لا شك أن المصطلح نفسه يبعث شيئًا من القلق داخل النفس لدى كل من يسمعه للمرة الأولى ولعل أول مرة يخرج هذا المصطلح عبر تصريح رسمي كان من وزيرة الخارجية الأمريكية في عام 2006 آنذاك (كونداليزا رايس) ولم يكن المكان الذي خرجت منه تلك التصريحات إلا مؤكدًا على هذا القلق (إسرائيل) وكان ذلك بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان.

ولأن الأمور لا تسير في الغرب بدون تخطيط مسبق فلقد كتب أحد الضباط العاملين في الاستخبارات الأمريكية مقالًا في أحد أهم الجرائد المتعلقة بالشؤون العسكرية الأمريكية (armed forces journal) تحت عنوان حدود الدم.

ولا شك أن التوقيتات كلها كانت ذات دلالة واحدة وهي أن العالم العربي لن يسلم إلى ما يحاك ضده ولابد من التمهيد لتلك الخطة المنشورة بالتفصيل في المقال المشار إليه سابقًا.

فالغرب يريد تقسيم الشرق الأوسط إلى دويلات إثنية ودينية مختلفة حتى يكون التحكم فيها أيسر من الوقت الراهن فزراعة إسرائيل في المنطقة لم تكن من قبيل الصدفة وإنما كان لزعزعة الترابط بين دول الشرق الأوسط وهدم أي فكرة للوحدة ممكن أن تحدث والإجهاض على أي محاوله للقيام بمثل هذا الأمر لأن الترابط إن حصل بشكل قوي سيشكل ثقلًا استراتيجيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا سيكون عائقًا للغرب في الكثير من الطموحات التي يسعى إليها في المنطقة.

الخطه المسماة بتقسيم الشرق الأوسط الجديد يسعى الغرب من خلالها إلى أن تكون إسرائيل داخل المنطقة كيانًا شرعيًّا في الجسد العربي ليس ذلك فقط بل أن تكون ذات طبيعة قيادية أيضًا بعدما عانت إسرائيل شذوذًا بنيويًّا في الفترة السابقة منذ إعلانها دولة إلى الآن.

ولازالت مقوله شيمعون بيريز الشهيرة «لقد جرب العرب قيادة مصر للمنطقة مدة نصف قرن فليجربوا قيادة إسرائيل الآن» التي ذكرها في كتابه الشرق الأوسط الجديد شاهدة على أن إسرائيل تسعى إلى السيطرة على المنطقة ولن ترفض أمريكا هذا الأمر خاصة بعدما فشلت أمريكا في حرب أفغانستان وحرب العراق فأصبحت تعهد إلى إسرائيل بتفيذ مخططها الاستعماري.

إن العقل الداعي للشرق الأوسط الجديد قد ظهر بوضوح وبكل جلاء في المقال المشار إليه سابقا فكاتبه (رالف بيترز) الضابط المتقاعد الذي حمل رتبة مقدم تحدث في مقالته عن الظلم الفادح الذي لحق بالأقليات حين تم تقسيم سايكس بيكو ولقد ذكر بأن من أهم هذه الأقليات (الأكراد والشيعة ثم ألمح إلى مسيحيي الشرق الأوسط والبهائيين والإسماعيليين والنقشبنديين).

وقدم بيترز خريطة للشرق الأوسط رسم فيها الدول الجديدة حسب رؤيته أو رؤية الإدارة الأمريكية إن أمكن تصحيح المقولة حيث قسم دولة كالعراق الحالية إلى ثلاث دول وهي دولة كردية في الشمال ودولة شيعية في الجنوب ودولة سنية في الوسط، ستنضم تلك الدوله السنية إن أرادات إلى سوريا مع مرور الزمن كما ذكر، أما السعودية وكيف سيتم اقتطاع جزء من شمالها لينضم إلى الأردن واقتطاع جزء من الجنوب لينضم إلى اليمن كما ستفقد المملكة جزءًا من الشرق لصالح دول نفطية ستكون دولًا شيعية عربية.

والأردن ستحتفظ بأراضيها بل يضاف إليها كما قلنا جزء من المملكة العربية السعودية وليس ذلك فقط بل سيرتبط مستقبل الضفه بها.
ولقد وصف بيترز الإمارات بالدولة المدنية واقترح أن تنضم بعض الدول الشيعية التي ستكون حول الخليج لتصبح قوة توازن مقابل الدولة الفارسية المرسومة لا أن تكون حليفًا لها.

ولقد ذكر المقال دبي حيث قال الكاتب ببقائها لتظل مسرحًا للأغنياء والفاسقين (على حد تعبير الكاتب) وستبقى الكويت وعمان كما هما.
ولن تسلم إيران من هذا التقسيم حيث ستفقد إيران جزءًا من أراضيها لصالح أذربيجان الموحدة وكردستان الحرة لكنها ستكتسب أراض جديدة من أفغانستان لكي تعود إيران بلدًا إثنيًّا فارسيًّا من جديد.

ولم تختلف الرؤية الأمريكية عن الرؤية الإسرائيلية في كيفية التقسيم على مستوى التصريحات التي أطلقها مسؤولون إسرائيليون فتصريح بن جوريون قبل إنشاء دولة إسرائيل بعدة أعوام «إن عقب أخيل – نقطة الضعف – في الائتلاف العربي هي سيادة المسلمين في لبنان فهي سيادة زائفة يمكن بسهولة قدرها»، حيث اقترح بن جوريون إنشاء دولة في الجنوب اللبناني لصيقة بإسرائيل وتكون دولة مسيحية وستكون إسرائيل على استعداد لتوقيع معاهدة مع هذه الدولة وقال في رؤيته «وبعد أن نكسر الفيلق العربي ونضرب عمان بالقنابل سيكون بإمكاننا إزالة دولة الأردن وبعد ذلك سوف تسقط سوريا وإن اجترأت مصر على محاربتنا فسوف نقصف بورسعيد والإسكندرية والقاهرة، وهكذا تنتهي الحرب وتقضي نهائيًّا على مصر».

ولقد حاول شارون وضع الجزء الخاص بلبنان في مخطط بن غوريون موضع التنفيذ عام 1982 ولكن المقاومة اللبنانية اضطرته للانسحاب إلى داخل حدود إسرائيل إلا أن شارون نجح في جزء آخر وهو تحقيق التطابق الكامل بين السياسة الإسرائيلية والسياسة الأمريكية بإعلان حرب لا نهاية لها ضد الإرهاب كما نجح في الجمع بين سياسة التوسع الاستيطاني وضم الأراضي.

ولم تقف الروئ التقسيمية الصادرة عن هذا الفريق ضد الشرق الأوسط ودوله عن هذا الحد فنجد مثلا (جيورا أيلاند) رئيس شعبة العمليات بالجيش الإسرائيلي سابقًا والرئيس السابق لمجلس الأمن الوطني المسؤول عن وضع الاستراتيجية الأمنية للدولة الإسرائيلية قد وضع مخططًا قال فيه بضم 12% من الضفة إلى إسرائيل و 600 كم من مصر إلى قطاع غزة على أن يوطن فيها مليون نسمة على أن تعوض مصر بـ 150 كم من النقب تعويضًا لها.

وظلت الاقتراحات تتوالى من الساسة والكتاب والمسؤولين الإسرائيليين والغرب وأمريكا دون مواربة أو تخوف، ولعل ما لاحظناه في الخطط السابقة أن التقسيم سيتم بناءً على نقطتين هامتين:

  • إضعاف أو موت العلاقات العربية العربية.
  • إنعاش الطائفية في المنطقة وتأجيج الصراعات فيما بين الطوائف ولن يتم السماح بطائفة الانتصار النهائي على أخرى لأن ذلك يزيد من قوه تلك الطائفة.

ومن الملاحظات الهامة في هذا التقسيم الذي لم يعد تكهنات وإنما أصبح مخططًا واضح الملامح أن القضية الفلسطينية لن يكون لها حل في مشروع الشرق الأوسط الجديد وإنما اعتنى فقط بإعطاء شرعية لإسرائيل بقوة.

ولعل ما يمكننا قوله في الملامح المحددة التي تبناها الفريق المخطط للتقسيم برئاسة أمريكا وإسرائيل اعتمادهم على نقاط محدده للعمل على إنجاح هذا التقسيم وهي:

الديمقراطية، مقاومة الإرهاب، الليبرالية الاقتصادية، الانقسام الإثني، عولمة القيم.
ربما يمكننا في مقالات أخرى تفسير ما تنتهجه الدول الغربية وأمريكا تجاه هذه النقط في محاولة لسحب المنطقة العربية إلى التقسيم المرسوم عبر طرق شتى فالتقسيم جارٍ الآن على قدم وساق واستطاعوا إدخال العالم العربي إلى دوامة من المشاكل مما أدى إلى انشغالنا بالدفاع عن هويتنا وقوميتنا وأمتنا وصرنا لا نستطيع الاستمرار بالدفاع عن كل هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد