المعطى الجيوستراتيجي الجديد في اليمن يلخص بأنه كان بإمكان العرب حماية اليمن، وحماية أنفسهم بالتنمية منذ عقود. عبر الإدارة التكاملية للمصالح الجيوستراتيجية، وصولا إلى مرحلة التكافؤ الجيوستراتيجي فيما بين دول المنطقة، أي على المستوى الإقليمي. لذلك لابد والتعامل مع جماعة الحوثي كعرب وليس كفرس، وجماعة تدير دولة 2017، وليس مليشيا تدير دولة، والأهم: ليسوا امتدادا لدولة ما قبل 1962.

يجب وضع جماعة الحوثي في مواجهة رأي شعبي في مناطق سيطرتهم، فقد نجحوا في إقصاء الرئيس السابق علي عبد الله صالح بفعل نجاحهم في إدارة الرأي الشعبي بين أنصاره. كما يجب توخي الحذر والاصطدام مع قرارات مجلس الأمن الدولي الصادرة بحق اليمن، وخصوصا رقم 2216، فذلك الصدام قد يقود لزيادة مساحة الرأي الشعبي الموالي لجماعة أنصار الله الحوثية، بالرغم من أخطائها.

إن ايقاف التدهور على منعطف الاستراتيجية مهمة ضرورية وملحة قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة، بمعنى انتشار الفوضى في اليمن، وتحوله إلى دولة فاشلة وانتهاء كينونته. وبدون الوصول إلى نقطة التكافؤ الجيوستراتيجي بين الدول الرئيسة في المنطقة، فإن عملية التغيير الجيوستراتيجي الإقليمي في اليمن ستكون عرجاء ومنقوصة. والوصول إلى هذه النقطة يتطلب الوصول إلى نقطة التوازن الاستراتيجي المحلي من خلال تغييرات داخلية حقيقية في النظام السياسي والاقتصادي والرأي الشعبي، والذي سيمهد لاستغلال الموارد وتطوير التعليم، ويتطلب هذا نسيجا اجتماعيا داخليا متناغما، وديمقراطية وحرية وقيم وثقافة قومية مشتركة، ووسائل إعلام محترفة، وبنية تحتية متينة، وخدمات صحية مقبولة، ورؤية طموحة جذابة.

لذا يتوجب الاهتمام بالشعب اليمني في مناطق الدولة التي تحت سيطرة جماعة الحوثي، بتكثيف الإغاثة، ودفع فاتور ة الأجور والمرتبات والخدمات، وكذلك استقطاب المواطنين من جانب مشروع جامع وطني، وليس عدائيا محفوفا بالغموض للشراكة المستقبلية ومصيرها.

كذلك بعد إقصاء حزب المؤتمر الشعبي العام نهائيًا في صنعاء وصعدة وذمار وعمران وحجة، بالإمكان أن يستعيد حضور شامل في مديريات تعز المجاورة لمحافظة إب، والأهم الحضور في محافظات إب، والحديدة، والبيضاء، وحجة الساحل، وكذلك مدن المحويت وريمة ومديريات ذمار المجاورة لمأرب والبيضاء والحديدة.

يجب أن تكون الرسالة واضحة بأن اليمن لن تكون ملكا لسياسة دول أو أحزاب أو أفراد أو جماعات مسلحة، بقدر ما تكون بيئة احتواء لمن يتمتع بمشروع مستقل جامع، يجبر فيه كل اليمنيين على تبنيه بأنفسهم كمسار وخيار إجباري، يتمكن من تجنيب اليمن ويلات الحرب والدمار والاقتتال والخراب، وكذلك امتلاك مساحة حضور بين طياته، ليكون الجميع  في موقع صناعة  القرار اليمني الكامل والموحد وغير منقوص، ولا يتحكم به طرف دون آخر.

ذلك سيحقق انهيارا متسارعا للتدخلات التي تنفذ من خارج اليمن، وهذه ما نتحدث عنها بالإدارة التكاملية للمصالح الجيوستراتيجية في اليمن، وهي عبارة عن مهارة وحصافة في خلقها داخل أوساط الشعب اليمني، وتمريرها بكل دهاء  وذكاء سياسي صرف.

للعلم بالشيء، تواجه منطقة الشرق الأوسط بيئة صعبة ومعقدة، حيث تتدخل القوى العظمى، ليس في الشؤون الجيوسياسية في كل بلد، لذلك فإن هناك فرصة لدول المنطقة للعمل بجدية للوصول إلى نقطة التوازن الاستراتيجي الداخلية للدولة في اليمن، ثم تطوير ثقافة جيوستراتيجية مشتركة مع دول المنطقة ثانيا، ثم الوصول إلى نقطة التكافؤ الجيوستراتيجي ثالثا، بهدف تحقيق إدارة تكاملية للمصالح الاستراتيجية فيما بين دول المنطقة رابعا؛ مما سيفتح الأبواب لطرح مبادرات جيوستراتيجية على المستوى الدولي بخصوص الشأن اليمني، ومن منطلق قواعد من الداخل اليمني، وليس أن تصدر من الخارج إلى الداخل اليمني.

يخبرنا التاريخ أن المكونات العرقية للحضارة الإسلامية من العرب، والترك، والفرس، وجماعات أخرى كانت قادرة على تطوير حضارة مميزة خلال تاريخها. وإن هذا الفخر التاريخي وضروريات الواقع الحالي المضطرب يفرض على كل الدول في المنطقة أن تطور شكلا من أشكال السيطرة على واقعها وظروفها الجيوستراتيجية، بدلا عن التخلي عنها لقوى خارجية تتصرف في المنطقة كيفما تشاء على حساب دول المنطقة. وبالرغم من التناقضات الداخلية الحرجة بين دول المنطقة، وخصوصا فيما يجري في اليمن، إلا أنه مازال هناك فرصة من أجل الاستفادة من هذه الصعوبات والنزاعات السياسية والعسكرية، وكذا من الصعوبات الاقتصادية، لتكون دافعا للوصول على الأقل إلى مذكرة تفاهم جيوستراتيجية أولية تؤسس لتفاهم استراتيجي مشترك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك