رباح ونافع مولى ابن عمر والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ومحارب بن دثار وعلقمة بن مرثد وحماد بن أبي سليمان وأبو جعفر الباقر.

[6] – د.وهبة الزحيلي، برنامج : الشريعة والحياة، حلقة بعنوان: المذاهب الفقهية، قناة الجزيرة .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] – د.وهبة الزحيلي، برنامج : الشريعة والحياة، حلقة بعنوان: المذاهب الفقهية، قناة الجزيرة .
[2] – الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 6، ص392.
[3] – د.وهبة الزحيلي، برنامج : الشريعة والحياة، حلقة بعنوان: المذاهب الفقهية، قناة الجزيرة .
[4] – د.مصطفى بن حمزة، برنامج : الشريعة والحياة، حلقة بعنوان: المذاهب الفقهية، قناة الجزيرة .
[5] – د.وهبة الزحيلي، برنامج : الشريعة والحياة، حلقة بعنوان: المذاهب الفقهية، قناة الجزيرة .
عرض التعليقات
تحميل المزيد