قراءة في الشرق الاوسط الجديد

تعيش منطقة الشرق الأوسط أيامها الأسوأ على الإطلاق، تملؤها الحروب والصراعات وتتسارع الأحداث والتغيرات، لا يبدو هذا الواقع غريبًا عن المنطقة، إلا أن ما يثير القلق أن هذا يحدث في ظل تحولات يعيشها النظام العالمي، على مر التاريخ كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد تغييرات عظيمة في توازن القوى بين محاور التأثير واللاعبين الأبرز في المنطقة، فقد سجل التاريخ التغيير الأبرز بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وولادة مشروع (وطن اليهود) في وعد بلفور المشؤوم، ثم أطلقت الحرب العالمية الثانية وميثاق الأمم المتحدة العنان لـ(حق تقرير المصير) للشعوب لتبدأ حركات الاستقلال في المنطقة.

عندئذ بدأ ميزان القوى ومجال التأثير في الشرق الأوسط يتأرجح بين الدول فيه لكن تحت سيطرة إلى حد ما من الدول الكبرى المهيمنة، بينما صراعات الشرق الأوسط الحالية تتصاعد في ظل تحول كبير يعيشه العالم، فالدول الكبرى لا تبدو مهيئة للانخراط في الصراعات، إذ إن دول الاتحاد الأوروبي تتجه شيئا فشيئا نحو انتهاج سياسة انعزالية، بينما تتجه قوة تأثير الولايات المتحدة بالانحسار كما يرجح فرانسيس فوكوياما لا سيما إذا استمرت الإدارة الحالية لدورة انتخابية أخرى، ولا تعمل الصين على التدخل المباشر في صراعات الشرق الأوسط بالقدر الذي تعمل فيه على مد جسور التعاون الاقتصادي مع الجميع، كما تبدو روسيا حذرة وغير مستعدة للمخاطرة بمكاسبها في سوريا في حال انخرطت في صراعات أخرى في المنطقة، تشير المعطيات المذكورة إلى أن الشرق الأوسط الجديد سيولد من رحم خارطته وبفعل قوى التأثير والمحاور الفاعلة في المنطقة نفسها.

صراعات الشرق الأوسط الراهنة

تشهد منطقة الشرق الأوسط في الوقت الراهن صراع بين محاور ثلاث يتبنى كل منهم رؤية سياسية ومشروعًا لرسم مستقبل المنطقة، تقود جمهورية تركيا تحالفا في المنطقة يحمل رؤية سياسية فكرية حديثة لفكر الإخوان المسلمين، كما تقف إلى جانبها دولة قطر كحليف رئيسي في منطقة الخليج العربي، وتتبع تركيا استراتيجية أشبه بإستراتيجية ملء الفراغ، على سبيل المثال يذكر جون بولتون في مذكراته المعنونة (الغرفة التي شهدت الأحداث) أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان مستعدًا إلى الخروج من سوريا في حال تعهد أردوغان بمحاربة تنظيم داعش، يمتد تأثير هذا المحور في منطقة الخليج العربي في قطر والبحر الأبيض المتوسط وتحديدا في ليبيا، وفي شمال شرق سوريا وشمال العراق.

على الجانب الآخر، تقود جمهورية إيران الإسلامية والتي تحمل رؤية سياسية إسلامية شيعية محورًا آخر في المنطقة وهو محور المقاومة، يمتد نطاق هذا المحور في أجزاء كل من العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن إذ تتفق أطراف هذا المحور على محاربة الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط ودعم الفلسطينيين في مواجهة الكيان الصهيوني، أما إستراتيجيته في المنطقة فهي دفاعية وليست توسعية، إذ يواجه حربًا اقتصادية وعسكرية استنزافية وعلى جبهات مختلفة في اليمن وسوريا والعراق.

وأخيرا، تقود السعودية محورا ثالثا إلى جانب الإمارات العربية المتحدة، وما هو إلا واجهة إقليمية للمشروع الأمريكي-الإسرائيلي في المنطقة، يتبنى مشروع التطبيع مع الكيان الصهيوني وترسيخ التواجد الإسرائيلي في المنطقة، لا يبدو على هذا التحالف أنه يحمل هوية فكرية معينة إلا أنه يسير وفق إرادات شخصية من قيادته كمحمد بن سلمان ومحمد بن زايد، وهذا التحالف ذهب في تأييد صفقة القرن اذ حضر السفير الإماراتي يوسف العتيبة في مؤتمر إعلانها كما أبدت السعودية دعمها للصفقة من خلال بيان وزارة خارجيتها، ينشط هذا التحالف بصورة مباشرة في اليمن وليبيا.

في الواقع، إن الصراع بين هذه المحاور الثلاث يرسم خارطة جيوسياسية جديدة للشرق الأوسط، لا يبدو أن هذه الخارطة سترسم بالتفاهمات و المحادثات الدبلوماسية أو الاتفاقيات الدولية منها أو الإقليمية لأن الوضع العام في العالم أفقد الدول الثقة بالنظام الليبرالي والمؤسسات الدولية، فقد أثبتت عدم فاعليتها في حل نزاعات المنطقة، خذ على سبيل المثال المسألة السورية فلم يجد الصراع مخرجًا من بوابة إستانا أو جنيف، ولا يختلف الحال كثيرا في اليمن أو الأراضي الفلسطينية، وكل واحدة من هذه الحروب الداخلية المشتعلة هي معركة إقليمية أطرافها المحاور الثلاث المذكورة، ولا يبدو أن هذه المعارك تجدي نفعًا سواء في الوصول إلى تفاهمات أو إمكانية أن يقضي أحد الأطراف على الطرف الآخر، ورغم ذلك ما زالت الأمور تتجه نحو التصعيد أكثر فأكثر.

موقف الدول الكبرى

لقد ذكرنا فيما سبق أن أوضاع القوى العالمية الكبرى لا تساعدها على التدخل بصورة فعالة في صراعات المنطقة، إلا أن ذلك لا يعني أنها ستتخلى عن مصالحها الاستراتيجية فيها، لكنها خسرت اليد العليا في اتخاذ القرار فيما يجري حاليا.

إن للولايات المتحدة موقفًا عدائيًا واضحًا تجاه محور المقاومة، كما أنها تقف إلى جانب المحور السعودي-الإماراتي، لكن الأمر ليس بهذه البساطة عند الحديث عن المحور التركي، إذ تجد إسرائيل الحليف الأكبر للولايات المتحدة في المنطقة أن تمدد المحور التركي لا يقل خطرا على أمنها القومي من محور المقاومة، الأمر الذي أدخل الولايات المتحدة في دوامة من الضغوطات من قبل الحليف الإسرائيلي والمحور السعودي-الإماراتي من جهة، وشريكها في الناتو تركيا من جهة أخرى.

سرعان ما استثمرت روسيا الداعمة لمحور المقاومة في سوريا المازق الأمريكي لتبدأ برسم أهداف استراتيجية جديدة في المنطقة بدأت في التعاون مع تركيا على صعيد التسليح والطاقة، لكن هذا التقدم في العلاقات والأهداف يشوبه حذر من التدخلات العسكرية لئلا تقع روسيا في نفس المأزق الأمريكي، لا سيما وهي تتمتع بعلاقة جيدة مع إسرائيل.

أما تأثير الاتحاد الأوروبي فقد كان محدودًا ومقتصرًا على تحالفه مع الولايات المتحدة، إلا أن بعض الدول الأوروبية وجدت في التقارب الروسي-التركي تهديدًا مباشرًا لها، لا سيما مؤخرًا في ليبيا، إذ تنامى الدور التركي-الروسي فيها مما استدعى تدخل دول الاتحاد الأوروبي لأن هذا الملف على مساس مباشر بمصالحها في البحر الأبيض المتوسط كما إنه يفتح باب آخر لتركيا في الضغط على دول الاتحاد الأوروبي في موضوع الهجرة، إلا أن مؤشر الخطر هو أن الموقف الأوروبي غير موحد في هذا الشأن، إذ تقف فرنسا مع قوات خليفة حفتر، بينما تقف إيطاليا مع الحكومة المدعومة دوليا، مما يضع وحدة الاتحاد الأوروبي في موقف حرج آخر.

ما هو القادم الذي من الممكن أن نتصوره؟

إن أغلب تصورات التهدئة بين المحاور الثلاثة هي تصورات مؤقتة في ظل الأجواء المشحونة وهي غير واقعية مع وجود استفزازات عسكرية وخطوات تصعيدية، أما التصعيد العسكري فهو الأقرب للحدوث، وهذا التصعيد مرجح لسببين، الأول إن المحور السعودي-الإماراتي ومن ورائهم الكيان الصهيوني يظنون إن الفرصة مواتية للقضاء على محور المقاومة خاصة وأنهم يعتقدون أن سياسة الضغط القصوى التي مارستها وما زالت تمارسها الولايات المتحدة قد أنهكته، أما السبب الثاني فهو أن المحور التركي والمحور السعودي-الإماراتي قد وصل بينهما خلاف زعامة العالم الإسلامي إلى أقصاه ولا يبدو أن هناك بوادر انفراج في الأفق، بل تتحين الجمهورية التركية بهويتها الثقافية وإرثها العثماني الفرصة لسحب بساط الزعامة السعودية.

إن الصراع القائم بين المحاور الثلاثة في الشرق الأوسط ينذر بحرب مباشرة شاملة كفيلة بفرض واقع جديد في المنطقة، وتبرز معالم هذه الحرب من خلال متابعة تطورات الأحداث في السنوات الأخيرة، فالجمهورية التركية وجدت نفسها مضطرة إلى التدخل العسكري المباشر في إدلب بعد أن تراجع حلفاؤها هناك، كما أنها تتدخل عسكريا في العراق وبشكل مباشر لتأمين حدودها من جهة واستغلال أي تراجع للقوى للتقدم فيه من جهة أخرى، كما سبقتها السعودية والإمارات في اليمن، وستضطر مصر عاجلا أم آجلا إلى التدخل المباشر في ليبيا على إثر تراجع قوات حفتر الداعمة له، أما محور المقاومة فقد سلّطت عليه منذ وقت مبكر التنظيمات المسلحة وأبرزها تنظيم داعش، وهذا المحور يواجه المحور السعودي-الإماراتي في اليمن من جهة، والمحور التركي في إدلب من جهة أخرى.

كما أن مجتمعات المنطقة أصبحت في حلٍ من الجيوش التقليدية، تسلح الأكراد في مناطق انتشارهم في العراق وسوريا لحماية مناطقهم، وبعد هجوم داعش تسلّح الشيعة والسنة على حد سواء وشكلوا الحشد الشعبي والحشد العشائري، بينما تتسلح العشائر في جنوب سيناء في مصر في محاولة للقضاء على تنظيم «ولاية سيناء» في تجربة أشبه بتجرية «الصحوات» في العراق.

تشتد في خضم هذه الصراعات الحرب المظلمة سيبرانية أو مخابراتية على حد سواء، هذه البيئة التي تعيشها المنطقة لا تبشر بالتوصل إلى تفاهمات طويلة الأمد، بل تقودنا إلى المزيد من الشرارات التي قد توقد نيران حرب شاملة، إن الحرب في حال حصولها، لا سمح الله، لن تزهق أرواح ودماء فحسب بل سترسم خارطة جديدة للمنطقة وقد تقضي على حكومات كانت يومًا ما عاتية عتية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد