لم يتصور معظم المجتمع العراقي، أو الطبقة السياسية الحاكمة، أن يخرج شباب عراقيون معظمهم من مواليد أواخر التسعينيات أو بداية الألفينيات، بهذا الغضب والوعي الكبير، فقد كانت التظاهرات العراقية التي اندلعت شرارتها مطلع تشرين الأول 2019 صدمة للطبقة السياسية الحاكمة اليوم، والتي تقطن في المنطقة الخضراء وسط بغداد؛ إذ وصل صداها إلى أقصى بقاع العالم، وانشغلت بها أبرز الصحف والوكالات الإعلامية، وهذه إشارة إلى أهمية هذه الاحتجاجات العراقية ضد النظام القائم منذ 2003، والسؤال هنا، لماذا كانت هذه التظاهرات غير مسبوقة؟ وهل هي بداية النهاية؟ وهل ستتمكن من هزيمة الطبقة السياسية التي تتمتع بدعم دولي؟ هذا ما سأجيب عليه أدناه وفق تصوري ونظري لواقع العراق الحالي.

واقع احتجاجات اليوم

إن الاحتجاجات التي وصفها معظم المراقبين بأنها الأولى من نوعها منذ 2003، هو لكونها جمعت أطياف الشعب ولم تكن مطالبها محصورة وضيقة لطبقة مجتمعية معينة أو طائفة ما، بل كانت احتجاجات تستهدف الطبقة السياسية الحاكمة بأكملها، كما أن المطالب كانت هي الأولى من نوعها أيضًا، حيث إنها لم تكن قاصرة على الخدمات أو حل أزمات المجتمع أو أزمة الاقتصاد المنهار، بل كانت تستهدف «رأس الحية»، أي السبب الحقيقي في دمار البلاد، ألا وهي التدخلات الخارجية بكل أشكالها، وكذلك الطبقة السياسية الحاكمة التي وضعها الاحتلالان الإيراني والأمريكي على حد سواء.

وأقول لكم من جانب آخر، لا يمكن السيطرة على الاحتجاجات التي تجري اليوم في العراق بصورة تامة ومنع أي مندس أو مسيس أن يخترقها، بل إنها سهلة الاختراق لأسباب عديدة، لكون هذه الاحتجاجات لم تسر تحت قيادة معينة، كما أن هنالك أصواتًا سياسية لها شعبيتها، وهذا هو ما يجبرنا على القول أن التظاهرات فيها تسييس نسبي، بجانب أياد غير مباشرة تقف وراءها أجندات أميركية تدعم مصالحها لتحجيم النفوذ الإيراني، بالطريقة التي يعرف بها اليوم، «الحرب بالوكالة»، ولذلك فلا يمكن أن نقول عن التظاهرات أنها «بداية النهاية».

أما بما يتعلق بقدرة هذه الاحتجاجات على إسقاط النظام السياسي القائم اليوم، فمن الصعوبة أن نقول إنها ستصل لهذا الهدف الذي يترقبه ويحلم به كل الشعب العراقي، فالطبقة السياسية لم تكن لتقوم لو لم يكن هنالك احتلال، كما أن الاحتلال عرف كيف يكون العراق ضعيفًا على مدى الحياة، عبر اختياره لهذه الطبقة، وبما أن العراق اليوم يعاني من نفوذ كبير وتأثير حاد من قبل أمريكا وإيران، فهذا يعني أن الطبقة السياسية حاصلة على دعم دولي زرع لها جذورها في المنطقة الخضراء، وقوة الاحتجاجات القائمة اليوم، والتي تعاني من خروقات نسبية؛ يعني أنها لن تحقق تطلعات الشعب بالأمد القريب، بل هي رسالة كتبتها للأجيال القادمة بأن المسؤولية الأكبر ستكون على عاتقكم.

الجيل القادم

إن الإصرار الشعبي الذي نشهده اليوم من قبل الشباب المنتفضين في العراق، لم يكن سهلًا، فهو تحدى قوةً أودت بحياة أكثر من 600 شخص وأصابت أكثر من 25 ألف جريح؛ وهذا التحدي هو دليل على الوعي الذي اكتسبه الشباب العراقي، وكيف عرف أن الحياة لن تستمر بوجود هذه الطبقة.

إن هذا الوعي جاء لتراكم الأزمات التي تعصف بالمجتمع، تزامنًا مع الانفتاح الذي بدأ من مواقع التواصل الاجتماعي، إذ إن عامة الناس من الشعب العراقي لم يدرك أن هنالك حياة تتمتع بها الشعوب الأخرى، إلا أن العالم الافتراضي كشف حقيقة الحياة التي لم يحصل عليها سكان هذا البلد المنكوب، وهذا ما زاد من إصرار الشباب على مواجهة الموت للحصول على الحياة.

كما أن هذا الوعي لم يكن هو الأخير، بل سيستمر انفتاح المجتمع، وستكون هنالك تجارب للأجيال القادمة بطبيعة التصرف مع الطبقة السياسية المصرّة على التمسك بمناصبها، بل ستكون المراحل القادمة عبارة عن مدارس تخلق خبراء ومختصون بهذا المجال، ستولّد على إثرها جيل واع بقوة كافية باستطاعتها اقتلاع سكان المنطقة الخضراء، وهذا ما يترقبه العراقيون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد