منذ تعيينه وليا للعهد، يواصل محمد بن سلمان الترويج لعهد جديد في المملكة العربية السعودية، تارة يتحدث عن ثورة اقتصادية رائدة في أفق 2030، وتارة اخرى عن طلاق مرتقب مع الفكر الوهابي المتشدد، والتقليص من سطوة وهيمنة السلطة الدينية على المملكة.

لقد صرح قبل أيام أنه سيتبنى إسلاما وسطيا معتدلا ومنفتحا على العالم، وسوف يقود مملكة متحررة.أولى الخطوات كانت التقليص من صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيئة السمعة، والتي طالما كانت محل انتقاد من الهيئات الحقوقية الدولية، ولم تسلم كذلك من الانتقادات داخل الأوساط الفكرية والمجتمعية السعودية. بعد ذلك تفاجأ العالم بإعلان السعودية السماح للمرأة بقيادة السيارة لأول مرة في تاريخ المملكة الخطوة التي عكست توجها من القيادة الشابة للأمير محمد بن سلمان نحو تبني بعض قيم المجتمع العلماني الحداثي والانفتاح المجتمعي. هذه القرارات الهيكلية والجريئة مثلث حسب الكثير من المتتبعين انقلابا هادئا على الجناح الديني الذي تقوده عائلة محمد عبد الوهاب، وقد أشار مراقبون أن هذه الخطوات والقرارات تعجل بتخلي الملك السعودي عن عرشه، وتسليم مقاليد الحكم لابنه الشاب الذي اقترن اسمه برؤية 2030 الاقتصادية.

هكذا إذن سعت الآلة الإعلامية السعودية إلى تحسين صورة الأمير الشاب عبر الترويج لسياسة الانفتاح التي أعلنها، المشهد السياسي في السعودية يبعث على التفاؤل، ويحيل إلى مستقبل مشرق لمملكة رزحت تحت ديكتاتورية قمعية لعقود طويلة، لكن ما خفي كان أعظم، وما علينا سوى التمعن في الوقائع وتفصيلها؛ لنتأكد أن عهد محمد بن سلمان لن يختلف عن ما سبقه؛ فالتسلط وسياسة القمع باقيان ومستمران، ولو تحت غطاء سياسة الانفتاح، كما أن رؤيته الاقتصادية قد تتحول لسراب في المدى القصير أو المتوسط.

محمد بن سلمان خلف هذا الوجه البريء الذي تواصل البروباغندا الإعلامية السعودية دعمه تم تدشين حملة قمع غير مسبوقة حسب صحيفة الوال ستريت جورنال الأمريكية، فبموازاة إصدار قرارات تسمح بالرفع من هامش الحريات الفردية، وخصوصا المرتبطة بالمرأة شنت أجهزة الأمن السعودية حملة اعتقالات واسعة تختلف عن سابقاتها من حيث الشرائح المستهدفة من رجال دين مثقفين، كتاب وصحافيين لطالما عرفوا بدفاعهم عن هيئة الحكم في المملكة.

فخلف ستار الترويج للانفتاح المجتمعي تم السحق والتضييق على كل من قد يشكل خطرا مستقبليا على الأمير الشاب الذي سعى إلى تهيئة الأمور والدفع بسياسة يحتكر فيها السلطة السياسية والدينية وحتى الاقتصادية. فعلمانية محمد بن سلمان لا تعترف بالرأي الآخر، ولا تسمح بالتعددية الفكرية، حملة القمع لم تستثن أحدا، بل امتدت إلى داخل الأسرة الحاكمة، ولو بطرق غير مباشرة، محمد بن نايف، ولي العهد السابق، تم الحد من سلطات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي يرأسها، وتم تأسيس هيئة أخرى مناوئة له عرفت باسم الهيئة العامة للترفيه، والتي وجهت لها اتهامات من السعوديين في شبكات التواصل الاجتماعي بتعمد استفزاز رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقيم ابن سلمان العلمانية وخطواته التحررية الشكلية المعلنة ليست من أجل القطع مع ماضي المملكة السيئ في القمع، بل لا تعدو أن تكون وسيلة لإلهاء المجتمع الدولي والتأسيس لحكم مطلق لا يختلف عن ما سبقه، فالعلمانية المتطرفة والوهابية المتشددة وجهان لعملة واحدة.

ما يجهله ويتناساه الكثيرون، أن محمد بن سلمان هو نفسه من يشغل وزير الدفاع في المملكة، وهو المخطط الأول للعدوان السعودي على اليمن، وكذلك حملة المقاطعة والحصار المتواصلة على قطر، فالاستثمار الحقيقي الذي يقوده، ليس اقتصاديا أو تنمويا، كما ورد في رؤية 2030 التي تبنتها المملكة، بل استثمارا في الخراب والدم العربي، وليس كذلك توجها نحو جعل السعودية على رأس زعامة الدول السنية، والزيادة من عمقها العربي والإسلامي، بل بالعكس يتزايد السخط العربي على سياسة المملكة يوما بعد آخر، وتتزايد عزلتها الإقليمية بسبب الجرائم المتواصلة في اليمن ودعمها لمساعي التقسيم والتفتيت في العديد من الأقطار العربية. فمنذ بزوغ نجمه تورط محمد بن سلمان في حرب مدمرة في اليمن، وفي قطيعة اقتصادية وسياسية مع قطر التي تشترك مع السعودية في مجلس التعاون الخليجي والحليف السابق في حرب اليمن، المعطى الذي يعتقد الكثيرون أنه سيحول رؤيته الاقتصادية 2030 إلى سراب.

قبل أيام نشرت صحيفة التايمز البريطانية تقريرا تناولت فيه دعم السعودية السري للاستفتاء الكردي، الخبر لم يفاجئ أحدا، فتاريخ المملكة في دعم خطط التقسيم في ليبيا وسوريا معروفة سلفا فمحمد بن سلمان الحاكم الفعلي، وصاحب القرار السياسي في السعودية لم يغير ولم ينحز عن سياسات السعودية التخريبية الساعية لتشتيت المنطقة العربية.

لم يحتج محمد بن سلمان الكثير من الوقت لإظهار ملامح عهده، ترويج لقيم الانفتاح في العلن، وتشديد للقمع في السر، مع استمرار المملكة في رهاناتها الفاشلة بالاستثمار في الخراب والدم العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد