يبدو أن الأحداث المتلاحقة منذ عدة سنوات على الساحة السياسية العربية ألقت مزيدًا من الضوء على المستوى الشعبي العربي والإسلامي، على التيارات الإسلامية خاصة بعد وصول أو اقتراب الكثير منها من سدة الحكم.

والتيارات الإسلامية تتفاوت وتتمايز ما بين الإخوان والسلفية والصوفية.

وباستبعاد الصوفية لأنها لا تتدخل في السياسة وتستخدم فقط السلطة عند الحاجة لأنهم الأكثر عددًا وانتشارًا وتغلغلًا في العمق الشعبي، يتبقى لنا الإخوان والسلفيون.

الإخوان

جماعة منهاجها الإصلاح الشامل للفرد والأسرة والمجتمع، وهو المنهج الشمولي للإسلام، وقد بدأت الجماعة فتية شابة وعتية وكان لها نشاط كبير في عالم السياسة بفضل شخصية مؤسسها حسن البنا، وقد أفرزت الجماعة للأمة العديد من المفكرين والعلماء الذين صاغوا الفكر الإسلامي المتجدد في العالم العربي والإسلامي، وفي نفس الوقت بادروا بالجهاد في فلسطين وأبلوا بلاءً حسنًا مشهودًا لهم به، عوض تخاذل الجيوش العربية التي انهزمت وتراجعت بفعل خيانات حكامها واستسلامهم للمؤامرات الإنجليزية والغربية.

ولكن يبدو أن شخصية حسن البنا وعقليته كان لها الدافع الأكبر في تكوين الشخصية الاعتبارية للإخوان؛ إذ إنه بعد اغتياله بدأت تدب الخلافات الفكرية داخل الجماعة مما أدى إلى حل التنظيم الخاص الذي جاهد في فلسطين، ما أدى لوضع الجماعة تاريخيًّا بعدها تحت ضغط الحكام بعد أن نزعوا مخالبهم بأيديهم وسلموا رقابهم للحكام، بدءًا من عبد الناصر الذي وجه لهم ضربات قاتلة لم تؤثر فقط في كيان الجماعة العضوي، ولكنها أيضًا أثرت في فكرهم، فتغير فكر جماعة الإخوان بدءًا من التلمساني الذي جمع شتاتها في عهد السادات، ولكن إلى فكر مغاير عن فكر البنا وسيد قطب، وحول الإخوان إلى جماعة مدجنة منعزلة سرية تعمل في الخفاء وتحت الأرض، حتى في أوقات الرخاء التي يحظون فيها ببعض الحرية. وتقوقعت الجماعة على نفسها وأصبح فكرها الأساسي هو الحفاظ على كيان الجماعة بأكثر من الحفاظ على نشر فكرها الأساسي الذي نشأت من أجله.

ورغم انتشارالجماعة في العديد من دول العالم وهو ما لم تحظ به جماعة في التاريخ من قبل حتى أصبح لها تنظيم دولي، إلا أن الجماعة لم تستفد أبدًا من هذا الانتشار والتغلغل في بنية المجتمعات، لاعتمادها العمل السري التحفظي والخنوع والاستسلام لرغبات الحكام، وعدم المقاومة الفطرية التي تتطلبها المواقف أحيانًا، ونزوعها لعدم الصدام مع الحكام بعد الدروس التي تلقتها على أيدي عبد الناصر ومبارك.

فتحولت الجماعة رويدًا رويدًا عن هدفها الأصلي في إصلاح المجتمع استنادًا على الفكر الإسلامي المستمد من السنة النبوية المطهرة، إلى دكان للأعمال الخيرية وكفالة الفقراء والأيتام.

حتى إذا ما واتتها الفرصة في 25 يناير للوصول إلى سدة الحكم في مصر، أخفقت تمامًا في الحفاظ على الحكم لعدم نضوجها سياسيًّا وعدم خلق كوادر سياسية، ووقعت في أخطاء ساذجة وتلاعب بها العسكر حتى أطاح بها ليس من الحكم فقط، بل بجزء كبير من القبول والتعاطف الشعبي السابق معها بحملة تشويه كبرى ستعاني منها الجماعة سنوات طوالًا.

استسلام الجماعة للحكام وقبولها دائمًا أن تكون طرفًا مفعولًا به لا فاعلًا، وقبول السجن والتعذيب والتشريد وتحويله إلى بطولات وأمجاد، مع تغييب فريضة الجهاد وإطلاق مصطلحات ممجوجة عن الإسلام الوسطي، والإصرار على التعاطي والتعويل على الدول الغربية التي تآمرت على إسقاطهم وتشريدهم وسجنهم، والفظائع التي ترتكب معهم والتغاضي عن معاناتهم يشي بانعدام فهم الجماعة لطبيعة الصراع الآني الداخلي والإقليمي والدولي، حتى انتهى الأمر بهم للوقوع بين يدي الخلافات الداخلية وهي الأكبر في تاريخهم، والذي يهدد وجود الجماعة نفسها من ناحية الانفضاض الشعبي عنهم وانعدام الثقة بهم، ولولا عدم وجود البديل حتى الآن على الساحة السياسية المصرية، والتي احترقت فيها كافة الأوراق؛ لكانت جماعة الإخوان نسيًا منسيًا بعد انحرافها عن المنهج الرباني، ومحاولة تمييع قضايا الدين الأساسية وتفضيل مصلحة الجماعة على مصلحة الأمة، وما لم تراجع الجماعة منهجها الإسلامي كاملًا وتجدد في بنيتها الفكرية فسيكون مصيرها الزوال والخروج من التاريخ .

السلفيون

وقع السلفيون ضحية الإسلام الأعرابي البدوي بعد أن غاب عنها الإسلام النبوي وضلت عن سبيله، وتلقفت إسلام الخوارج من السعودية في الحقبة النفطية المعاصرة، فكانت النتيجة أن ازدادت تخلفًا عن الواقع بعد تبني تلك الأفكار بسبب جمود النص، وتبني فكرة الرفض لكل ما هو مخالف لاجتهادات فقهاء السلف ومواقفهم، مما أوجد فجوة كبيرة بين تلك النظريات وبين الواقع. فالفكر الذي يستعلي على الواقع والجماهير لا يمكن أن يحقق الاستقرار والتقدم للدعوة،
وانعكس كل هذا على القشرية والسطحية في فهم النصوص وتظهر لنا من خلال تركيزهم على مسألة اللحية وتقصير الثوب، وتغطية وجه المرأة، ومحاربة التدخين، والاهتمام بالممارسات التعبدية كالصلاة والصوم وحفظ القرآن، دون الاهتمام بجوهر الإسلام.

* تركيز العداء على الجماهير متهمة إياها بالكفر والفسوق والتسيب.

* تكفير المخالفين وهي أكثر السمات بروزًا في فكر السلفية.

* تعطيل العقل حيث يعيش السلفيون بعقل الماضي ولا تعمل العقل في الحاضر أو في النصوص المختلقة التي تتبناها، وتنادي بتطبيقها أو حتى في الأحداث والمتغيرات التي تجري من حولها، فهي تريد أن تطبق النص كما هو دون حساب للنتائج أو المتغيرات ودون وعي بحقيقة النص ومدلوله.

* انعدام الوعي بطبيعة الصراع وبالواقع إذ لا تعطي اهتمامًا بالسياسة أو الثقافة أو فقه الواقع، وكل ما يعنيها هو تطبيق الكتاب والسنة دون أن يكون لديها الوعي بطبيعة العوائق التي تقف في طريق هذا التطبيق، وطبيعة القوى المعادية التي تتربص بها وبالإسلام، وتتبنى تصورًا وهميًا مفاده أن تمسكها بالكتاب والسنة سوف ينجيها من كل شر، ويحقق لها النصر على الباطل دون أن تملك أية أسباب أخرى. فالوعي عند هذه التيارات ينحصر في دائرة النصوص ويتركز حولها.

* الغلظة في الدعوة وتبني العنف في تطبيق الأحكام، وهي إحدى أبرز سمات السلفيين والوقوع في الجدل واللجج والجنوح إلى الفروع دون الأصول.

إن إيجابية التيارات الإسلامية السنية وفاعليتها لن يتحققا إلا بالالتزام بالإسلام النبوي، ودون ذلك لن تملك الرؤية الواعية للواقع وطبيعة الصراع وسوف تظل تتخبط في ساحة المواجهة.

الخلاصة

مما سبق، وإدراكًا منا بطبيعة التيارين وعدم إدراكهم طبيعة الصراع الإقليمي والدولي، وكذلك عدم فهم الجماهير سيكولوجيًّا ما بين تراخي الإخوان وتهاونهم وغلظة السلفية وعنفهم، يبدو لنا الحاجة إلى تيار إسلامي جديد يستلهم الفكر الإسلامي الصحيح، والذي يوازن ما بين التراث الإسلامي في الماضي وربطه بالواقع الجماهيري الآني من النواحي الفقهية، والتي هي بحاجة شديدة إلى تجديد الفكر الإسلامي والنواحي السياسية بالنظر إلى التغيرات العالمية، واللحاق بركب العالم المتسارع، ومحاولة إيجاد مكان مشرف لنا على خارطة العالم يعادل عظمة ومجد هذا الدين في ماضيه التليد .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد