منذ أن بدأ ما يسمى بالربيع العربي، الذي هو عبارة عن مصطلح محرف بـ180 درجة، كما يعبر عنه في الرياضيات والهندسة، والأصح أن نسميه بالخريف العربي؛ أي دمار البلدان العربية، الواحد تلو الآخر، والمجتمعات العربية تتابع في ترقب ما يحدث في كل بلد، ويقال إن هذا بعيد عنا، وبعد فترة وجيزة يأتي الخريف إليهم؛ ليسقط أبناء ذلك البلد مثل أوراق الخريف، وعندما نسميه خريفًا فإننا نعنيه معنى واصطلاحًا، ولشرح هذا الموضوع يجب الرجوع إلى أساس ذلك.

لقد بدأ الأمر بعد حرب أكتوبر (تشرين) التحريرية عام 1973م ومعاهدة «كامب ديفيد»، حيث بدت الدول العربية مجتمعة ضعيفة، أمام كيان صغير حديث النشأة، ونعني دولة «إسرائيل» فهي في مركز المعقل العربي، وفي تطور وازدهار، بينما الدول العربية تتساقط وتتشظى، فبعد الحرب المذكورة آنفًا، بدأ ما يعرف بـ«الشرق الأوسط الجديد» أي خلق وتكوين دويلات من دول لها تأثيرها السياسي والديني والقومي، وهي الدول العربية فبدأ المشروع بالعراق «كونه البوابة الشرقية للوطن العربي» بدخوله الحرب العراقية الإيرانية، وتدمير كفاءاته البشرية من علماء وأطباء ومهندسين ومدرسين وأكاديميين، بالإضافة إلى سحق أجيال من الشباب في تلك الحرب، بالإضافة إلى تدمير اقتصاد كل من البلدين.

 فعلى الرغم من عراقة الدولة الإيرانية إلا أن النظام الجديد قتل الضباط والقادة العسكريين، وكذلك العلماء؛ فأصبحت الدولة متزعزعة الأركان كلها، هذا لأنهم موالون للنظام السابق، أو مخالفون للفكر الذي أتوا به؛ ولهذا فإن الدولة الإيرانية تحتاج إلى زمن طويل، لتثبت أركان الحكومة الجديدة، إلا أن الحرب سبقت كل شيء؛ لهذا نرى أن الاقتصاد الإيراني قد تدمر، لنقص الكفاءات، وبعد انقضاء الحرب، فإن الاقتصاد قد تدمر لكليهما، وخرج العراق مدمرًا اقتصاديًا، ولكن ما زال محتفظًا بقوته العسكرية، ويحتاج إلى الضربة القاضية للشروع بالخطوة الثانية.

في تلك الأثناء كانت الحرب الأهلية اللبنانية مستمرة والتي بدأت منذ عام 1975م بعد حرب تشرين، بعد سنتين ولكن لم تلاحظ أنها لها أجندات خارجية إلا بعد أحداث 1991م في حرب الخليج الثانية، نعود إلى الوضع العراقي، فلقد استقر العراق لمدة عام واحد، ودخل العراق في حرب عربية– عربية مع الكويت بحجة أسعار النفط، وقد لاحظ القلة أنه بمجرد دخول العراق الحرب انتهت القضية اللبنانية، إيذانًا بابتداء الحلقة الثانية من الخطة التدميرية، أصبح لبنان مقسمًا سياسيًا في حين العراق يدخل إلى الكويت، ويخوض معارك ضارية.

 في تلك الأثناء تقرر الولايات المتحدة الخروج من خلف الكواليس، بعد أكثر من 15 عامًا، من الثمثيل وراء الكواليس، ولهذا سبب وجيه فإن الوضع في السبعينيات لا يساعد على الظهور، كون العالم كان محكومًا من قِبل سياسة القطبين سياسة التوازن «الأمريكي- السوفيتي»، أما بعد 1990م، فلقد تفتت الاتحاد السوفيتي بفعل الحرب الباردة، في تلك الأثناء يذهب الأمير الكويتي إلى الولايات المتحدة، ويطلب المعونة، ويقرر الرئيس المساعدة، ولكن بشرط المباركة العربية، ولقد رأينا المباركة عن طريق الجامعة العربية، فلقد انكشف الأمن القومي العربي، ويعلم الكل ما له وما عليه، وأصبحت النظرة إلى الدول العربية من قبل الغرب على أنها دول كرتونية، ونمر من ورق، وكأنها ليست بدول لها تاريخ من الحضارة والزمن، دخلت الولايات المتحدة مع حلف عربي، وتدمر الجيش العراقي، وكانت هذه الضربة القاضية.

لحق بالعراق حصار اقتصادي مجحف، والذي كان له غايتان؛ أولًا- سقوط النظام العراقي سياسيًا واجتماعيًا، والثاني- هو لإظهار هذا السلاح الفتاك للخصوم مستقبلًا، بعدها حدثت حرب الخليج الثالثة، وغزو العراق، فبعد سقوط العراق، أصبحت الحرب على باقي الدول بسيطة، كون العراق هو مفتاح الدول العربية، كما أوضح «هنري كيسنجر»؛ بدأت الثورة التونسية، والمصرية، والليبية، وبدأت تتساقط العروش، وبدأت تظهر الجماعات الإرهابية المسلحة المجهولة المصدر والتموين، ولكنها كانت مدعومة في الحرب الأفغانية– السوفيتية، فهي وليدة السياسة الأمريكية، فكل بلد يسقط تظهر فيه هذه الجماعات المسلحة لزرع الفتن العرقية والإثنية والطائفية؛ ففي العراق بعد عام 2014م أصبح مهي، ولديه الأرض الخصبة للتقسيم، على الرغم من الصوت الوطني للمجتمع، ولكن على المستوى السياسي الطائفي.

أما الساحة السورية فهي مقسمة عسكريًّا، وليبيا مقسمة إلى ثلاث ولايات، كما أرادت الخطة القديمة، ولكن تحت مسميات سياسية لتغطية الهدف الرئيسي، وفي الوقت الحالي تدخل تركيا وإيران إلى الساحة، ولن يكتمل المشروع إلا بتفتيتهما؛ لأن الدولة الكردية الجديدة تتضمن العراق وسوريا وإيران وتركيا، فكل بلد يحتاج إلى تقسيمه إلى مناطق ثلاث أو أكثر، ولكن الرابط بينهم هو المجتمع الكردي؛ لذلك لا بد من توفير الدولة الكردية خاصة بعد العنف السياسي بينهم، وبين الأنظمة القائمة في البلدان المذكورة، ولقد بلغ المشروع نقطة المنتصف فالعراق وسوريا جاهزتان، وبقيت إيران وتركيا.

 وأولى الخطوات هي الحصار الاقتصادي الإيراني، وانهيار الاقتصاد التركي المتراكم، وهذا السلاح مجرب سابقًا، كما أشرنا في العراق؛ لهذا نلاحظ أن الاقتصاد الإيراني انهار بصورة سريعة، وذلك لأن السوق والتجار لهم علم مسبق بما يعنيه الحصار، فانسحبوا وبان الأثر بشكل سريع، والآن نرى الجنوب العراقي ينتفض لخدمات واحتياجات وهذا مطلب وطني، إلا أن الساسة والخبثاء بدؤوا يدخلون في الساحة، وينفذون خطتهم، وتحقيق الصراع «الشيعي– الشيعي» المذكور سابقًا؛ لتفتيت الجنوب كونه المرتكز الوحيد الذي يقف عليه العراق بعد انهيار المرتكزين الآخرين الأكراد والسنة في الشمال، وهذا المنهج المستمر سيستمر إذا ما حدث طارئ، مثل ظهور تدخل أجنبي، والمحتمل أن روسيا والصين سيشكلون القطب الآخر في العالم، عندها سنرى توازانًا إقليميًّا في العالم، ونرى شيئًا من السلام، والله أعلم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد