أظهرت النخب السياسية في الولايات المتحدة على مدى عقود دعمها للأنظمة الوحشية دول الشرق الأوسط تحديدًا، وذلك يتناقض إلى حد بعيد مع الديمقراطية التي تدعو إليها الإمبراطورية الأمريكية، ورغم هذا التوصيف البسيط، يرى كثيرون على المستويين السياسي والشعبي، بأن المشكلة تكمن أساسًا في غياب الوعي، وعدم التسليم بالنقص الفكري الذي تعانيه الشعوب العربية والأفريقية واللاتينية، الذين يلقون باللائمة على شماعة أمريكا لتغطية إخفاقهم وتخلفهم.

إلا أن التعمق في سيرة الولايات المتحدة منذ أخذت تقود دفة العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا يدع مكانًا للشك بأن واشنطن وسياساتها هي عدو الشعوب الأول، أو كما يصفها نعوم تشومسكي، بأنها تصيغ المصطلحات بحسب مصالحها؛ فكل معارض في الدول الأعداء لأمريكا هم «مناضلون»، أما المعارض للاستغلال الأمريكي في الدول التي تركب في مقطورة واشنطن، فهو «إرهابي» يتم معاقبته بل تصفيته.

وكذلك الأمر بالنسبة لدعم الحريات وتناقل السلطة السلس المزعوم من قبل ساسة البيت الأبيض، حيث يوضح تشومسكي بأن «الديمقراطية مسموحة فقط عندما تأتي بأشخاص لا يعارضون النظام الأمريكي ويقبلون السياسات الأمريكية تجاه بلادهم، وغير ذلك فإن أمريكا تستخدم حقها بإزاحة كل من يعارضها، ويستشهد بدعم انقلاب «بيونوشيه» في تشيلي 1973 أو حصار وتجويع كوبا وشعبها بذريعة «كاسترو»، أو دعم انقلاب مصر عام 2013.

ولكن لماذا الرفض الدائم لنيل الشعوب حقوقها وممارسة حقها في اختيار من يمثلها؟

لقد أقامت الولايات المتحدة إمبراطوريتها على أنقاض عشرات الحروب التي استنزفت فيها أرواح ملايين الأبرياء، منذ الإبادة الجماعية للسكان الأصليين، إلى غزو فيتنام ودعم الديكتاتوريات في الهند الصينية والعراق والأنظمة القمعية في أمريكا الجنوبية، وما بعد الحرب الكبرى، برزت حروب واشنطن كأسرع الطرق في فرض هيمنتها على العالم، بشقيه السياسي والاقتصادي؛ وكلا الجانبين مرتبط بعضه مع الآخر لتحقيق المصلحة الأمريكية.

ولفهم أكثر عمقًا لإيديولوجيا الإمبريالية الأمريكية وسعيها الدؤوب في السيطرة على ثروات الدول وإخضاع شعوبها، يجدر الإشارة إلى جون بيركنز كبير اقتصاديي شركة «ماين Main» ومؤلف كتاب «الاغتيال الاقتصادي للأمم»، وفيه يشرح سبل واشنطن وأدواتها للنيل من كل ما يقف حجر عثرة في وجه مصالحها، فاللعبة التي تمارسها واشنطن عن طريق «القتلة الاقتصاديون»، تقوم على إيهام الأنظمة في دول العالم بما يلي:

سوف تعمل الشركات الأمريكية على تطوير بلدانهم في جميع القطاعات الاقتصادية من بنى التحتية، شبكات الكهرباء، الصرف الصحي، حقول النفط والغاز والتعدين… إلخ من مختلف القطاعات الحيوية، والدول المستهدفة، هي التي تعاني شحًا بالتمويل النقدي، باعتبارها دول ناشئة أو خارجة من صراعات في معظمها، كما أن شركاتها ووسائلها بدائية، بحيث لا تستطيع استثمار مواردها خاصة الطبيعية.

وبالتالي هي بحاجة لشركات عملاقة لتطوير حقول النفط والغاز، وإقامة شبكات الأنفاق، وإنشاء الجسور، وإنجاز مشاريع محطات الطاقة، وهنا يأتي الشق الثاني من اللعبة، حيث إن دور «القاتل الاقتصادي» يقوم على عرض بيانات ودراسات تحمل صفة «المبالغة»، فمثلًا عند دراسة مشروع شبكة ربط كهربائي ضخمة تكلفتها الفعلية مليار دولار، يتم مواءمة التكلفة لتصبح الضعف وأحيانًا أضعاف القيمة الحقيقية.

ويكون خيار الحكومات الوحيد لتأمين المبالغ الضخمة الاستدانة من البنوك، أو المؤسسات الأمريكية، بفوائد كبيرة، أو من خلال رهن جزء من هذه الثروة والحصول على نسبة معتبرة منها مثلما حصل مع السعودية في سبعينات القرن الماضي، والغريب في جميع الأحوال أن هذه الدول ملزمة بأن تحيل العطاءات إلى شركات أمريكية، أو مرتبطة بمصالح وثيقة مع الولايات المتحدة ومؤسساتها.

في المحصلة إن الدول المستهدفة تكون قد حصلت على أموال طائلة على شكل قروض، ثم أرجعته لنفس الجهة (الولايات المتحدة) دون تحقيق الفائدة المرجوة!

لو أعدنا صياغة القصة في عهد الاستعمار المباشر، سوف نجد أن الدول كانت تعتمد على طاقاتها وجيوشها، حيث إن الحكم للعصا والبندقية، إلا أن مرحلة ما بعد الاستعمار، أظهر الحاجة إلى تغيير قواعد اللعبة، نتيجة أن التكلفة الباهظة التي تتكلفها دول الاستعمار، وهنا يأتي الشق السياسي، حيث أن ما تقدم، يظهر التشارك بين الاستعمار القديم والجديد في الرغبة بنهب واستغلال الثروات.

وحديثًا _ على عكس ما كان قديمًا من الاعتماد على الذات _ فإن هذه السرقة الواضحة قائمة بشكل أساسي على معاون داخي؛ فلا يمكن أن تجري إلا من خلال أنظمة قمعية ودكتاتور يربط المشروع بمصالحه الشخصية دون وضع اعتبار لأي خسارة اقتصادية؛ ونتيجة لذلك فإن الحكومات غالبًا ما تفشل في تحقيق العائد المرجو من هذه المشاريع الوهمية التي يسوقها قتلة اقتصاديون يعتمدون على أرقام وإحصائيات تقرها وترسمها جهات أمريكية داخلية.

ذلك بكل بساطة يعني الغوص في مستنقع الديون، ويضع الدولة تحت سلطة جهة الإقراض، كما هو حاصل مع كثير من دول أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط.

لقد أكد بيركنز بأن هذا الاحتيال والاغتيال لا يتم إلا من خلال رؤساء لا يمثلون تطلعات شعوبهم، ولا يعبرون عن إرادتها، وهؤلاء في معظمهم جاءوا على ظهر دبابة، أو بتزوير الانتخابات بدعم أمريكي تحديدًا، ومن يشذ عن القاعدة فإن مصيره إما القتل، أو الخطف، أو الحصار، كما يصف بيركنز، وفي ذلك ذكر من الأمثلة قناة بنما، أو شبكة الربط الكهربائي في الإكوادور، أو فترة استكشاف النفط في السعودية، وكلها مشاريع ضخمة تم التخلص من كل من وقف في وجه تنفيذها إما سلميًا بانقلاب ناعم، أو بالقوة المفرطة.

إن مفهوم الإقطاع والاستعمار جرى صياغته ليتواءم مع الحداثة والانفجار المعرفي وحسّ المقاومة الذي تشبعته الشعوب ضد المستعمر الخارجي، فجرى الاتكال على وكيل داخلي يضمن مصالح المستعمر مقابل أن يرضي غروره ويملأ خزينته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد