خُلقنا مِن ذكرٍ وأنثى، ثُم جعلنا اللهُ شعُوبًا كثيرةً وقبائل، وفرض علينا عِمارةَ الأرض، وجعل من أهمِ أسبابِ عمارة الأرض هي إنشاء جيلٍ واعٍ وَمُدرك، جيل يسعى نحو فهمِ ذاتهِ وفهم طبيعة ما يدور حوله وما يدور معه، ليتركَ أثرًا طيبًا يُثابُ عليهِ وَيثابُ عليهِ والدهُ كذلك.

خُلقت الأنثى وبداخلها شعورٌ فِطري بالأمومة، يتجلى في تعاملها مع ألعابها مُذ كانت صغيرةً لا تتجاوز السنتين من عُمرها، وكذلك الذكر تراهُ بفطرتهِ يُحب تحمل المسؤوليات، وإن كنت تراها ككبيرٍ صغيرة، إلا أنها بالنسبةِ لهذا الصغير أمرٌ لو تعلمون عظيم، ويكبر الصبي وتكبر الأنثى، ويُعزز الله شعور الأبوةِ والأمومةِ فيهما فيرزقهما بنعمةِ الأطفال، وهذهِ النعمة من أجل وأسمى النعم التي يُنعم الله بها على عباده ويمنحهم إياها، لذلك تعالوا نتعلم معًا كيف يُمكننا الحفاظ على هذه النعمة، وتأديةِ شكر الله عليها بِحسن تربيةِ الصغار ورعايتهم.

ومن أهمِ خطواتِ التربيةِ السليمة، وعي الأبوين لمسؤولية الأبناء، وأن وجود الأبناء ليس أمرًا اعتياديًّا، بل هي مسؤولية عظيمة وكبيرة؛ لذا فعلى الأبوين الاطلاع، وإثراء الثقافةِ التربوية من خلال سماعِ المحاضراتِ وقراءة الكُتب، ومعرفة المراحل العمرية المختلفة للأبناء وكيفية التعامل مع كل مرحلة، ومعرفة احتياجات صغارهما، وكيفية وضرورة الاهتمام بتلك الاحتياجات.

وَمن أهم أسس التربيةِ السليمة، وأحد أهم مرتكزاتها التي لا تكتمل بنية التربية بدونها، هي مشاركة الأبوين في تربيةِ الصغار، فتمتزجُ مفاهيم الأمِ والأبِ معًا، وينسجان سويًّا أسسًا قويمة ومفاهيم طيبة وسلوكًا حميدًا، فينشأ الطفل سويًّا، مُتعلمًا أهم أمورِ الحياةِ وهي الانسجام والود والحب، أما هؤلاء الذين يُلقون اللوم والتقصير والتفريط بعضهم على بعض، ينشأ صغارهم مشتتين مُذبذبين، لا يعرفون للصوابِ طريقًا، فيتخبطون في الطرقاتِ هائمين على وجوههم، تفنى أجسامهم وعقولهم وقلوبهم قبل أعمارهم.

والتربيةُ لا تقتصر على نقد سلوكِ الطفل الخاطئ، ولا على تعزيز سلوكه القويم، بل التربية أشمل وأوسعُ من ذلك، فمن الضروري أن يقضي الأبُ والأمُ ساعةً واحدةً كل يوم، يغرسون في الطفل سلوكًا طيبًا، ويستمر غرس ذلك السلوك طوال أسبوعٍ، ثم يضاف المزيد والمزيد من الخصال الحميدة، والسلوكيات الهادئة الجميلة، كما يمكن دمج هذه العادة بأخرى، أن نجعل للطفلِ دفترًا، نكتب فيهِ معه إنجازاته، فمثلًا تعلمنا هذا الأسبوع أن كلمة آسف هي من ألطف الكلمات وأجملها، وتعلمنا أيضًا في الأسبوعِ التالي أن طاعة ماما وبابا شيء لطيف، وهكذا وغيرها من الخصال، وكذلك مكافئة الطفل المستمرة على فعله لأبسط الأمور الصحيحة، فهذا يُعزز لديه الكثير من الخصال بجانب ما تعلمها، ويكسبه ثقةً بنفسه وبمن حوله، ويدفعه للمضي قدمًا نحو تعلم الكثير والكثير من الطيب من القول والفعل وكذلك القيام بهمها.

ولا يتوقف دفتر التدوين على هذا فحسب، بل أيضًا يمكننا إضافة أشياء أخرى وإنجازاتٍ لطيفة، كاستعماله فرشاة الشعر للتمشيط، ربطهِ لرباط حذائه، هدوئه عند قدومِ أحد الأقارب والأصدقاء، تمييزهِ بين الألوان، وتأمله لشيء ما.

كذلك تنظيم الخروجات بشكل أسبوعي، أو على الأقل مرةً كل شهر، واستغلالها في زيارةِ مكانٍ ما وإضافة معلومات عن ذاك المكان،الذهاب إلى البحرِ مثلًا، والحديث عن عالمِ البحار وأسرارهِ، والتقاط بعض الصور كتذكارٍ على الزيارة، وربط المعلومات التي أُضيفت إلى عقل الطفل بها، فيحظى الطفل باحتواءٍ أُسري، بالإضافةِ إلى تعلمهِ شيئًا جديدًا.

توطيد العلاقات العائلية، كالذهاب إلى بيوت الأعمام والأخوال، وغيرهم من الأقارب، مما يساعد الطفل على الاندماجِ في المجتمع أكتر وأكثر، وغرسِ قيمة صلةِ الرحم فيهِ منذ صغره، كذلك التقائه بصغارٍ في مثل عمره، مما يساعده على إشباع روحه بالمرحِ، واللعب، والتعاون، والمشاركة، ومعرفته للكثير من الأمور التي لا يستطيع معرفتها وفهمها إلا في غرسه وسط أطفالٍ صغارٍ مثله، يشاركونه ما يحب، ويشاركهم ما يحبونه.

وَمن أكثر الأمور التي يغفل عنها الأبوان كثيرًا، هو اعتمادهما على مصادر أخرى لتربيةِ طفلهمها، ملقين بكثيرٍ من المسؤوليات على تلك الجهات، كالروضةِ والمدرسة، كذلك. المجتمع بما يشمله من أهلٍ وأقارب وجيران، ووسائل الإعلام المختلفة، وينسى كل منهما، أن وجود كل تلك المصادر لا يُخفف الحمل عنهم مطلقًا، فكل منهما هو المسؤول الأول والأخير عن تربية الابن، وأما عن تلك المصادر فما هي إلا وسائل لإضافة بعض اللمسات في تكوين الطفل وتشكيل شخصيته، كما أنها أيضًا بمثابةِ ورقةِ امتحان للأبوين قبل الطفل، ليعرف كل منهما ما زرعاه في طفلهما، هل رعياهُ حق رعايته، أم أنهما تركاه دونَ رعايةٍ واهتمام.

ومن أبرز الأخطاء الشائعة في وطننا العربي، هو التفرقة في المعاملةِ بين الأبناء، كالتمييز بين الذكر والأنثى، أو بين الأبناء بشكلٍ عام، وهذا الخطأ يُورث الحقد والكراهيةَ في قلوبِ الصغار بعضهم تجاه بعض، فيخرج الطفل من بيته غير مشبعٍ بالحنانِ والحب والأمان، ويكون الطفل مهترئ القلب والروح، تنعدم ثقته بنفسه وبالآخرين أيضًا، وقد ضرب لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أعظم مثالٍ في العدل بين الأبناء، فعن عبد الله بن البشير، رضي الله عنه، أنه قال: «سألتْ أمي أبي بعض الموهبةِ لي من ماله، فوهبها لي، فقالت لا أرضى حتى يشهد النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال له: أيا بشير ألك ولد سوى هذا، قال نعم، فقال أكلهم وهبت له مثل هذا؟ فقال لا، قال :فلا تُشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور».

وهنا يضربُ لنا رسول الله ضرورة العدل بين الأبناء، وعدم التفرقة في المعاملةِ بينهم.

وقد يختلط على الكثير التفرقة بين العدل والمساواة، فمثلًا إذا كان هُناك طفلان أحدهما بارعٌ في مجالٍ ما والآخر لا شأن له بهذا المجال مُطلقًا، فإن من العدلِ أن أساهم في تنميةِ الإبداع لدى هذا الطفل، دون إهمال الآخر وميوله، أما المساواة فتقتضي أن يُمنح كلا الطفلين المعاملةِ نفسها والاهتمام والحب دون التفريق بينهما.

ومن الأساليب السحرية لتعزيز القيم الحميدة والخصال الطيية لدى الأبناء، هو أسلوب المدح، هذا الأسلوب السحري الذي يدفع الطفل رغمًا عنه للتعامل بقيمٍ حميدة بدلًا من تلك الأُخرى التي كان عليها، فمثلًا إن كان ابني يكذب، أمدحه قائلةً له «ما ألطفك إن كنت صادقًا، يحبك الجميع ويشيدون بصدقك»، بدلًا من نهرهِ واستعمال الغلظة والقسوة، فبالرفق تلين أصعب الأمور، ويتعلم الطفل مئات الخصال، بدلًا من ألا يتعلم شيئًا في لحظات القسوة.

كل هذه الأمور، وغيرها من أساسياتِ تربيةِ جيلٍ قويمٍ يُعمر روحه وذاته وقلبه، فيعمر أرضه وكونه، وهذه الطرق ليست مثاليةً أو خيالًا، بل إنها أمور أساسية وعاديةً، ولكن تراجعت قيمنا ومبادئنا، فبات العادى لدينا مستحيلًا ومثاليًّا.

وعلى الأب والأم، تخصيص ساعةٍ أسبوعيًّا، يبتعد كل منهما عن مسؤولياته الزوجية والتربوية، يخرج من تلك القوقعة يتنفسُ ويمارس ما يعيد إليه نشاطه وحيويته، حتى إذا عاد لمسؤولياته عاد أفضل مما كان.

سنحاسب على تلك التربية يوم القيامة، لا الأبُ وحده مسؤول، ولا الأم وحدها، فتعاونا معًا، وتحاورا وتناقشا، ولا يُلقي أحدكما الحمل من على كتفه معتمدًا على الآخر، واعلما أن كلنا راعٍ وكلنا مسؤول عن رعيته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد