ما إن وضعت الحرب الباردة أوزارها، حتى تحركت مخابر التخطيط الاستراتيجي في التفكير لوسائل صراع حديثة غير تلك التقليدية، ومجالات للتنافس الدولي غير تلك المألوفة، ما أعطى الإشارة لإطلاق جيل جديد من الحروب والصراع باطنه اقتصادي وتجاري، وظاهره أوبئة وأمراض تتسم بالجينات الفيروسية المتحولة والمتأقلمة مع شتى الظروف.

لا شك أن القوى العظمى أدركت حجم فواتير الحروب التقليدية، وارتفاع الخسائر البشرية لجيوشها، فقد سارعت لتجنيد ثلة من العلماء والباحثين في مختبرات، مهمتها البحث والتطوير الفيروسي، والإسهام في ما بات يسمى بالحروب البيولوجية، عالم المعلوماتية لم يسلم هو الآخر من تلك الصراعات؛ فالقرصنة والجرائم الإلكترونية أضحت وجهًا جديدًا لحروب الأجيال الحديثة، والفيروسات المعلوماتية لا تختلف هي الأخرى عن البيولوجية.

فبالرجوع قليلًا إلى أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، والهجمات التي تعرضت لها مناطق مهمة في أمريكا، والتي جرت العالم إلى حرب كونية جديدة كادت توازي تلك العالمية الثانية، وراجعت حينها الدول العظمى استراتيجية الحروب لديها، ووضعت بدائل حربية غير تقليدية، وظهرت حينها مصطلحات في مجال الجيوستراتيجية العسكرية، كالحروب بالوكالة والجيل الرابع من الحروب،… إلخ.

المتتبع لأحداث سبتمبر يستحضر كيف استخدمت ولأول مرة بشكل رسمي مصطلح «الجمرة الخبيثة»، وهي جرثومة جرى تطويرها في مختبرات بيولوجية لها انعكاسات خطيرة على الكائن البشري، وجُربت العديد من الأسلحة البيولوجية في عدة مناطق توتر في العالم من حرب الخليج إلى غزو الصومال وحرب البوسنة والهرسك، وصولًا إلى الحرب على أفغانستان، فالأسلحة الجراثيم طورت منذ الحرب العالمية الثانية، ومع الوتيرة المخبرية المتسارعة في مجال الأبحاث البيولوجية، وجدت الأسلحة الجرثومية طريقها إلى الاستعمال العسكري، وإنفاق الدول العظمى على تلك المختبرات  فاق فواتير الإنفاق العسكري، وأضحت وسائل مستحدثة تستعمل في الصراع الدولي.

إدراك الشركات الكبرى المهيمنة على الاقتصاد العالمي، والتي لها مصالح تأثرت بصعود الصين كقوة اقتصادية عالمية، والتي بدورها حاصرت نفوذ الشركات وكبحت تغلغلها في ثنايا الاقتصاد الصيني الضخم، فإدراك أهمية هذا السلاح البيولوجي غير التقليدي جعلها تساهم في الإنفاق على المختبرات البحثية، خاصة وأن الأمراض الفيروسية المفتعلة والتي يمكن العلاج منها بفضل لقاحات وأدوية تصنع في المختبر، وتدر مليارات الدولارات على تلك الشركات من مدخلات بيع وتسويق الأدوية، فتمويل الشركات الكبرى للحروب أمر ليس بالجديد، فقد تكيفت تلك الشركات مع شتى أجيال الحروب من التقليدية إلى البيولوجية.

الإعلام هو الآخر لعب دورًا في الدعاية، والتأثير النفسي لعب دورًا محوريًّا في التوجيه الكبير للرأي العام العالمي، والصورة لعبت دورًا في صناعة الخوف العالمي تجاه تلك الصور المنقولة من المناطق لمناطق الصينية الموبوءة.

لقد بات من الحتمي إدراك حجم التهديد الجديد للحروب المستحدثة، وبعث مختبرات التطوير والبحوث لمواجهة مثل هاته التهديدات، لا سيما وأن فاتورتنا من الأدوية العادية ضخمة، فما بالك بتلك المتعلقة بالأوبئة والأمراض المزمنة، ولا بد من إدراك صانع القرار لأهمية المواكبة والتحسين المستمر للاستراتيجيات الدفاعية، لا سيما في الشق الصحي، على اعتبار الحماية الصحية معطى مهمًّا في مجال الأمن القومي في مثل هاته الظروف التي يعيشها العالم.

عمار سيغة، الجزائر في 26 فبراير(شباط) 2020.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد