من الواضح جليًا لأي متابع لحركة الثقافة والتنوير في مصر أنها تمر بأزمة عبثية شديدة، تحصر التنوير في المسائل الدينية فقط، عازفة عن التنوير والتثقيف الاجتماعي، والذي سيجر المواطنين بالضرورة إلى مساءلة السلطات الحاكمة حول الحال المزري الذي وصل إليه المجتمع من فقر وجهل ومرض، وكذلك لا تقترب من التنوير السياسي الذي يبين للمواطن دوره في الحياة السياسية ومسئولية الحكومة من رعاية مصالحه، ووجوب توفير الأمن والعمل، وكافة تأمينات الحياة، وأصبح التنوير محاطًا بخطوط حمراء كثيفة لا يتعداها المثقف، وله دائرته الخاصة من المسموح به أمنيًا، فلا تجد غير قضايا خلافية استغرقت أجيالًا من (المثقفين)، وملأت الشاشات بمئات الساعات التليفزيونية من الثرثرة التي لا تنتهي إلى رأي يقيني، أو رأي متجرد غير منحاز.

فحتى مع وجود المتناظرين حول قضية ما من القضايا المشاعة، كختان الإناث، وتعدد الزوجات، وعمل المرأة وغيره، يعمد كل فريق إلي السخرية الحادة المباشرة من الآخر، وتسخيفه وتحقيره حرصًا على تلك الفئة التى ينتمي إليها ويمثلها، لذا فإن جمهرة المثقفين المصريين بلا وزن في كفة تطور المجتمع وتقدمه، بل أصبحوا عبئًا على هذا المجتمع بثرثرتهم المستمرة حول قضايا هي في الأصل إن حُلَّت بأية طريقة فلن تساهم في النهاية في تخفيف عبء الحياة عن كاهل المجتمع، فالمجتمع المصري الذي يعاني من كل أزمات الحياة لا يلتفت إليه أحد، ولا ينظر إليه أحد هؤلاء المثقفين نظرة رحمة، ولا يطلب أحدهم من الحكومة مباشرة واجبها بجدية، أو يطالب بإقالتها لتقصيرها المستمر الممنهج، أو يُقْدِم على نُصح مؤسسة الرئاسة ويواجهها بتقصيرها؛ لأن المثقفين لا يعنيهم من أمر الإصلاح والتنوير سوى إنارة وجوههم أمام الكاميرات في الاستديوهات المكيّفة.

ولكل زمن مرتزقته من المثقفين، فوقت مبارك، درج مثقفو عصره على إثارة كل ما يخص المرأة تحديدًا، فلا تسمع سوى (عمل المرأة – ختان الإناث – الخلع – حجاب المرأة …إلخ).

وفي عصر مرسي كان هناك المرتزقة الملتحون الذين ما فتئوا يكررون القضايا السابقة، ولكن بشكل يميني أكثر، وكأنهم ينتقمون من مثقفي العهد البائد، فكان الحديث عن ضرورة فرض الحجاب، وإلغاء المواقع الإباحية، ولزوم المرأة بيتها، إضافة إلى قضية الخلافة وضرورة إقامتها، والخلاف حول ولاية المرأة للولاية العظمى، بغض النظر عن واقع الدولة وطموحاتها، بعد ثورة وركود اقتصادي وسياسي، وكبت للحريات استمر ثلاثين عامًا تحاول الإفاقة منه.

وأتى عصر السيسي، وما مضى به الوقت، إلا وقد دخل جَمْع المثقفين مساكنهم، إما اتقاء للخطوط الحمراء الملتهبة، وإما يأسًا، ولم يبق في الساحة، إلا نُخَالة لا تعرف عن حركات التنوير في العالم قديمها وحديثها، إلا نقدها للأديان وتراثها!
وكأن مصر إذا أرادت أن تتقدم، فلابد من سجن أديانها خلف القضبان وللأبد، أو كأنها إيران أخرى، مع أن مواطنيها متدينون تدينًا فطريًا، أو هم في الدين عوام، لا مذهبية ولا طائفية ولا أفكار خاصة تعوق حركة المجتمع وتقدمه.

ومن الأمثلة البائسة المستمرة على الساحة من هؤلاء المرتزقة من احتال حيلة ساذجة في تنويره المشوّه كي يبتعد عن أسئلة الحاضر المُلِحّة، بأن إصلاح الحاضر يبدأ من إصلاح الماضي، ومن آرائه الأشد سذاجة أنه لا يتكلم في السياسة؛ لأنه لا توجد سياسة ليتحدث فيها!

ثم راح ينبش القبور المنسية، ويستخرج من تاريخها كل سيئ؛ ليثير به بلبلة لن تقدم، ولن تؤخر في حال الأمة المصرية، فتارة يفتري على المسجد الأقصي دُرّة القضايا العربية، وتارة يغرس خنجره بظهر صلاح الدين ويصفه بأحقر شخصيات التاريخ!

وبالطبع فإن أمثاله من المرتزقه مفتوح أمامهم الطريق، مقطوع على غيرهم، فمن غيره تُيَسر له الاستديوهات دائمًا؛ ليبث رأيه على الملايين بعد خروج المختلفين معه من الملعب، فمن يسبقك إذا كنت تجري وحدك! كما جاء في المثل الألماني.

إنه لا يخجل من أن يجري وحده، ويفوز وحده، ويفرح وحده، سعيد بذلك الهزل وكأنه حقيقي، فأين رفاق الدرب ممن رحلوا أو نُفوا أو توقفت برامجهم أو مُنعوا من الظهور على الشاشات!

وإني لمشفق على من حاولوا الدفاع عن شخصية عربية تاريخية كالناصر صلاح الدين أمام مرتزق لا يعرف عن التنوير إلا الحديث عن الماضي البعيد، ولا يَرِقّ له قلم، وهو يسير بسيارته بين جموع المصريين وحالهم يبدي حالهم.

ولعل السؤال المنطقي: ما الذي يفيده المجتمع من كل هذه القضايا المثارة، ماذا سيقدم لنا إن عرفنا أن صلاح الدين مخلص أو خائن، وما الذي يضير ذلك المرتزق من استمرار شخصية صلاح الدين في الوجدان العربي كما هي؟

لماذا لا يتحدث المرتزقة عن مشكلة التعليم، أو المشكلة الاقتصادية، أو الحريات العامة والخاصة، أو …؟
ثمة خيانة منتشرة في الآفاق تفوح من ضمائر المثقفين وذوي الرأي هذه الأيام، ولا أرمي من اختلف معي بالخيانة لعجز عن الدفاع عما أؤمن به من تراث أمتنا، ولكني أؤمن بقول العز بن عبد السلام: من نزل بأرض تفشى فيها الزنا، فَحَدَّث الناس عن حرمة الربا فقد خان.

أما المثقفون الحقيقيون فيذكرهم إدوارد سعيد – نقلًا عن بيندا – قائلًا: لا يكونون أبدًا في أفضل حالاتهم، إلا عندما تحركهم عاطفة ميتافيزيقية، ومبادئ نزيهة للعدالة والحقيقة، ويشجبون الفساد، ويدافعون عن الضعفاء، ويتحدّون السلطة غير الشرعية أو الجائرة.

هل أحتاج إلى التذكير كيف شجب فنيلون وماسيلون حروبًا محددة للويس الرابع عشر؟ كيف أدان فولتير دمار البلاطينيين؟ كيف استنكر رينان أعمال نابليون العنيفة؟ وكيف شجب بكلي تَعَصُّب إنجلترا تجاه الثورة الفرنسية؟ وفي زمننا كيف أدان نيتشة ممارسات ألمانيا الوحشية ضد فرنسا؟

أما غيرهم ممن نراهم في زمننا، فذكرهم الروائي والمفكر الفرنسي جوليان بيندا أيضًا عام 1927 في كتابه: خيانة المثقفين، كما نقل عنه إدوارد سعيد في: الآلهة التى تفشل دائمًا:

كم كان هامًا للحكومات أن تستخدم هؤلاء المثقفين الذين يمكن أن يُستدعوا لا ليقودوا، بل ليعززوا سياسة الحكومة، ويطلقوا الدعاية ضد الأعداء الرسميين والتعبيرات اللطيفة، وعلى نطاق واسع، منظومات كاملة من لغة أورويلية غامضة، التى يمكنها حجب حقيقة ما يحدث باسم النفعية المؤسساتية أو الشرف الوطني.

وهذه النفعية تختلف باختلاف بيئة المثقف النفعي، فهنا وعندما يُهَاجَم أحد هؤلاء المرتزقة؛ لأنهم تركوا الحاضر وغاصوا في الماضي بكل خسة تاركين الناس يتلظون بنار الواقع أعتذروا بأن الحاضر لن يصلح إلا إذا أصلحنا الماضي، فمتى كان الماضي في بيئتنا قيدًا على الحاضر أو عقبة في طريق المستقبل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد