لا يبدو لأي عاقل أو ذي بصيرة اطّلع على خرائط كان قد تم تداولها قبل سنوات قليلة بأنها قابلة للتنفيذ على أرض الواقع. وخصوصًا أنها تضمنت نشوء دويلات جديدة داخل دول عريقة وقديمة مثل العراق والمملكة العربية السعودية وسوريا أو انصهار وذوبان وانتهاء دول أخرى كانت لها أدوار محورية في حروب دولية مثل الكويت! ولكن في عالم السياسة المتغيّر المفاهيم والأيديولوجيات يبقى كلّ شيء واردًا.

من استفتاء إقليم كردستان ستنطلق رحلتنا التحليلية وهو استفتاء انطلق على أساس عرقي يريد أن يمنح للإقليم الذي يتمتع بمميزات تحسده عليها ليس فقط بقية المناطق في العراق وإنما بقية المناطق الكردية في دول الجوار أيضًا، ولا عجب أن نجد الدولة الوحيدة في العالم التي تدعم هذا الاستفتاء هي إسرائيل! هذا الاستفتاء الذي سيخلق في التالي بؤر توتر وقلاقل لمنطقة الشرق الأوسط ستبدأ من التذمّر المحلي ولا تنتهي إلا بالاضطرابات والقلاقل التي ستأخذ مداها الدولي!

لكن هذا الاستفتاء «غير الدستوري» ذا الطابع العرقي سيفتح شهية بقية الأقليات العرقية وخصوصًا ذوات الطابع المذهبي في العراق على المطالبة أيضًا بحقوقها «غير الدستورية» وهنا أشير بوضوح إلى «الأقلية السنية» التي عانت الأمرين من ظلم حكومات ما بعد 2003. فهذه الأقلية عانت الظلم والاضطهاد والتهجير طوال السنوات الماضية وما زالت. فتارة بحجة انتمائها لمقاومة المحتل الأجنبي وعمليته السياسية الكسيحة في العراق وتارة أخرى بحجة كونها حواضن لحركات إرهابية تريد الاستيلاء على مقدرات الحكم في البلد.

ستكون لنا هنا بالتحديد وقفة جادة أمام موضوع الأقليات العرقية والمذهبية في المنطقة. وعلينا أن نعيد رسم الخرائط فيها بوضوح لكي لا تختلط علينا الأمور. فهناك أقليّات سنيّة في دول ومناطق شيعيّة مثل إيران والتي تقمعها حكومة ولاية الفقيه بكل الطرق البوليسية المتاحة في مناطق كردستان إيران في الشمال الغربي وفي مناطق الأهواز العربية في الجنوب الغربي وعلى سواحل الخليج العربي. ولكن هناك أيضًا أقليّات شيعية في دول ومناطق أخرى من العالم العربي وخصوصًا في الشرق من المملكة العربية السعودية وأقصد هنا في «القطيف والأحساء» وفي البحرين أيضًا. وعلينا أن لا ننسى حركات التمرد العرقية القائمة في هذا الوقت في شمال أفريقيا والمطالبة باستقلال أقاليم مثل الأمازيغ والريافة والبرابرة في الجزائر والمغرب. فاستقلال إقليم كردستان سيكون كالحجر الأول الذي سيسقط مجموعة أحجار الدومينو للأقليات في العالم العربي، مما يعني المزيد من المشاكل والحروب والمهاجرين وقوارب الموت التي تخرج من في هذا العالم الهشّ أساسًا باتجاه أرض الرخاء في أوروبا.

نحن الآن أمام متحول خطير في مفهوم «حق تقرير المصير» فإذا كان لكل أقلية الحق في تقرير مصيرها كما يريد أن يفهمنا إخوتنا الأكراد فسنكون إذن نحن أمام تقسيم جديد لخارطة العالم تبدأ في إقليم كردستان ولا تنتهي إلا في جبال الهيمالايا عند الديلاي لاما.

ارتكبت حكومة بغداد وبمساعدة الميليشيات الإيرانية وعلى مدى سنوات عديدة أخطاء لا تغتفر بحق السنة العراقيين العرب من مجازر واعتقالات وتهجير وسجون سرية وقطع الأرزاق، وكانت أغلب حكومات الدول العربية متفرجة وشاهدة على هذه الانتهاكات والمجازر وحانت اللحظة الحاسمة الآن للوقوف إلى جانبهم في استعادة أراضيهم التي يريد الأكراد ضمها إلى الإقليم بحجة الاستفتاء.

على حكومة بغداد وبقية حكومات الدول العربية أن تعيد الاعتبار إلى المكون السني في العراق ومعهم بقية الطوائف والأقليات من مسيحيين وتركمان وأيزديين وأن تجعل منهم قوة مستقلة في مناطقهم للمحافظة على النسيج الاجتماعي فيها وإلا فإن هذا النسيج إذا تمزق – لا سمح الله – فإن هذا التمزق سنسمع صداه قريبًا جدًا في المملكة العربية السعودية
وفي شمال أفريقيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

_for new, _map, _middel, new, خريطة
عرض التعليقات
تحميل المزيد